بعد مرور ما يزيد على أربع سنوات من الاضطرابات، والثورة، والثورة المضادة، لا يزال العالم العربي يقف بثبات عند حدود المنطقة الهامشية للنظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الفشل الذريع لمحاولة خرق العلاقة بين الغرب والعالم العربي. قد يجادل البعض بأن الانهيار الاجتماعي والسياسي للعالم العربي قد زاد من اعتماد النخبة الحاكمة فيه على الغرب، مما أدى إلى ارتفاع مستوى الاختراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي من قبل الغرب.

تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها الانغماس في عمليات عسكرية في العالم العربي، بينما يتلقى الدكتاتوريون العرب مساعدات سياسية وعسكرية سخية للحفاظ على حكمهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتمسك الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بهذه السياسة تجاه العالم العربي؟

ثمة عدد من الحجج التقليدية، التي تتراوح ما بين الأمن والنفط. إلا أنها ليست مقنعة بما يكفي، والافتراض البديل التالي يمثل محاولة لتفسير هذا السلوك الذي يبدو غير منطقي.

حجة الأمن

ثمة منطق سائد بين المعلقين السياسيين يفترض أن الغرب مجبر على التعامل مع الدكتاتوريين العرب لأنهم الوحيدون القادرون على وقف تمدد الإسلاميين المتشددين. وهكذا، فهم يعتبرون أخف الضررين.

وما لا يثير الدهشة، هو أن هذه الحجة هي نفس التي يستخدمها الدكتاتوريون العرب لقمع شعوبهم. وهكذا، فإن هؤلاء الدكتاتوريون يكررون خطاب حلفائهم الغربيين. ولكن هل هذه الحجة حقيقية؟ يمكن لبعض الأمثلة أن تبرز زيف هذه الحجة.

في مصر، وفي أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالإخوان المسلمين من السلطة، شن الجيش حملة قمع شديدة ضد معارضيه. ولم تهدف هذه الحملة لقمع الإخوان فحسب، التي غدت قوة مستنزفة من الناحية السياسية، لكنها هدفت إلى إحداث استقطاب في النظام السياسي بشكل يضمن الدعم للجيش أمام الطبقات المدنية الوسطى.

وكان دفع مؤيدي الإخوان نحو العنف أمرًا جوهريًا في سبيل نجاح هذه الاستراتيجية. وهكذا، يظهر الوضع وكأنه صراع بين «المتحضرين» و«الهمج»، وتظهر حاجة إلى وجود رجل قوي لاستعادة النظام، إلى جانب خلق تهديدات أمنية. كل ذلك كان مكونًا رئيسيًا لخلق شرعية النظام الجديد، وهكذا، فإن منطق الحاجة إلى دعم الدكتاتوريين من أجل محاربة الإرهاب تبطل نفسها.

وبناءً على ذلك، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدعمان الدكتاتوريين لمحاربة إرهاب هم نفسهم من خلقوه. وهو سلوك أقل ما يقال عنه أنه عقيم.

في العراق، يبدو الأمر أكثر وضوحًا. فكما يذكر توبي دودج في كتابه «العراق: من الحرب إلى الدكتاتورية الجديدة»، فقد أنشأت الولايات المتحدة نظامًا سياسيًا مبنيًا على الإقصاء بدلاً من مشاركة الجميع، فأشعلت المقاومة بين النخب السنية الحاكمة سابقًا.

هذا، إلى جانب حل الجيش العراقي، وقلة عدد قوات التحالف المقاتلة، والسياسة العدوانية التي اتبعها من خلفوا البعثيين، أدت جميعها إلى دفع البلاد نحو الانهيار، ومهدت الطريق لصعود المتشددين من السنة، وهو ما أدى أخيرًا إلى ظهور تنظيم داعش.

وخلال حالة الانهيار هذه، المستمرة منذ عقد، وظهور المسلحين والإرهاب، واصلت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم النظام الطائفي، الذي ارتكب عمليات قتل طائفية، ولم يكن الإرهاب الذي ترعاه الدولة بأقل فظاعة عن إرهاب داعش.

حجة تأمين إمدادات النفط

هذه أيضًا حجة زائفة لا تتناسق مع المشهد. فأولاً، إن فكرة أن منتجي النفط سيقطعون الإمدادات عن الغرب إذا لم يتم الحفاظ على علاقات ودية هي أقل ما يقال عنها أنها مثيرة للسخرية.

في الواقع، الغرب لا يعتمد على النفط العربي، بل العكس؛ لأن الملكيات الخليجية تعتمد على قدرتها على توفير مستوى معين من الرفاهية في مقابل الانصياع السياسي من قبل مواطنيها.

إن قدرة دول الخليج على الصمود كدول ريعية دون إحداث إصلاحات ديمقراطية على أنظمتها السياسية يعتمد على قدرتها على بيع النفط في السوق الدولية، وهكذا، فإن قدرة دول الخليج على قطع إمدادات النفط محدودة بسبب هذه الحقيقة. كما أن اعتماد الغرب على النفط العربي محدود بقدرته على المساومة بوصفه المستهلك الرئيسي للنفط في العالم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تواجد عدد كبير من القوات الأمريكية في الخليج، والطموح الإيراني المتنامي في الخليج، يخلق أيضًا نوعًا آخر من اعتماد الخليج على الغرب من الناحية الأمنية.

بعبارات أخرى، تعتمد دول الخليج على الولايات المتحدة وحلفائها العرب، وبالتحديد مصر، كحصنٍ حامٍ في مواجهة إيران، وهذا ما يجعل الملكيات الخليجية هي من يعتمد على الغرب وليس العكس. وهو ما يحد من قدرة منتجي النفط العرب على تقليص تدفق النفط إلى الغرب.

وأخيرًا، فإن النظرة الاسترضائية التي يجري بموجبها استرضاء الأنظمة بصرف النظر عن توجهاتها السياسية، بسبب حقيقة أنهم منتجو النفط تناقض نفسها.

إن أوضح مثال على ذلك هو إيران. فبوصفها أحد منتجي النفط الرئيسيين، فقد خضعت لعقوبات غربية وضغوطات متفاوتة منذ إنشاء الجمهورية الإسلامية. وبالطبع، كان بمقدور الولايات المتحدة التوصل إلى تسوية للخلافات، لو أن إمدادات النفط كانت هي الهدف الأهم بالنسبة لها. وهكذا، فإن المنطق القائل بأن الدعم الغربي للأنظمة العربية المستبدة ضروري لحماية إمدادات النفط لا يصمد عند فحصه والتدقيق فيه.

السؤال الذي يطرح نفسه مجددًا هو: لماذا يدعم الغرب الأنظمة العربية المستبدة؟ ولماذا يتوانى عن دعم الحركات الاحتجاجية التي تهدف إلى الحرية والديمقراطية وتندمج بشكل عميق في الثقافة السياسية الغربية؟

لماذا يدعم الغرب الأنظمة العربية المستبدة؟

الإجابة على هذا السؤال تأتي من مثال تاريخي قديم، الذي رعى فيه تحالف أنجلو-أمريكي انقلابًا في إيران على محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيًا، وذلك في العام 1954.

لم يكن الهدف من الانقلاب هو القضاء على خطر الهيمنة السوفييتية على إيران، ولا تأمين تدفق النفط، وإنما لا بد من عدم السماح لحركة وطنية بالتحكم في مصير البلاد بدلاً الاستعمار الجديد وحلفائه في الداخل.

إن نمط السلوك السياسي الأمريكي أظهر بوضوح سلوكها العدائي الصريح تجاه الحركات الوطنية والتقدمية والعلمانية في العالم العربي والشرق الأوسط.

وهذا يظهر في الدعم الأمريكي للجيش المصري والملكيات الخليجية والنظام العراقي الطائفي. فالهدف من هذه السياسة هو قمع تلك الحركات التي قد تغير موقف العالم العربي كمنطقة هامشية في النطاق الأمريكي، وينهي السيطرة الغربية على المنطقة.

وهكذا، فإن الهدف هو الحفاظ على المجتمعات العربية في حالة من الهشاشة والاستقرار. وهذا بدوره يحول دون التنمية المجتمعية ووقف صعود قوة منافسة محتملة التي قد تعطل السياسة الأمريكية في هذه المنطقة من العالم.

إن دعم الحكام المستبدين، الذين يمثلون التخلف في العالم العربي والذين يعملون لإبقائه في حالة من الضعف، أصبح ذا أهمية قصوى للولايات المتحدة والغرب. فهذا الهدف الاستراتيجي ينسخ أهدافًا أخرى، مثل الأمن أو مكافحة الإرهاب.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول بأن الحركات الثورية في منطقة الشرق الأوسط أمامها نوعان من المعارضين: الأنظمة العربية المستبدة ومؤيدوها في الغرب. وهذا أيضًا يجعل أي حركة ثورية في العالم العربي لها بعد دولي بشكل طبيعي، والأهم، يجعلها حركة تسعى إلى أن يكون لها تأثير دولي. وهو طريق صعب جدًا ينتظرها، على أقل تقدير.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد