أربعون انتخاباتٍ يستضيفها العام 2014، يشارك فيها 42% من سكان العالم، يمثلون أكثر من نصف إجمالي ناتجه المحلي، ويحظى كثير منها بلقب “أول”: أول انتخابات ديمقراطية في فيجي، وأول انتخابات رئاسية مباشرة في تركيا، وأول انتخابات في الاتحاد الأوروبي تُنصَب لها الصناديق عبر  28 دولة (لانتخاب البرلمان الأوروبي) منذ عام 2009، قبل التأثير الكامل للأزمة المالية ونمو الأحزاب المشككة في الاتحاد الأوروبي.

ويُتوقع أن يكون للعديد منها انعكاسات دولية، كما هو الحال في: الهند وإندونيسيا وأفغانستان وتركيا وجنوب إفريقيا ودول أمريكا اللاتينية، حيث “يُحتمل أن يتغير الميزان السياسي تمامًا في ثلاث مناطق حول العالم بحلول نهاية العام 2014″، وفق ” نارديلي”.

وسوف تكون اليد الطولى لمسألة “الاستقرار”، بحسب ألبرتو نارديلي من Electionista (منصة تتابع أخبار الانتخابات والسياسة)، بيدَ أن “التوتر” سيكون واضحًا في الانتخابات المحلية، خاصة في البلدان التي كانت تعج بالاحتجاجات في 2013، مثل: اليونان وتركيا، وعلى سبيل التسلية، سيتقرر إجراء سباق تورنتو في أكتوبر، كما سيشهد العام الجاري استفتاءً على استقلال أسكتلندا، وآخر مخططًا له في كاتالونيا.

لكن بالنظر إلى الدماء والمقاطعة التي خيمت على أول انتخابات في 2014 – يوم الخامس من يناير في بنجلاديش – وتراجُع التصويت ببطء في العالم الغني منذ الـسبعينيات، من ما يزيد عن 80% إلى أقل من 70% بحلول 2011 (انظر الرسم أدناه)، إلى جانب خيبة أمل العالم العميقة في السياسيين والانتخابات، سوف تقرع أعداد الناخبين خلال العام الجاري جرس إنذار، يُشنِّف آذان “التطرف السياسي”.

أضِـف إلى ذلك تآكل الصفقة التي ترتكز عليها الديمقراطية؛ بفعل الأزمة المالية: يؤيد الناخبون السياسيين مقابل المزيد من الازدهار. وهذه ليست المرة الأولى؛ فقد تعثرت الديمقراطية في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن الفائت في مواجهة الكساد الكبير، وعادت أمريكا الجنوبية مرة أخرى إلى حضن الاستبداد في السبعينيات والثمانينيات.

صحيحٌ أن المعارضة الرئيسية حلَّت محل معظم الأحزاب التي كانت تمسك بزمام الأمور في بداية الأزمة، إلا أن السياسة لم تتغير تقريبًا: فلا يزال الناخبون يتغذون على حمية التقشف، ويعانون من ارتفاع معدلات البطالة، مع احتمال ضئيل لتحسن كبير يلوح في الأفق، وفرغت جعبة السياسيين من الوعود الجيدة، بعدما اقتطعوا الخدمات والمزايا التي كانوا يعتمدون عليها؛ لذلك أدار الناخبون ظهر المجن للتيار الرئيسي، من سيزيرا والفجر الذهبي في اليونان، مرورًا بـ بيبي جريللو في إيطاليا، وصولاً إلى حزب استقلال المملكة المتحدة في بريطانيا، حتى في أمريكا، تراجع التعاون بين الحزبين اللذين يهيمنان على السياسة، وها هو الحقد يخيم بشكل متزايد على النقاش السياسي؛ ما يصعب مهمة التوصل إلى هذا النوع من الصفقات الذي يمكن للديمقراطية الاعتماد عليه. ولن تضيف انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر سوى مزيدًا من الحطب على نيران الغضب.

 إذا كانت هذه هي المشكلة التصاعدية التي تعاني منها الديمقراطية، فهناك مـشكلة أخرى تنازلية أيضًا، أولاً، إنها (الديمقراطية) أصبحت بعيدة المنال. فحين بدأت الديمقراطية في أثينا، كانت تعتمد على كل المواطنين (الذكور) الذين يتخذون الـقرارت في ساحة أجورا، أو المنتدى، وكانت الديمقراطية الغربية، كما ظهرت في أمريكا وبريطانيا، تعتمد على مبدأ التمثيل: أن يفوض الناخبون من يختارونهم باتخاذ القرارات، مع إمكانية استبدالهم. لكن ممثليهم بدأوا على نحو متزايد يمررون القرارات إلى التكنوقراط. فالسياسة النقدية في أيدي محافظي البنوك المركزية غير المنتخبين، الذين يبدو أن كل كلمة تصدر من أفواههم تحرك الأسواق، والذين يُعتبرون شخصيات اقتصادية أكثر أهمية من كثير من رؤساء الوزراء. وفي منطقة اليورو، قد تحتاج السياسة المالية إلى موافقة بروكسل قبل تطبيقها على المستوى الوطني. أيضًا تذعن القوانين المحلية الآن للمحاكم الدولية، سواء في محكمة العدل الدولية أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ويمكن لصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية تحديد السياسة الاقتصادية. ومن ثمَّ، يجب على العديد من الناخبين إدراك أن تأثير أصواتهم متواضع في مواجهة كل هذه السيطرة الخارجية، وهو ما يساعد في تفسير ارتفاع المشاعر المعادية للاتحاد الأوروبي في أنحاء أوروبا، وهو ما سينعكس في ارتفاع دعم الأحزاب الأوروبية المشككة في الاتحاد خلال الانتخابات الأوروبية المقررة في مايو.

ثانيًا، للعديد من المشكلات الحديثة، مثل: التهرب الضريبي والتغير المناخي، صبغة عالـمية، كما أنها أثبتت صعـوبة التوفيق بين الديمقـراطية والقرارات الدولية. فبينما يحاول الاتحاد الأوروبي الجمع بين الكفاءة وحقوق آحاد البلدان، تتخذ  الأمم المتحدة بعض القرارات الخاضعة لـ فيتو الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن.

ثالثًا، الحق في التصويت ليس سوى جزء صغير من الديـمقراطية الليبرالية؛ حيث يثمِّن الناخبون أيضًا حقهم في حرية التعبير، والمحاكمة العادلة، وإدارة حياتهم بأقل قدر من التدخل الحكومي، لكن “الحرب على الإرهاب” ضيقت الخناق على هذه الحقوق، فأصبحت الحكومات تسجن الناس دون محاكمة، وتراقب مكالمات المواطنين ورسائلهم البريدية الإلكترونية، حتى إنها تعذبهم، والحال هكذا، كيف يستعيد الناس ثقتهم في الديمقراطية؟

يمكن اقتراح العديد من الأشياء، لكن للأسف، لن يحدث أيا منها خلال عام 2014؛ لذلك، فإن أفضل أسرع علاج لعلل الديمقراطية هو: النمو الاقتصادي القوي بما يكفي للإطاحة بالبطالة، وزيادة الدخول الحقيقية، بما يُدخِل السرور على قلوب الناخبين.. لكن لا تغرق في الآمال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد