«بعثني لك فلان» لعلّها الجملة الأكثر انتشارًا في الأوساط الإدارية بالجزائر لكي تقضي مصالحك بسرعة، ولعلّها أيضًا قد تكون طريقك المُعبّد للحصول على وظيفة. والواقع يكشف عن تفشي الظاهرة على نطاقٍ واسعٍ في مسابقات التوظيف الرسمية والخاصة؛ ما أدى بملايين الشباب إلى دائرة البِطالة، في ما يلي نسلط الضوء على ظاهرة المحسوبية في مسابقات التوظيف في الجزائر، وكيف قضت هذه الأخيرة على آمال ملايين الجزائريين في التوظيف.

هل الوظيفة الحكومية في الجزائر حلم بعيد المنال؟

من الصعوبة بمكان حاليًا أن تجد وظيفةً في القطاع الحكومي في الجزائر، بعد إكمال مسيرتك الجامعية؛ بحسب الشاب الجزائري عبد المجيد ز. الذي أكمل دراسته الجامعية منذ 10 سنوات، يروي لنا عبد المجيد قصة فشله طوال تلك المدة في الحصول على وظيفة، فيقول: «ككلّ شاب جامعي طموح، اجتهدت في الحصول على شهادتي الجامعية في تخصص علوم التغذية بتقديرٍ مشرف، كنت أحسب ذلك سيسهّل عليّ الحصول على وظيفة بسرعة، قبل أن أصدم بحياة ما بعد الجامعة، حياة كلها جحيم ومصارعة للحصول على وظيفة».

بتحسرٍ شديدٍ يفتح الشاب عبد المجيد صفحات ذاكرته مع رحلة البحث عن وظيفةٍ في حديثه لـ«ساسة بوست»؛ فيقول: «كان لزامًا على كلّ باحثٍ عن العمل تسوية وضعيته مع الخدمة العسكرية، وهذا أوّل عائقٍ واجه سبيلي في العمل، بعد تمضية عام ونصف داخل الثكنات العسكرية، ما زلت طيلة سبع سنوات في صراع مع مكاتب التشغيل والمسابقات الوطنية، لم أترك مسابقةً للتوظيف في تخصصي لم أشارك فيها؛ حتى قطعت الأمل في العمل الحكومي، وأنا الآن أشتغل في مقهى أحد أصدقائي».

ارتفاع مستمر في نسبة البطالة بالجزائر

أمّا المواطنة إيمان م. فتعتبر نفسها ضحيةً للظلم والجهوية في التشغيل، إذ إنّها تعرضت لمساومات أخلاقية من طرف المسؤولين في إحدى مقابلاتها الشخصية العديدة على حدّ قولها؛ جعلتها ترضى بعالم البطالة، تحكي إيمان في حديثها معنا رحلة خمس سنواتٍ من ملازمة مكاتب التوظيف، قائلةً: «تخرجت في الجامعة بشهادة بكالوريوس علوم المادة سنة 2014، وبدأت أبحث عن عملٍ أعين به عائلتي الفقيرة؛ وضعت ملفًا في مكتب التشغيل في السنة نفسها، وتمّ استدعائي لمسابقات التوظيف عدة مرات، رُفضت في كلّ مرة وتعرضت في إحداها إلى المساومة من طرف المدير، لقد كرهت البحث عن العمل».

كانت هذه بعض القصص المريرة لملف البطالة في الجزائر، ملف تعهّد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999؛ إبان ترشحه أوّل مرّة لحكم الجزائر، بالقضاء عليه، بعد أن أنهكت العشرية السوداء الجزائريين، وحوّلت الملايين من الموظفين إلى عاطلين عن العمل.

عاطلون عن العمل في مظاهرة احتجاجية أمام وزارة العمل الجزائرية

وقد علّق الشباب الجزائري الأمل على وعود بوتفليقة تلك، وبالأخص حين افتتح عهدته الرئاسية الثالثة سنة 2009، بوعد توفير مليوني وظيفة للشباب حتى عام 2014. غير أنّ عجز الحكومة الجزائرية وفشلها في تحقيق تلك الوعود، دفع الشباب الجزائري إلى اليأس، فيما اختار البعض صب البنزين على جسده ليحترق تعبيرًا عن يأسه في الحصول على وظيفة، وهي المشاهد التي انتشرت بقوةٍ في الجزائر، محاكاةً للأحداث التي شهدها العالم العربي مع موجة الربيع العربي.

هذا بينما فضّل البعض امتطاء قوارب الموت في رحلةٍ للبحث عن العمل خارج الجزائر، وهو الأمر الذي دفع الوزير الأوّل الجزائري أحمد أويحيى ومدير الحملة الانتخابية للمترشح للعهدة الخامسة عبد العزيز بوتفليقة، بمهاجمة شريحة الشباب الذي سلك طريق البحر والهجرة غير الشرعية «الحراقة» للبحث عن فرص عمل، بأنهم يعملون فلاحين في أوروبا.

وتجدر الإشارة إلى أن توسع ظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة دق ناقوس الخطر؛ وهو ما أدى بوزارة الداخلية الجزائرية لتنظيم ملتقى وطني حول الظاهرة الشهر الماضي، أفضى إلى توصيات لإدماج الشباب في الميدان الاقتصادي. وطيلة فترات حكم الرئيس بوتفليقة التي ناهزت 20 سنة؛ تعهد الرئيس الجزائري بتوفير ملايين الوظائف ووزّعها على فترات حكمه الأربعة إلى حدّ الآن، وقد ساهمت تلك المناصب في امتصاص نسب البطالة من أكثر من 29.5% إلى حوالي 12% نهاية 2018.

10 آلاف طبيب جزائري مختص في فرنسا.. لماذا يهاجر الأطباء من الجزائر؟

أرقام «مخيفة» عن البطالة في الجزائر

بلغة الأرقام، وفي آخر إحصائيةٍ كشفت عنها تقديرات «الديوان الوطني للإحصائيات»، بلغت معدلات البطالة في الجزائر 11.7% في سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنةً مع نسبة 11.1% تمّ تسجيلها في شهر أبريل (نيسان) الماضي، وهو ما يعني وقوع ما يزيد على مليون ونصف جزائري تحت طائلة البطالة، وبالغوص في تفاصيل الإحصائيات الرسمية الأخيرة للبطالة في الجزائر، نجد ارتفاع معدلها لدى الرجال منتقلًا من 9% في أبريل 2018 إلى 9.9% في سبتمبر 2018، في وقتٍ شهدت فيه البطالة عند النساء انخفاضًا طفيفًّا؛ إذ انتقلت من 19.5% في أبريل 2018 إلى 19.4% في سبتمبر.

كما سجّلت تقديرات الديوان لمعدلات البطالة، والتي جاءت في تقريرٍ بعنوان «النشاط الاقتصادي والتشغيل والبطالة في سبتمبر 2018»، فروقاتٍ معتبرة حسب العمر ومستوى التكوين والشهادة المحصل عليها، إذ تمّ تسجيل معدل بطالة بلغ 29.1% لدى الشباب من الفئة العمرية (16- 24 سنة) في سبتمبر الماضي، مقابل 26.4% في أبريل 2018، كما بلغت معدلات البطالة لدى هذه الفئة 24.6% بالنسبة للرجال، و51.3% عند النساء.

Embed from Getty Images

أمّا نسبة البطالة عند شريحة الشباب البالغ من العمر 25 سنة وما فوق، فقد بلغت 8.9% في سبتمبر، وقدرت 7.4% لدى الرجال و15.2% لدى النساء، وبخصوص توزيع نسبة البطالة حسب الشهادات المحصل عليها، تم تسجيل 668 ألف عاطل غير متحصل على شهادة، أي بنسبة 45.7%.

وتتعرض الإحصائيات الرسمية للبطالة في الجزائر إلى الانتقاد كونها -حسب مراقبين- بعيدة عن الحقيقة، وفي هذا السياق يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة البليدة، الدكتور فارس مسدور، أن هذه الأرقام «مغلوطة وغير حقيقية»، وأنّ التقارير الحكومية تحتسب فقط العاطلين عن العمل الذين يتقدمون إلى مكاتب التشغيل لتسجيل أنفسهم، بالإضافة إلى أنها لا تحتسب الأشخاص الذين تجاوز سنّهم 40 عامًا من الذين لا يملكون وظائف ثابتة. وبحسب مسدور فإنّ نسبة البطالة بالجزائر تتعدى 20%.

وكان وزير العمل الجزائري صرّح بأن الدولة الجزائرية في سياستها لإحصاء البطالة تعتمد فقط على المسجلين في مكاتب التشغيل، وأي جزائري غير مسجل بقوائم التشغيل هو في عداد الموظفين حسب وزير العمل الجزائري.

وفي التعريف الحكومي للبطالة يعتبر بطالًا كل شخص يتراوح عمره بين 16 و59 سنة، دون عمل مع تصريحه بالاستعداد للعمل وشروعه في البحث عن شغل خلال الفترة المعنية. وتشكلّ الكتلة العاملة في الجزائر حسب آخر الإحصائيات ما مقداره حوالي 13 مليون شخص ناشط، منها حوالي 11 مليون شخص يمتلكون مناصب عمل دائمة، فيما تشير الإحصائيات الواردة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية إلى تخريج الجامعات الجزائرية حوالي 400 ألف جامعي ينتظر هؤلاء في الغالب سنواتٍ لتوظيفهم.

كيف نحل مشكلة البطالة؟ 9 مفكرين اقتصاديين يجيبونك

«المحسوبية».. الخنجر السام الذي قضى على آمال الجزائريين

«المحسوبية»، و«المحاباة»، و«الواسطة» أو «المعرفية»، مسمياتٌ واحدة لظاهرة عالمية استشرت في القطاع الإداري بالجزائر؛ وانتشرت بسرعة البرق لتمس قطاع التوظيف؛ وهو ما دفع الرئيس الجزائري بوتفليقة إلى إعلان الحرب على الظاهرة مرتين في ظرف سنة واحدةٍ، كان آخرها حين ترأس اجتماعًا لمجلس الوزراء في ديسمبر (كانون الأول) دعا من خلاله كافة الأطراف الفاعلة في المجتمع الجزائري للإسهام في سياسة الوقاية من الفساد، والتبليغ عن حالات المحسوبية والرشا عند إثباتها؛ لتمكين العدالة من التدخل للتصدي لهذه الآفة. كما صادق بوتفليقة في الاجتماع ذاته على مشروع قانون لمكافحة الفساد.

المحاولات الرسمية لمحاربة المحسوبية داخل قطاع التوظيف في الجزائر، تجلت في الحرب المفتوحة التي فتحها الوافد الجديد على رأس شركة «الخطوط الجوية الجزائرية» بخوش علاش، الذي أنهى مهام عشرات العمال بقاعدة الصيانة بعد تحقيقاتٍ معمقةٍ تؤكد أن توظيفهم تم بالمحسوبية، بعد تضارب الاتهامات حول المسؤولية عن تراجع مستوى الخدمات المقدمة من الخطوط الجوية، والتي ربطها رئيس الاتحاد العام للجزائريين بالخارج، سعيد بن رقية، بالتوظيف الهمجي المبني على المحسوبية.

وفي جولة لـ«ساسة بوست» بالجزائر للبحث عن ضحايا المحسوبية في التوظيف؛ التقينا بالشاب سليمان ف. والذي حدثنا عن قصته مع المحسوبية، بالقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل، نجحت في مسابقة التوظيف بإحدى الإدارات، لأتفاجأ في اليوم الموالي أني على قائمة الاحتياط، وأنّ بنت فلان أخذت مكاني».

أمّا حسين الشاب البالغ من العمر 30 سنة فيقول لـ«ساسة بوست» إنّه شارك في إحدى المسابقات كـ«أرنب» كما يفعل المترشحين للرئاسيات اليوم؛ لأنّ قائمة الناجحين كانت معدة قبل اجتياز الاختبار، وأضاف حسين قائلًا: «في الجزائر إذا عندك (أكتاف) سوف تعمل ببساطة، وحتى لو كنت دون المستوى».

قصة أخرى روتها لنا مروة عن سيرورة امتحانات التوظيف بالقول: «هناك مسابقات في التوظيف لا يسمع عنها المواطن، وهناك إعلانات مسابقات لا يفصل موعد نشرها عن موعد إجرائها سوى ساعات قليلة، وحتى إن لحقته متأخرًا تجد أن موظفيها قد تمّ تعيينهم عن طريق المحسوبية، وكل ما يجري بعدها مجرد بروتوكولات».

Embed from Getty Images

شاب جزائري يتحول إلى بائع متجول على قارعة الطريق

وفي حديثه مع «ساسة بوست» يؤكد عبد الكريم د. أحد الذين يعزون سبب عطلتهم إلى المحسوبية أن «هناك نسبة كبيرة من عمليات التوظيف عن طريق المعريفة، ربما تصل إلى 80%، وهي عائق كبير أمام الشباب في ظل ضعف القطاع الخاص؛ مما يضطرهم إلى التزاحم أمام المؤسسات العمومية التي تنخرها البيروقراطية نخرًا».

ولم يسلم الطلبة الجزائريون من المحسوبية، في إيجاد أماكن للتربص، وهو ما عبّرت عنه طالبة الطب إكرام أثناء بحثها عن مستشفى للتربص؛ فتقول: «أثناء اختيار مستشفى للتربص، أنت تبذل جهدًا حتى تلج أفضلها (والتي تكون عادة محدودة العدد)، بافتتاح الفرصة لعدد ما، ويمنع من بعدهم، ثم تدرك أن العدد قد تضاعف بأشخاص كل إنجازاتهم أنهم يمتلكون واسطة».

وأجمع جلّ الشباب الذين التقيناهم على كون المحسوبية أحد العوامل المساهمة في عجز الكثير من الجزائريين عن إيجاد فرص عمل، والمساهمة أيضًا في تردي الخدمات في الجزائر، كون أغلب الموظفين بالمحسوبية -بحسبهم- غير أكفاء في مناصبهم.

موازنة 2019.. هل يدخل بوتفليقة إلى العهدة الخامسة من بوابة الاقتصاد؟

المصادر

s