صور الملك محمد السادس التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يتجول في شارع بورقيبة الشهير، وفي بعض الحارات الشعبية، لقيت الكثير من التعاليق من طرف رواد العالم الافتراضي، وكذا من طرف التونسيين الذين راح أحدهم يقول “ملك المغرب.. يحوّص في تونس.. والله باهي..شَي باهي لتونس” (أي شيء جميل بالنسبة لتونس أن يتجول ملك في بلادهم)، لاسيما في هذه الظرفية حيث يتوجس المسئولون من مختلف دول العالم من المجيء إلى تونس الخضراء بسبب الانتقال والتحول السياسي الذي تعيشه البلاد والذي أفرز وضعًا أمنيًا هو محط قلق من طرف التونسيين قبل أي أحد غيرهم. وأقل شيء يمكن أن تقدمه زيارة الملك لتونس هو إشهار للسياحة في تونس غير مدفوع الأجر، كما قال تونسيون!

دلالات..

رواد مواقع التواصل الاجتماعي تبادلوا صور الملك المغربي مع تونسيين في أحياء شعبية

وبعيدًا عن أن مسألة زيارة الملك محمد السادس لتونس تأتي في سياق احتدام الصراع الدبلوماسي وحتى تبادل التراشق الإعلامي في بعض الأحيان بين كل من المغرب والجزائر، لاسيما فيما يتعلق بالتسابق على لعب دور ريادي على مستوى المنطقة المغاربية، وكذا على مستوى منطقة الساحل وجنوب الصحراء حيث ينشط الإرهاب وتنشط عمليات ملاحقته، فإن الثابت هو أن زيارة الملك محمد السادس حملت أكثر من دلالة ومعنى أبرزها أن هناك إمكانيات وصيغًا للتعامل مع الحكام الذين جاءوا بمجيء الربيع العربي، غير تلك المبنية على التوجس والخوف من هؤلاء العرب على اعتبار أنهم جاءوا بعد ثورات شعبية!

في هذا السياق رأى تقرير نشره موقع مركز الجزيرة للدراسات أنه على خلاف اتجاهات العديد من الأنظمة السياسية في المنطقة العربية، زار الملك محمد السادس تونس التي تعيش مرحلة “ما بعد الثورة”؛ حيث ترسل هذه الزيارة إشارات لإمكانية إيجاد صيغ للتعامل والتقارب مع التجارب الوليدة للانتقال الديمقراطي، بعيدًا عن منطق التخوف والتوجس ثم المواجهة.

ويرى كاتب التقرير أن هذه الزيارة تمثل اختراقًا لمناخ سياسي عربي موسوم بمواجهة عدد من التجارب الانتقالية في المنطقة سواء لإفشالها أو عرقلتها. ولا تقل الأهمية الرمزية لهذه الزيارة عن أهميتها السياسية؛ حيث تبعث رسالة مضمونها “أن ملكًا يعترف بثورة ويتعامل مع نتائجها بواقعية”.

ويسترسل محرر التقرير في إبراز سياق وأبعاد الزيارة بقوله أنه ما بين أول زيارة للرئيس المنصف المرزوقي للمغرب في فبراير/ شباط 2012، والزيارة التي قام بها الملك محمد السادس الأخيرة لتونس، حدثت تحولات داخلية وأخرى خارجية في كلا البلدين؛ فعلى المستوى الداخلي تغيرت الخريطة السياسية التونسية عقب الحوار الوطني الذي ضم غالبية أطراف المشهد السياسي التونسي وأفرز حكومة جديدة، كما استطاعت النخبة السياسية التونسية إنجاز مهمة الدستور، بأفق الوصول إلى محطة الانتخابات القادمة، في حين عرف المغرب تغيرًا على مستوى التركيبة الحكومية مما أفرز النسخة الثانية المعدلة من حكومة “العدالة والتنمية” (حزب إسلامي). أما على المستوى الخارجي، يضيف التقرير بأنه ليس هناك شك في أن تأثيرات المحيط الإقليمي ومتغيراته قد أثّرت على اتجاهات المشهد السياسي في كلا البلدين. بالإضافة إلى استمرار التحدي الأمني الضاغط على العملية الانتقالية في تونس.

أنظمة غير راضية !

في الوقت الذي يتوجس حكام العالم من التوجه إلى تونس حل الملك المغربي بوفد وزاري مهم بالإضافة إلى مرافقته من قبل ابنه ولي العهد وشقيقه الأمير

ويبدو أن هناك من لا ينظر إلى هذه الزيارة الملكية بعين الرضا، سواء على مستوى الداخل التونسي أو على الصعيد الإقليمي، وهو ما يُستشف على الأقل من خلال “ترويج” خبر بمثابة إشاعة، كما اتضح لاحقـًا، يشير فيه أصحابه الذين فضلوا نشره على أحد المواقع الإخبارية التونسية المشهورة، إلى “غضبة” ملكية من الرئيس التونسي المنصف المرزوقي بسبب موقف أبداه الأخير حول الصحراء ولم يعجب الملك المغربي.

الرئاسة التونسية كذبت الخبر مباشرة وبسرعة فائقة واعتبرته “عارٍ من الصحة”، بينما الديوان الملكي المغربي رد عليه بشدة ووصفه بـ”الأسلوب الدنيء”، بل لمّح إلى ضلوع الجزائر في الأمر، عندما قال البلاغ الصادر عن ديوان الملك محمد السادس، إن “المملكة المغربية، ووعيًا منها تمام الوعي بأن أعداء التقارب بين الشعوب ومناوئي بناء الصرح المغاربي، لن يشعروا بالارتياح لنجاح هذه الزيارة ولجودة العلاقات المغربية التونسية، لا يمكنها إلا أن تعرب عن الأسف لهذا المستوى من الدناءة الذي نزلت إليه هذه الأطراف”.

ولعل هذه “الأطراف” ربما التي لطالما أشار إليها ساسة طرابلس الجدد وحتى في عز ثورتهم بأصابع الاتهام بكونهم لا يريدون للثورة أن تنجح، لن يرضيها كذلك الاتصال الهاتفي الذي أجراه نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي، مع الملك وهو في إقامته بتونس، يطلعه فيها على “التطورات” الحاصلة في بلاده. وذكر القصر الملكي المغربي أن أبا سهمين أطلع الملك على آخر التطورات التي تعرفها ليبيا، وطلب “دعم جلالته والمملكة المغربية، من أجل إنجاح التجربة الليبية”.

أية رسائل؟

رسائل كثيرة حملتها زيارة الملك إلى تونس والتي توجت بتوقيع اتفاقيات اقتصادية وعلمية وأمنية وغيرها

الملك وبعدما طمأن أبا سهمين بوقوف المملكة إلى جانب ساسة طرابلس والشعب الليبي، أكد على ضرورة “الحفاظ على الوحدة الوطنية والترابية لليبيا، وعلى أن اعتماد الحوار الوطني، بمشاركة كافة مكونات الشعب الليبي، هو السبيل لتجاوز هذه المرحلة”.

واقعيًا فإن موقف الجزائر التي تعيش وضعًا داخليًا صعبًا بعدما أعيد انتخاب الرئيس الجزائري المريض عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، وهو ما كان محط سخط شعبي ومقاطعة لعديد من الأحزاب السياسية، (موقفها) الرسمي من الحراك العربي الأخير كان يتسم بالرفض حينًا وبنعته بأفظع النعوت، كما نقلت ذلك تقارير عدة، وبتجنب التعليق عليه في أحيان أخرى، وهو ما سيجعل النظام الجزائري الذي تتحكم فيه المؤسسة العسكرية غير مرحب بزيارة الملك لتونس، والتي بالتأكيد سيكون لها صدى شعبيًا ليس في بلاد ثورة الياسمين فحسب بل لربما حتى لدى جميع شعوب المنطقة.

زيارة الملك توجه رسالة مهمة بالخصوص إلى حكام الإمارات الخليجية، الذين توجسوا كثيرًا من “حكام” الربيع العربي، بل ذهبوا إلى حد المغامرة بالوقوف إلى جانب “الانقلابين” في مصر الذين أطاحوا برئيس منتخب ديمقراطيًا، بل والأخطر أنهم ساروا على نهج هؤلاء الانقلابين وهم يصنفون جماعة تاريخية ضمن خانة “الإرهاب”، فصنفوها هم كذلك، فجاءت رسالة النظام المغربي الشبيه لهذه الأنظمة الخليجية كثيرًا من حيث “الطبيعة”، بأنه يمكن التعامل مع حكام الربيع على قاعدة التعاون والاحترام المتبادل بعيدًا عن الشك والريبة بل والتآمر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد