في صباح آخر سبت مضى، جلس رجل الحرس الوطني السعودي «عبد العزيز آل عمران» وصديقه «خالد بن محمد» في مقهى في شارع التحلية لمناقشة العمليات العسكرية لبلادهم في اليمن. لقد كان هذان الشخصان، في سن الثلاثين، يرتديان نظارات شمسية، وأحدهما كان يرتدي بنطلون قصير مع تي شيرت، والآخر كان يرتدي سروالا فضفاضا يفضله الشباب في الرياض. كانا يجلسان على طاولة في وسط المكان الذي ينتشر فيه مجموعات الشباب القريبين من سنهما.

وخلال الأسابيع الستة الماضية، شنت المملكة العربية السعودية غارات جوية في اليمن بهدف إعادة رئيس البلاد إلى كرسيه، حيث إنه الآن في المنفى في المملكة، ووقف المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران.

ويوجد هنا في شارع التحلية ممر تقع فيه المقاهي على الجانبين، حيث يجلس الشباب في مركز للحياة الاجتماعية في الرياض يتحدثون في كل شيء، وبخاصة  حملة اليمن التي تحظى بشعبية. وفي العادة يجلس الصاحبان يتناقشان في كلام يمزج بين الجد والمزاح حول خطط عطلة نهاية الأسبوع قبل أن يحولا دفة حديثهما إلى أمن الحدود والمنافس الاقليمي إيران. وفي السنوات التي تلت الربيع العربي، نجت طهران في بسط نفوذها على ثلاث عواصم عربية كبرى، دمشق وبغداد وصنعاء. وأشاد الجليسان بحقيقة أن المملكة العربية السعودية رسمت خطا أحمرا في اليمن التي تقع أسفل شبه الجزيرة العربية.

وبينما هو يرتشف من فنجان القهوة قال عمران: «كان ينبغي أن تكون هذه الضربات الأخيرة قبل سنوات. وحتى الآن، لا تزال المخاطر التي تهددنا من اليمن لم تنته».

ورد «بن محمد» وهو يحرك رأسه باتجاه الأعلى وكأنه يتباهى، وجاءت كلمات مؤكدة ما ظهر عليه، حيث أعلن فخره بالانضمام للحرس الوطني، الجناح العسكري الذي يُنظر إليه على أنها حامي النظام الملكي. وأردف «لقد رجوتهم أن يرسلوني إلى اليمن حتى أستطيع أن أحارب الحوثيين». لقد كانت كلماته كافية لتلفت نظر بعضا من الجالسين حوله يشربون القهوة، وبدا عليهم تأثرهم بكلامه.

ويجادل مسؤولوالرياض أنهم في حالة حرب في اليمن مع وكلاء إيران الذين يهددون الأمن في المملكة. وقد دفعت واشنطن بلطف لإنهاء، أو على الأقل إيقاف، النشاط العسكري، حيث إن الأزمة الإنسانية هناك تتعمق. وعقدت هدنة لمدة خمسة أيام تبدأ يوم 12 مايو/أيار للسماح بوصول المساعدات والأدوية للانتقال إلى المناطق المحاصرة، ولكن كل المؤشرات تشير إلى أن الحرب سوف تبعد بعد مهلة قصيرة. وفي الساعات قبل إعلان سريان الهدنة، جمعت المملكة العربية السعودية جنودها على طول الحدود اليمنية، وقام المتمردون الحوثيون بضرب المدن السعودية مثل جازان ونجران بالصواريخ.

السبب يجعل السعوديين ليسوا في عجلة من أمرهم لإنهاء الحرب هو أنه لا يوجد حتى الآن أي تلميح أو استياء عام من الحملة العسكرية. وتخضع الصحافة المحلية ووسائل الاعلام الاجتماعية إلى رقابة مشددة، وقد أشاد العديد بالجهود السعودية، وتشيد الصحف بالضربات الجوية كل يوم، ويغني الراديو أغنيات تثني على العملية، ومواقع مثل تويتر وفيس بوك تمجد في الملك وبطولاته.

وتبنت بعض النساء السعوديات حملة على وسائل الاعلام الاجتماعي، وقمن بدعوة أقرانهن لوضع المخاوف جانبا جراء عمليات الانتشار لفترات طويلة وغياب الأزواج بين الجنود، بحسب ما أشارت إليه العنود البالغة من العمر 26 عاما في مقهى بوسط الرياض.

وبكل تأكيد ليس هناك اتفاق تام بين الجميع، ولكن على المتذمرين أن يحافظوا على هدوئهم الآن. وعاد بعض النقاد السعوديين السابقين إلى الظهور، ولكن هذه المرة في مدح ودعم العملية، ما شجع على تأييد بين الجمهور.

وغرد رجل الدين السعودي البارز «سلمان العودة»: «كلنا مع اليمن»، وهو الذي غالبا ما كان ينتقد النظام الملكي الذي أودعه السجن لانتقاده. يجب على الشعب اليمني «استرداد حريته واستقلاله وكرامته وأمنه وخياراته ضد الهيمنة الفارسية»، هكذا تابع «العودة».

ويمكن لهذا الدعم أن يكون أساسيا للملك الجديد، والذي أمر بتغييرات جذرية لحكومة المملكة في أول 100 يوم من ولايته. فمنذ ارتدائه لتاج العرش في يناير/كانون الثاني عمل الملك على إعادة تنظيم الحكومة وتغييرها وتجديده أمر الخلافة، ووضع ابنه الثاني في ترتيب ولاية العرش.

والليبراليون أيضا عبروا عن دعم غير مألوف للعملية. فمن منزله في شرق الرياض، قال الكاتب والمترجم «خالد الغنامي»: «كان الملك عبد الله بن عبدالعزيز رجل طيب، ولكننا نعتقد أيضا أن فترته كانت ضعيفة جدا. لسنوات وسنوات ونحن نرى التهديدات بأننا سنتعرض للغزو. حزب الله في العراق يقول ذلك. والحوثيون في اليمن يقولون ذلك. بصراحة، لقد شعر السعوديون بإهانة بالغة … لقد جاء الملك سلمان بالحفاظ على كرامتنا وإعادة الهيبة لنا مجددا».

و«الغنامي» راديكالي ديني سابق تحول إلى إصلاحي ينتقد رجال الدين المدعومين من الحكومة بكل وضوح.

إحياء معنى العروبة ومساعدة السُنّة

ويقول محللون إن مثل هذه المشاعر المتعاطفة مع السعودية والمتنامية بقوة تتجاوز حدود البلاد، وتمتد إلى السنة في منطقة الخليج. ويقول الدكتور «يورج ماتياس ديترمان»، أستاذ الآداب والعلوم في جامعة فرجينيا كومنولث في قطر، إنه «يجري الآن إحياء معنى العروبة من قبل الحكومة السعودية، لأنها تحاول بناء كتلة إقليمية عربية ضد إيران. يريد السعوديون تشجيع جبهة عربية مشتركة، من الدول الناطقة باللغة العربية وكذلك الدول السنية».

وأعرب عدد من المستشارين الذين التقتهم «فورين بوليسي» بعد مدة حوالي 45 دقيقة بالسيارة شمالي الرياض إن العملية في اليمن تحقق فوزا أيضا على فصيل آخر؛ يقصدون بذلك المتطرفين الإسلاميين.

وتقول وزارة الداخلية السعودية إن حوالي 2500 سعودي غادروا إلى العراق وسوريا في السنوات الأخيرة للانضمام إلى جماعات مثل «الدولة الإسلامية» وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. ويرى العديد من المجندين الشباب، متوسط العمر وفقا لوزارة الداخلية ما بين 18 و 25، أن مهمتهم الأساسية هي الجهاد، وأنها قضية إنسانية أساسا. وظلوا لسنوات يشاهدون أبناء أهل السنة في سوريا والعراق يعانون على أيدي حلفاء إيران، سواء نظام «بشار الأسد» في دمشق أو المليشيات الشيعية في العراق. وتستغل الجماعات المتطرفة المعاناة بوصفها شكلا من أشكال الإغراء، ويقولون إن عليهم واجب المساعدة، لأنه لا يوجد دولة أو حكومة تدافع ضد إيران.

وفي مركز الأمير «محمد بن نايف للمناصحة» حيث يجب على جميع المقاتلين الأجانب العائدين قضاء ثلاثة أشهر على الأقل قبل العودة إلى المجتمع، يقول المستشارون الدينيون إن العملية السعودية في اليمن قد أعطتهم جدلا مضادا.

ويقول الدكتور «حميد شايجي»، مستشار في المركز وأستاذ علم اجتماع الجريمة في جامعة الملك سعود، إن «العملية في اليمن تبين لهم أنه متى تكون هناك إمكانية، فسوف تقوم حكومتكم بالشيء الصحيح. لا يمكنك أن تقوم بهذه الإجراءات بيديك وتفعل ذلك بنفسك».

وتعكس القصة المحلية حجة المملكة العربية السعودية مرارا وتكرارا في الخارج، السماح للنفوذ الإيراني بالاتساع والامتداد لن يغذي سوى جدول أعمال الجماعات المتطرفة. «في اليمن أنت تفسح المجال لتنظيم القاعدة إذا سمحت للحوثيين بمحاربتهم، ولكن إذا قمت بإيقاف الحوثيين والمساعدة في خلق حكومة شاملة، فإن الجميع يتحد ضد تنظيم القاعدة»؛ على حد تعبير «سعود تمامي»، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك جامعة الملك «سعود» ،والذي يضيف: «القيام بذلك لن يسمح لتنظيم القاعدة باستخدام الحجة القائلة بأن أهل السنة مضطهدون».

وبعبارة أخرى، يهدف البرنامج السعودي لاجتثاث التطرف إلى إقناع الجهاديين أن «الدولة السعودية» يمكنها القيام بعمل أفضل في مساعدة السنة أكثر من أي فرد يمكنه فعل ذلك من تلقاء نفسه. حوالي ثلاثة آلاف جهادي سلكوا طريقهم من خلال برنامج إعادة التأهيل في المملكة، منذ أن بدأت تلك العمليات في عام 2005. ووفقا لمدير المركز اللواء «ناصر المطيري»، فقد عاد 86٪ منهم إلى حياتهم الطبيعية دون وقوع حوادث، وانتكس على عقبيه 13%، نصفهم أعيد اعتقاله.

ويقول مؤيدو الطريقة إنهم واثقون أن ذلك سوف يجدي نفعا حتى الآن على نحو أفضل مع القيادة الجديدة التي تمسك بزمام الأمور. ويعد الملك «سلمان» أقرب بشكل ملحوظ إلى النخبة الدينية من سلفه، ونتج عن تدخله في اليمن زيادة أعداد السنة المؤيدين له، على حد قول أنصاره.

«إنها مثل مسابقة، من الذي سوف يدافع عن السنة ضد الشيعة المتطرفين؟ «الدولة الإسلامية» أشبه بشخص لديه سيارة جيدة مسروقة، على حد تعبير «عبد الله الشمري»، دبلوماسي سعودي سابق، الذي عقد مقارنة مع الحالة اليمنية. وأردف «عملية اليمن بورش حديثة».

النفوذ الإقليمي

وقد شجع موقف المملكة العربية السعودية بشأن اليمن الكثير هنا وعبر الخليج في تخيل مسارح جديدة للنفوذ الإقليمي في الرياض. إنهم يرون تحول المد والجزر ضد طهران ويفكرون: إذا كانت المملكة العربية السعودية مستعدة للدفع مرة أخرى في اليمن، فلماذا لا يكون الأمر كذلك في عواصم عربية أخرى مثل دمشق وبغداد؟ وتتساءل المعارضة السورية بصوت عال ما إذا كانت السعودية قد تبدأ في نقل أسلحة متطورة إلى الثوار، حتى لو اعترضت الولايات المتحدة الأمريكية. وقالت الرياض مؤخرا إنها ستستضيف مؤتمرا للجماعات المعارضة التي تقاتل «الأسد»، في محاولة لتوحيد الفصائل المتمردة المتنافسة.

ومن جانبه، صرح «أديب الشيشكلي»، الممثل الرسمي للمعارضة الائتلاف الوطني السوري لدول مجلس التعاون الخليجي، إنه «عندما تطور الوضع في اليمن وقرر السعوديون ومؤيديهم الدخول في تحالف، فقد فعلوا ذلك دون ضوء أخضر من الأمريكيين. إنهم يشعرون الآن بأنه يمكنهم فعل الشيء نفسه في سوريا. أعتقد مع الإدارة السعودية الجديدة، ومع الشجاعة لديهم للذهاب إلى اليمن، فإن الأمور تتغير بشكل كبير بالنسبة لنا».

ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر للقيادة الإقليمية السعودية، والوحدة المحلية، قد تكون عملية اليمن نفسها. حتى الآن، يتم الحكم في الضربات الجوية ببساطة بناء على مدى جدارة المبادرة نفسها، وليس على عملها. «وبالنسبة لإيران الآن؛ فإن هذه بطاقة  الحوثيين قد تم حرقها»، كما يقول «محمد السلمي»، أستاذ مساعد في التاريخ الإيراني بجامعة أم القرى وأحد القلائل المتحدثين باللغة الفارسية بطلاقة في المملكة، والذي تابع: «سوف تحاول طهران الآن تحصين علاقاتها مع سوريا والعراق. ولكن الأمر قد انتهى بالنسبة لهم في اليمن».

ولكن موقف الرياض قد يضعف إذا استمر النزاع في الزيادة، أو فشل في إبعاد الحوثيين. وقد حقق التحالف السعودي عددا من الأهداف العسكرية، مثل القضاء على مخزونات الحوثيين من الصواريخ البالستية، ولكن فشل حتى الآن في إخراج المتمردين من العاصمة صنعاء أو ميناء عدن بعد ستة أسابيع من القصف.

وقد تبدأ الانتقادات الدولية أيضا في الارتفاع. وفي يوم 10 مايو/أيار اتهم منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة لليمن قوات التحالف التي تقودها السعودية بانتهاك القانون الدولي، وقصف المدارس والمستشفيات بوابل من الضربات الجوية تجاوز 130 على مدار يوم واحد فقط. وتحذر منظمات الإغاثة أيضا من كارثة إنسانية في ظل استمرار الصراع.

ورغم ذلك، تبقى الحرب في إطار الحرب الشعبية حتى الآن. ويقول معظم السعوديين إن هناك ما يبرر عملية اليمن، وأن الحوثيين يشكلون تهديدا مباشرا. وفي شارع التحلية، يقول الشبان إنهم مستعدون للقتال.

«أنا أؤيد الهجوم؛ ونحن بحاجة لأن نخبر الحوثيين أن لدينا قوة عسكرية»، هكذا جاء رأي «إبراهيم» البالغ من العمر 24 عاما. وأضاف إنه في القريب سوف ينضم إلى الجيش.

المصدر | إليزابيث ديكنسون – فورين بوليسي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد