ربما تعيدنا الأحداث التي جرت مؤخرا في العاصمة الفرنسية والتي ستلقي بظلالها على حياة مسلمي فرنسا لفترة لا يتوقع أحد متى ستنتهي، وربما تمتد للمسلمين في أوروبا، إلى النظر في قضيَّة “الهوية” من جديد، ونجد لدى الكاتب اللبناني أمين معلوف في كتابه ” الهويات القاتلة” الكثير مما يستحق التفكير، وكان معلوف قد قدم كتابه هذا في ظروف مماثلة قبل ما يجاوز خمسة عشر عاما.

معلوف صحافي لبناني غادر لبنان مع بداية الحرب الأهلية عام 1976. كان في السابعة والعشرين من عمره حينها ليستقر في فرنسا. ويعمل في الصحافة، ثم تفرغ للأدب عام 1986 وقدم بالفرنسية كتاباته التي شُغلت بالتاريخ والتقريب بين الحضارات كونه ابن حضارتين، وهويتين، وكان أبرزها ” ليون الأفريقي” و ” سمرقند” و ” حدائق النور” و”اختلال العالم” و “التائهون”، نال عنها مجموعة من الجوائز كان آخرها جائزة أستورياس للآداب عام 2010.   

فيما يشبه مقال طويل يأتي هذا الكتاب الذي يتضمن أربعة أجزاء يتناول الأول موضوع الهوية والانتماء، ويناقش الثاني موضوع الحداثة عندما تأتي من الطرف الآخر، وفي الجزء الثالث ” زمن القبائل الكوكبية” يتناول فيه تنامي ما يسميه “الظاهرة الدينية”، من خلال الجماعات التي أطلق عليها قبائل كوكبية ويعني بها  الجماعات الإنسانية التي أفزعها التغيير  في هذا العصر  فلجأت إلى الانتماء الديني لكي تؤلف بين حاجتها للهوية وبين مطلب العالمية،  فتسميتها بالقبائل جاء بسبب مضمون هويتها، وهي كوكبية لأنها أصبحت تتجاوز الحدود بسهولة. الكاتب مسيحي لكنهُ يؤكد على إطار “الثقافة الإسلامية” التي يتحرك خلالها كونه عربي.


أمين معلوف عضوًا في الأكاديمية الفرنسية

 

سؤال يتكرر

يحكي الكاتب في البداية عن سؤال طالما طُرح عليه وهو اللبناني المسيحي الذي عاش نصف عمره أو يزيد في فرنسا، عما إذا كان يشعر بأنه لبناني أم فرنسي، ويذكر أنه كان مضطرا في كل المرات لأن يشرح بصبر كيف أنه ” هذا وذاك” وأن ما يجعله مميزا حقا هو كونه على تخوم بلدين ولغتين أو ثلاثة والعديد من التقاليد الثقافية، وأن هذا هو ما يحدد هويته.

لكن كل هذا لم يكن يمنع محدّثه من أن يعيد تكرار السؤال ” نعم ولكن ماذا تشعر في قرارة نفسك؟” الأمر الذي يكشف عن رؤية شائعة بأن الإنسان يجب أن يكون له انتماء واحد، يحدد عند الولادة ولا يتغير. هذا الاعتقاد هو ما جعل الكاتب يتوقف متأملا أحوال من يحملون هوية أكثر تعقيدا.    

 

هويتي وانتماءاتي

يشير الكاتب إلى أن هوية الفرد تشكلها عدة عناصر، وهذا ما يجعلنا لا نجد التركيبة ذاتها عند شخصين مختلفين، فالاحتكاكات المبكرة للفرد بالآخرين في المنزل والمدرسة والشارع حيث يشعرونه بأنه فقير أو قصير القامة أو أسمر أو أشقر. هذه الاختلافات هي التي ترسم ملامح كل شخصية وطموحاتها وقد تجرحها أحيانا، فعندما يتعرض المرء للإهانة أو للسخرية بسبب بشرته أو لهجته فهو لن ينسى ذلك، وهكذا نميل في أغلب الأحيان لأن نتعرف على أنفسنا في انتماءاتنا الأكثر عرضة للخطر.

ترتيب العناصر التي تشكل هوية الفرد، ليس ثابتا بل يتغير مع الزمن وتغير التصرفات بعمق.

كل منا حالة خاصة 

 

“واقع أنني فرنسي يشاركني فيه ستون مليونا وواقع أني لبناني يشاركني إياه ثمانية ملايين شخص، وأن أكون في الوقت عينه فرنسيا ولبنانيا فهو أمر لا يشاطرني فيه سوى بضعة آلاف على الاكثر “

يتعرض أمين معلوف لهويته، هو الذي ينحدر من عائلة لبنانية استوطنت لبنان منذ قرون وانتشرت مهاجرة في مختلف أنحاء العالم، وتفخر دائما بأنها عربية ومسيحية معا. ويوضح أن كونه مسيحي وكون لغته هي العربية لغة الإسلام كان أحد التناقضات التي شكلت هويته، وأنه بمقاربة هذين العنصرين من هويته كل على حدة يشعر بأنه قريب من قسم كبير من الإنسانية.

يوضح المؤلف أنه ليس الوحيد الذي يبدو حالة خاصة فكلما أمعنّا النظر في إحدى الحالات سنقول لأنفسنا إنها حالة خاصة أيضا، وهذا بالضبط ما يشكل هوية الفرد أنه مركب وفريد.

 

لماذا تكون الهويات قاتلة؟

يوضح الكاتب أن إطلاقه لاسم ” الهويات القاتلة ” ليس مبالغا فيه ففي عصر العولمة إذا ما فرضنا على مليارات الناس الضائعين اختزال الهوية إلى انتماء واحد، وإذا لم يكن معاصرونا متشجعين للاضطلاع بانتماءاتهم المتعددة فأحسوا أنهم مرغمون على الاختيار بين التنكر للذات ونفي الآخر، فإننا سنكون في طريقنا إلى تشكيل أفواج من القتلة أو المؤيدين للقتل.

” إذا توصل رجل من أم صربية وأب كرواتي إلى الاضطلاع بانتمائه المزدوج فهو لن يشارك أبدا في أي مذبحة إثنية أو أي “تطهير ”  … ولن يكون ذلك الفرنسي – الجزائري وذلك التركي – الألماني، إلى جانب المتعصبين إذا تمكّنا من عيش هويتهما المركبة.”

 

أن تحترم التاريخ: مشاعر المهاجر بين الرَّفض والغموض

يوضح معلوف أن المهاجر وقبل أن يحط رحاله في بلد ما لابد أنه غادر بلدا آخر، ومشاعره تجاه البلد التي غادرها ليست بسيطة أبدا، فلابد أن هناك أشياء رفضها كالقمع والخوف، ومن الشائع أن يترافق رفضه مع إحساس بالذنب فهناك أقارب نلوم أنفسنا لأننا غادرناهم والكثير الكثير من الذكريات السعيدة، كما أن هناك روابط تستمر كروابط اللغة أو الدين.

وبموازاة ذلك لا تقل الأحاسيس التي تنتابنا تجاه البلد المضيف غموضا، فقد أتيناه لأننا نأمل أن نجد فيه حياة أفضل، لكن هناك خوف من المجهول، نخشى أيضا أن نرفض أو نهان، ونترقب كل موقف ينمّ عن الاحتقار أو السخرية، والحلم الخفي للمهاجرين هو أن نظنهم أبناء البلد. يصف المؤلف تلك الحالة الروحية التي يشعر بها المهاجر مؤكدا أن التوترات الناشئة عن الهوية يمكنها أن تؤدي لأكثر الانحرافات قتلا .

في العديد من الدول تتحاذى مجموعة سكانية مستقلة تحمل ثقافة محلية ومجموعة أخرى وصلت بعدها تحمل تقاليدا مختلفة وتظهر توترات تؤثر على تصرفات كل منهما، وهنا يقول :

لدي رغبة في أن أقول لبعضهم أولا: ” كلما انطبعتم بثقافة البلد المضيف استطعتم دمغه بثقافتكم “ثم لبعضهم الآخر: “كلما شعر المهاجر بأن ثقافته الأصلية محترمة انفتح أكثر على ثقافة البلد المضيف”.

ويؤكد المؤلف أن هذا وإن بدا للبعض بديهيات متفقا عليها فإن التوترات المستمرة تعني أن هذه الحقائق ليست بديهية كفاية وليست معترفا بها بعمق، مشيرا إلى أن الكلمة الضرورية هي المبادلة.

 

لماذا كل هذه اللِّحى؟!

يشير الكاتب في الجزء الثاني من كتابه إلى أن الذين يستهويهم العالم العربي لا يسعهم إلا أن يطرحوا من آن لآخر عددا من الأسئلة: لماذا كل هذه اللحى التعيسة وهذه الدعوات للقتل؟ ألا يتوافق الإسلام مع الحرية والديمقراطية وحقوق المرأة؟ ويذكر هنا أن من ينضوي تحت منظومة اعتقادية يحق له تماما أن يقر بهذا التأويل للعقيدة وليس بغيره، فيمكن لمسلم أن يقدر أن سلوك “طالبان” أفغانستان يناقض أو لا يناقض حرفية عقيدته وروحها.

لذا يوضح أنه من العبث الاستغراق في الكتب المقدسة ومراجعة تفاسيرها إذ سيكون هناك دائما تأويلات مختلفة، ويكفي النظر عبر التاريخ لنرى كيف أن المسيحية مثلا بنصوصها نفسها مارست في قرون سابقة التعذيب والاضطهاد والقتل وأقامت محاكم التفتيش، بينما هي اليوم مثالا للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.    

” أنا مثل كثيرين غيري مذعور مما أراه وأسمعه اليوم في العالم الإسلامي ولكن ما يكدرني هو رؤية بعضهم سعداء جدا وهم يقررون بأن ما يحدث ينتمي لطبيعة الإسلام وأن هذا لن يتغير أبدا”   

يواصل معلوف مؤكدا أنه حين يشير لتأثير المجتمعات على الأديان يفكر بواقع تهجم مسلمي العالم الثالث على الغرب ليس فقط لأنهم مسلمون والغرب مسيحي، وإنما لأنهم فقراء ومحكومون ومنتهكون بينما الغرب غني وقوي،

ويعرض الكاتب جوانبا من التاريخ في العالم العربي، ليدلل على أن النظر إلى الإسلام السياسي المعادي للحداثة والغرب بوصفه تعبيرا عفويا وطبيعيا من وعن الشعوب العربية هو اختصار متسرع، فقد
تطلّب الأمر وصول القوميين وعلى رأسهم عبد الناصر إلى طريق مسدود، ليبدأ الناس في الاهتمام بخطاب “الأصولية الدينية” ونرى الحجاب واللحى تنتشر بدءا من السبعينات وليس قبلها، ما يعني أن صعود الإسلام السياسي كان فقط بعد فشل المشاريع القومية الأخرى.

وأمام من يقولون بأن الإسلام كان دائما عامل جمود، موضحا، يقول معلوف إن الدين هنا وإن كانت له علاقة بالموضوع فإنه ضحية هذا الجمود أيضا، ويسأل هل المسيحية هي التي حدَّثت أوروبا؟

 

الحداثة عندما تحمل شعار الآخر

 

ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن مظاهر الحداثة وسيطرة الحضارة الغربية على العالم مؤكدا أن ما يؤثر على أفكار البشر الآن أو مظهرهم هو من صنع الغرب، لذا فإن من يولدون في قلب الحضارة المسيطرة يمكنهم أن يتقدموا في الحياة دون أن يكفّوا عن كونهم أنفسهم، بينما لبقية العالم ممن ولدوا في كنف ثقافات مهزومة – الصينيين أو الأفارقة أو الإيرانيين أو العرب-  فإن الحداثة تتضمن تخليا عن جزء من الذات، وحتى حين تثير الحماسة لديهم فإن هذه الحماسة يتخللها دائما بعض المرارة وشعور بالمهانة والتنكر للذات وأزمة هوية عميقة.

غلاف الكتاب

 

بماذا يمكن استبدال الانتماء إلى الدين؟

يطرح الكاتب هذا التساؤل موضحا في البداية ولمحو أي سوء فهم قد يحدث أنه إنما يقصد به تجاوز الانتماء الديني ولا يقصد بالطبع تجاوز الدين ذاته إذ إنه لن يتراجع أبدا إلى منسيات التاريخ لا بالعلم ولا بأية عقيدة أخرى، لكن ما يحلم به هو عالم لا يستشعر الإنسان فيه مع بقائه على معتقداته وأخلاقياته، بالحاجة للانضمام لإخوته في الدين، فالكاتب يحلم بعالم لا يُستخدم فيه الدين وشيجة بين إثنيات متحاربة، ويوضح أنه لا يكفي فصل الكنيسة عن الدولة، ففصل الدين عما يتعلق بالهوية لا يقل أهمية.

ويشير إلى أنه لا يوجد انتماء جديد قادر على أن يوازن الانتماءات القوية العميقة التي أثبتت قدرتها على تعبئة الناس على مدى التاريخ مشيرا إلى استعداد الناس قبل سنوات لقبول فكرة الانتماء الكوكبي الذي يعتبر بشكل ما النهاية الطبيعية للتاريخ البشري، ويقر بأن التاريخ لا يمضي بالشكل الذي يُرسم له بحيث لم نعد نتوقع ما الذي تخفيه لنا العقود القادمة.. ” صراع حضارات” أم سكينة ” القرية الكوكبية” مرجحا أن يأخذ الانتماء إلى الجماعة الإنسانية أهمية متزايدة بحيث يصبح هو الانتماء الرئيسي دون أن يؤثر على انتماءاتنا العديدة .

 

العولمة حين تثير الهوية!

ويعرض الكاتب في الجزء الثالث للمخاوف التي تستثيرها العولمة والأسئلة التي تطرحها والمتعلقة بما سيحل بالثقافات واللغات الأخرى وفي أي جو ستمضي العولمة، وما إذا كانت تبدو مدمرة للثقافات واللغات، وهل سيتبع ذلك رد فعل رجعي لو أصبح كل واحد منا مهددا بالتنكر لذاته لكي يواكب الحداثة، إذ إننا في الحقيقة نجتاز الآن عصرا محيرا تظهر فيه العولمة في نظر عدد كبير من أمثالنا ليس كمزج فني رائع بل كتنميط مفقر وتهديد يجب مقاومته.

وهذا ما جعل كل الناس في عصرنا يشعرون بأنهم أقلية نوعا ما ومستبعدة نوعا ما وبأنها لم تعد قادرة على الحفاظ على إرثها سليما، فالغرب هو المسيطر من وجهة نظر الجنوب والشرق، وأمريكا هى المسيطرة من وجهة نظر باريس، ومع ذلك فعندما ننتقل إلى الولايات المتحدة نجد بها أقليات تعكس تنوع العالم وجميعها تشعر بالحاجة إلى تأكيد انتمائها الاصلي، وبعد هذه الجولة التي نسمع فيها ألف مرة أن السلطة في يد الرجال البيض ويد البروتستانت الأنكلوساكسونيين نسمع فجأة انفجارا هائلا في أوكلاهوماسيتي، من هم الفاعلون؟ إنهم بالتحديد الرجال البيض الأنكلوساكسونيين والبروتستانت المقتنعون أنهم أكثر الأقليات إهمالا واحتقارا.

 

التنوع اللغوي محور كل تنوع

في الجزء الرابع يتناول الكاتب دور اللغة في تكوين الهوية  حيث يرى أنها  تبقى من بين كل العناصر التي تحدد ثقافة الفرد وهويته هي الأكثر تحديدا للانتماء وهي لا تقل عن الدين الذي ظل منافسها الأساسي، ففي كل أنحاء العالم تفككت دول عديدة تجمعها لغة مشتركة بسبب الصراعات الدينية، كما تمزقت دول عديدة تجمعها ديانات مشتركة بسبب الصراعات اللغوية، هذا فيما يتعلق بالمنافسة، لكن هناك تحالفات قامت أيضا كالتي قامت بين الإسلام واللغة العربية والكنيسة الكاثوليكية واللغة اللاتينية، غير أن الفرد قد تتعدد اللغات التي يتحدث بها، ولا تتعدد دياناته لذلك وعلى عكس ما يراه المؤلف من فصل الدين عن الهوية فإنه يرى أن فصل اللغة عن الهوية غير ممكن:

لكن محاولة طمس أكثر اللغات محدودية يطلق أكثر ردات الفعل عاطفية وانفلاتا، ولكي نتجنب المآسي نفضل أن نترجم ونترجم ونترجم مهما كان الثمن.

وفيما يتعلق بمسألة عدم تساوي اللغات يوضح الكاتب أنه لا يمكن الاكتفاء بلغة واحدة كالإنجليزية لأنها مرتبطة بالهوية بالنسبة إلى الأمريكان والإنجليز لكنها لبقية البشرية ( تسعة أعشار معاصرينا) لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور إلا إذا أردنا خلق أفواه مضطربة، فلا  يجب أن يكون الفرد اليوم مضطرا لكي يقرأ كتابا أو يناقش فكرا إلى “الاغتراب” ذهنيا، يجب أن يمتلك الحداثة بدلا من أن يشعر أنه يستعيرها من الآخرين

ترويض الفهد

بعد كل هذه الأفكار التي يطرحها المؤلف يصل بنا إلى المحطة الأخيرة من الهويات القاتلة ..كيف نروض ذلك الفهد الذي يقتل إن طردناه ويقتل أيضا إن تركناه طليقا والأسوء إن جرحناه قبلها، لكنه فهد .. يمكن ترويضه أيضا.

ويؤكد أن الأمر لا يخص المهاجرين فقط، لكنه يهدف لأن يشجع كلا منا للاضطلاع بتنوعه الخاص وإدراك هويته بوصفها حصيلة انتماءاته وبين من يعنيهم زنوج أمريكا وكل من يشعرون أنهم مختلفون لأسباب دينية أو إثنية أو اجتماعية، وبالقدر نفسه يدعو المجتمعات لأن تضطلع بانتماءاتها المتعددة التي شكلت هويتها ومازالت تصقلها، ويجب أن تجتهد لتظهر من خلال رموز مرئية أنها تضطلع بتنوعها لكي يتمكن كل فرد من التماهي مع ما يراه حوله ويتمكن من التعرف على نفسه في صورة بلده الذي يحيا فيه، ويشعر بالتشجيع على الانخراط فيه بدلا من بقائه على الهامش مشاهدا قلقا أو معاديا أحيانا.

 

صفحة الكتاب على موقع Goodreeds

عرض التعليقات
تحميل المزيد