القمح الليلة ليلة عيده يا رب تبارك وتزيده.. لولي ومشبك على عوده والدنيا وجودها من جوده.. عمره ما يخلف مواعيده يارب تبارك وتزيده.. لولي من نظم سيده متحكم بين عبيده.. أرواحنا ملك أيده وحياتنا بيه.. هلت على الكون بشائره ردت للعمر عمره والأمر الليلة أمره يا رب أحميه. *أغنية المطرب الراحل محمد عبد الوهاب

كان أفضل ما في الصيف وحرارته شديدة القيظ هو منظر الحقول الزراعية؛ تتخللها سنابل القمح الذهبية وتحدها حشائش البرسيم الخضراء من أحد الجوانب، في الطريق كان هناك قلة من الناس لديهم بعض الخراف، وآخرون كانوا يرعون الأبقار، بجانبهم كانت أشجار التوت وتعريشات العنب والبيوت، التي بُنيت من القش والطوب اللبن، هذا إلى جانب البيوت الأسمنتية الحديثة، التي بُنيت وسط الأراضي الزراعية الخصبة كالأورام السرطانية، وأخيرًا ها قد وصلنا إلى الحقل، وهناك التقينا بسبع نساء، تحدثنا عن حصاد القمح وعملية الزراعة بشكل عام، وكيف تغير رأي هؤلاء السيدات في جدوى القيام بالزراعة، وقد كان حصاد القمح مناسبة جيدة لرصد تلك الآراء.

معظم قرى مصر -أو على الأقل معظم القرى في صعيد مصر- ما تزال تقوم العمليات الزراعية نفسها المتوارثة منذ آلاف السنين، وبالذات تلك المرتبطة بزراعة القمح وحصاده، وما يرتبط بها من عمليات حصاد، ولم، وتجرين، ودريس، وكبس، وتفريغ، ونقل التبن، وتشوين الغلال، لم يطل التطور كثيرًا تلك العملية الشاقة، والتي تتم عادة في غضون أسبوع الحصاد، لكن التطورات الأهم تبدو في وجوه السيدات القائمات على هذه الأعمال، كما في البيئة التي تزداد حرارة بفعل التغيرات المناخية التي تفرزها عمليات التصنيع الكثيف بالأساس، وتتحملها الأرض والبشر.

أم محسن: «نصر على العمل بأيدينا مهما امتد بنا العمر»

أم محسن هي إحدى السيدات القاطنات في صعيد مصر، والتي تملك حوالي ثلاثة أفدنة تزرعها بالقمح، وتخدمها بنفسها، على الرغم من سنوات عمرها المتقدمة، إذ تبلغ حوالي 50 عامًا. من وجهة نظرها، موسم الحصاد هو موسم الحركة، حيث التفاعل بين الأرض والزرع والبشر، والتجمع مع صديقاتها في الحقل، والتسامر حول الماضي البعيد، حين كن يغنين للقمح وللأرض، ينتظرن بفارغ الصبر نمو المحصول، ويتكالبن على صنع أكواب الشاي على الكانون.

أم محسن لها ولدان يعملان في الخارج؛ أحدهما في دولة الكويت، والآخر في ليبيا، وفي أحد المواسم، قرر أبناؤها الاستعانة بعمال من أجل الحصاد، ولكنها رفضت رفضًا باتًا، إذ قالت إنها تؤمن بأن الأرض لن تعطي بسخاء إذا لم يخدمها أبناؤها بأنفسهم.

أم محسن هي نموذج من سكان الصعيد الذي يصر على العمل بالأيدي في الحقول، مهما تحسنت دخولهم، فقد تجد في البيت الواحد ثلاثة أو أربعة أبناء في الخليج، ويعملون بأجور عالية جدًا، أو في القاهرة ويعملون بأشغال بعيدة كل البعد عن الزراعة، لكن يصر الأب والأم اللذين في الخمسينات على العمل بأيديهما في الحقول، أو استدعاء هؤلاء الأبناء للحصول على إجازاتهم السنوية في موسم الحصاد، ومن لا يقدم يصبح في عداد الصورة «العاقين».

تيسير.. العمل الزراعي «عبودية» من المقام الأول

تيسير هي امرأة صعيدية ثلاثينية، يعمل زوجها بالخارج في إحدى دول الخليج، في الماضي القريب، كانت تذهب إلى الحقل وتساعد في عملية الحصاد بأكملها؛ فمنذ نعومة أظفارها كانت ترى جميع أفراد العائلة يذهبون إلى الحقل من أجل الزراعة والحصاد، وبعد زواجها انتقلت إلى بيت عائلة زوجها، وكانت أيضًا تشارك في موسم حصاد القمح، ولكن بعد سفر زوجها إلى الخليج قررت التوقف نهائيًّا عن المشاركة في تلك العملية الشاقة، من وجهة نظرها.

ترغب تيسير في الوقت الحالي في ترك القرية والذهاب للعيش في المدينة بإحدى الشقق الحديثة، حيث يمكنها «العيش على نظافة»، على حد تعبيرها، والابتعاد للأبد عن الشقاء والعناء، وعلى الرغم من مكوثها السابق في إحدى محافظات الوجه البحري لمدة ثلاثة أشهر وعدم ارتياحها، فإنها لا تود أن تضيع عمرها في الحقول، كما فعلت كل نساء القرية.

وعلى حد كلامها، ترى تيسير أنه من غير العادل أن يستيقظ الناس عادة في الفجرية ليذهبوا إلى حقولهم لإنجاز ما يمكن إنجازه قبيل طلوع الشمس بحرارتها وقيظها الشديدين، هذا بالإضافة إلى أن النساء يعملن في الحقول، ثم يعدن إلى البيت منهكات ليقمن بعد ذلك بتحضير طعام الغذاء، وينتظرهن أيضًا الكثير من أعمال المنزل اليومية.

أم رجب: «لا أريد لابنتي أن تكون مثلي»

بخلاف ما تشاهده في السينما الأمريكية والأوروبية، من حرص معظم الآباء والأمهات من المزارعين على بقاء أبنائهم معهم، ومساعدتهم في أمور الزراعة، فهناك أمهات يكرهن مهنة الزراعة، ولا يودن لأبنائهن أن يستمروا فيها، لدرجة أن كثيرًا من الأمهات تدعو الله لأبنائهن وبناتهن ألا يجعل لهم نصيبًا في شغل الغيط ولا الزراعة.

أم رجب واحدة من هؤلاء الأمهات التي – وعلى الرغم من حبها لأرضها- تتمنى لبناتها الأربعة حياة بعيدة عن حياة الحقول؛ فأم رجب ذات 55 عامًا لا تسمح لبناتها أبدًا بالاقتراب من الأرض، ولكنها في المقابل تسعى لأن تتلقى كل واحدة منهن تعليمًا جيدًا يوفر لهن زيجات مناسبة تريحهن طيلة أعمارهن، وبالحديث مع دعاء الابنة الصغرى لأم رجب، والطالبة بكلية الهندسة، ذكرت أنها تود أن تعمل بعد تخرجها بإحدى الشركات الكبرى، وتحلم بالانتقال للحياة في القاهرة.

أم رجب ترى أن الجيل الجديد لا يمكنه تحمل الحياة الصعبة للزراعة، كما أن بنات اليوم أمامهم الأبواب مفتوحة. أثناء كبس التبن سمعت أم رجب تدندن بصوت خفيض، وعندما سألتها ماذا تغني سكتت على الفور، وردت قائلة: «ولى زمان الأغاني يا ابنتي منذ زمن إلى غير عودة، نحن كنا نغني كي نسلي أوقاتنا الصعبة وننسى همومنا، ولكنها كانت دومًا موجودة».

أم محمود.. صديقة أم رجب التي تختلف معها دائمًا

بصوت رخيم ونغمة عذبة، كانت أم محمود تردد: «عودك الأصفر وسنابلك الذهبي.. ياما نفسي في غويشة بلونك.. تغزي العين وتفرح قلبي»، حين اكتشفت أننا ننظر إليها ضحكت، وغطت وجهها بشالها الأسود، تبلغ أم محمود من العمر 60 عامًا وتصر حتى اليوم على إتمام عملية الحصاد بنفسها، وتستمتع بكل خطواته، إذ رأيتها تتغزل في جمال سنابل محصولها.

أم محمود لديها ولدان؛ أحدهما في الإمارات، والآخر في القاهرة، وكلاهما مشغول أغلب الوقت، ولكنهما يغدقان عليها الأموال الكثيرة كل شهر، ذكرت أم محمود أنها لا تود تلك الأموال، ولكنها ترغب في رؤيتهم باستمرار، ولكنها استدركت لتقول إنها تعلم مشاغل الحياة ومتطلبات وجود الأسرة والأولاد.

الأرض بالنسبة لأم محمود هي الرفيق الذي لم يتخل عنها ولم يفارقها أبدًا؛ فبعد وفاة زوجها وسفر أبنائها، لم يعد لديها في الحياة غير أم رجب والأرض: «لما أصحى بدري وألاقي نفسي لوحدي في البيت، طوالي آجي على الأرض، خايفة أموت ومحدش يحس وجتتي تعفن، الأرض هي اللي بتهون عليا غياب الأحباب، كل ما آجي تحت الشجرة دي أفتكر أبو محمود وأفتكر ولادي لما كانوا بيلعبوا تحتها، عشان كدة عمري ما أبيع أرضي زي ما محمود بيقولي لو فيها موتي»

هنا قاطعتها أم رجب: «بيعي أرضك يا هبلة وعيشي بفلوسها سلطانة ف بيتك، روحي الحج وزوري النبي» ترد أم محمود: «هاروح بس مش من فلوس أرضي، مين قالك إن ربنا يرضى أن أروح بيته وأنا بايعة حتة مني».

بدأت أم محمود بالذهاب إلى الحقول منذ كانت في التاسعة، وحتى يومنا هذا تنظر إلى الزرع بشغف كبير، وكأنها تراه للمرة الأولى، تؤمن من داخلها بأن الأرض تعرف أصحابها وتشعر بمدى اهتمامهم بها، الغريب في هذا الشأن أن محصول أم محمود كان بالفعل هو الأجمل من بينهم جميعًا.

هويدا.. الرغبة في بناء فيلا مكان الأرض الزراعية

هويدا هي فتاة عشرينية تعبث بهاتفها الذكي على الدوام، ولديها هوس دائم بـ«فيسبوك» و«إنستجرام»، تذهب إلى الجامعة في المدينة، وتمنع أصحابها من زيارتها حتى لا يروا منزلهم المتواضع، أحد أعمامها يملك الكثير من الأراضي، ويأكل حق والدها المتوفى في الميراث، وعلى الرغم من الخلاف بين والدتها وعمها بسبب جوره على حقهم، فإنها تحبه من أجل غناه، وترغب في الاقتران بأحد أبنائه، وإن لم تخبر أحدًا -سوانا- بذلك.

تذهب هويدا لالتقاط صور لها في بيت عمها، وتخبر صديقاتها بأنه منزلها، وعندما سألتها عن سر ذلك قالت لي إنها تشعر بأنها تستحق حياة أفضل من حياة جميع نساء القرية؛ لأنها جميلة للغاية، وستحصل على شهادة عالية.

هويدا جاءت لنا بالشاي، وجلست لتتسامر ورفضت المساعدة في عملية الحصاد؛ لأنها لا تليق بها، وعندما نهرتها خالتها (أم محمود) قررت المشاركة على مضض، وكانت تأخذ الكثير من فترات الراحة من أجل تصفح هاتفها والتقاط صور «السيلفي».

عندما سألتها ماذا ستفعل لو قرر عمها أن يعطيهم نصيبهم من الأرض، ردت بأن هذا مستحيل؛ لأن الأرض لا تُترك للنساء في الصعيد، ولكن إذا تزوجت من أحد أبنائه فلن تذهب للحقل أبدًا، وستقنعه ببناء فيلا كبيرة مكان نصيبه من الأرض، حيث يمكنها دعوة أصدقائها لبيتها الفخم المطل على الزراعية من كل الجوانب.

أم إبراهيم: «الأرض هي مصدر قوتي وسندي»

بعد أن تزوج عليها زوجها بأخرى، قررت أن ترفع قضية على إخوتها الذكور، وتطالب بميراثها من أبيها – الذي لا يُعطي للإناث- تدخل العمدة وقرر إعطاءها قيراطين، وهو أقل من ربع ميراثها، ولكنها رضخت ووافقت حتى لا يُقال عنها بأنها امرأة «لا رجل لها» على حد تعبيرها.

بعد زواج زوجها ورفعها للقضية، قاطعها إخوتها، وهي الآن تعيش في بيت أبيها القديم مع أولادها الصغار، تستيقظ كل يوم في الصباح الباكر لترعى شؤون البيت والأرض، ثم تعود في السابعة صباحًا لتقوم بتوصيل أطفالها إلى المدرسة، أم إبراهيم غير متعلمة، ولكنها تذهب إلى فصول محو الأمية؛ حتى تذاكر لأبنائها وتعلمهم؛ كل حلمها أن يصبح إبراهيم طبيبًا، وأمل مدرسة.

أثناء الحصاد لم تتحدث أم إبراهيم كثيرًا؛ فقد كانت منهكة في العمل، وتود إنجازه على أكمل وجه بدون أي أخطاء، وهي تقوم وحدها بلم الغلة، وكبس التبن، والتجرين، ولا تسمح لإبراهيم بمساعدتها؛ حتى يتفرغ للدراسة، الحقيقة أن ما يكدر صفو أم إبراهيم ليس العمل الشاق، ولا الزراعة، وإنما يحزنها أن الكثير من السيدات توقفن نهائيًّا عن التحدث معها بأمر أزواجهن؛ بسبب فعلتها «الشائنة» مع إخوتها، على حد قول إحداهن.

عندما حاولنا تجاذب أطراف الحديث مع أم إبراهيم، لم تقل سوى أن «الأرض هي سندها ومصدر قوتها»، قالت أيضًا بأنها كانت ترعى أرض والدها منذ الصغر منفردة، لم يكن يساعدها أحد، جميع إخوتها الذكور كانوا يعملون في ليبيا، وظلت هي ترعى تلك الأرض بكل ما أوتيت من قوة؛ لذلك كانت ترى أنها الأحق برعايتها: «كل رجالة البلد قالولي عيب تقفي ف وش أخواتك، وهما مش عيب ياكلوا حقي، مش عيب جوزي بعد العمر والعشرة دي كلها يروح يتجوز عليا بنت صغيرة بعد ما شقيت معاه وتعبت، محدش ليه قاله عيب».

أم إبراهيم كانت تردد تلك الكلمات أثناء كبس التبن، كانت تعمل بكلتا يديها وغبار التبن يخنقها، ولكنها لم تتوقف لثانية واحدة، توقفت فقط بعد أن أنهت كلامها لتمسح دمعة سقطت منها سهوًا بعد انهمار شريط الذكريات.

حنان: «موسم الحصاد للونس واجتماع الأهل»

حنان امرأة أربعينية، لديها ثلاثة أبناء، وترعى أرض زوجها وتساعده أثناء موسم الحصاد؛ حيث تأتي منذ أذان الفجر من أجل اللم والتجرين، وتكبس التبن وحدها، بينما يلم زوجها الحشائش اللازمة لأكل البهائم. تأتي بأطفالها إلى الحقل، وتحث ابنها الكبير محمود على مساعدتها ومساعدة والده، وحتى ابنها الرضيع يأتي معها للحقل يوميًّا، تقوم بالحصاد ثم تذهب لإرضاعه وتعود وهكذا.

سألناها منذ متى توقفت نساء الحقل عن الغناء أثناء الحصاد، ردت قالت: «يااااه دي كانت أحلى وأجمل أيام، ماكنش فيه هموم ساعتها، كانت الدنيا جميلة، أنا باجي الغيطان من وأنا عيلة، كنت باسمع غنا الحريم من عند بيتنا، وآجي جري لحد ما أتكفي على وشي وهدومي تتبهدل وأمي تبهدلني».

تحكي حنان وهي تلم المحصول وتكومه في أكوام منظمة: «أيام زمان كان المحصول بيجيب خير ياما، نبيع ونشتري كل اللي نفسنا فيه، المية كانت موجودة على طول مش بالدور زي دلوقتي، دلوقت كل واحد محصوله يدوب بيكفيه لبيته، محدش بيبيع غير أردب أو أردبين، والباقي بنطحنه ونخبز منه عيش، والتبن يادوب بيكفي علف للبهايم».

تقول حنان بأن النساء في السابق كن يأكلن معًا في الحقل وجبة غداء، الجبن القديم، والخيار، والطماطم، أو القروص (الفطير المشلتت) والمخروطة، أو كباية شاي العصاري في الغيط تحت أشجار الجميز أو النخيل، أو في ظل تعريشة عنب، أصبحت هذه الطقوس الآن من الماضي، ويترحمن على تلك الأيام.

تعليقات الفيسبوك