أكدت الشرطة الكندية أن حادث الدهس الذي وقع في مدينة تورنتو يوم الاثنين 23 أبريل (نيسان) الجاري كان متعمدًا، موضحة أنها نجحت في اعتقال سائق الشاحنة التي اصطدمت بالضحايا بعد مواجهة مع الأمن، ويبلغ عمره 25 عامًا، وهو من مقيمي إحدى ضواحي تورنتو الشمالية، وقد نتج من الحادث مقتل 10 أشخاص، وإصابة 15 آخرين.

حتى الآن تسير الأمور بشكل طبيعي، فمن المعتاد أن تُعلن «جماعة إرهابية» ما مسئوليتها عن الحادث، لكن ما جرى كان غير مُتوقعٍ؛ فالجاني ليس له أي ملف جنائي لدى جهاز الشرطة كما لم تُعلن أي جماعة مسئوليتها.

شيئًا فشيئًا بدأت تتضح الصورة أكثر، بعدما نُشر تأكيد لإدارة موقع «فيسبوك» أن الحساب المُغلق لـ«أليك ميناسيان» مُنفذ الحادث، تضمن منشورًا يقول فيه: «لقد بدأت ثورة الإنسيلز.. سنُطيح كل تشاد وكل ستايسي»، وفي قاموس «الأنسيلز» تعني كلمة «تشاد» الرجال الجذابين الذين تتوافر لديهم فرصة ممارسة الجنس، أما «ستايسي» فتعرف بها النساء الجذابات.

يعتمد من ينتمون إلى حركة «الإنسيل- Incel» وهي اختصار لجملة «Involuntary Celibate» أي العزوبة اللا إرادية، على فرضية أن المجتمع من حولهم مُصمم بشكل يجعل بعض الرجال يكون لديهم أكثر من شريكة يمكنهم ممارسة الجنس معها، بينما هناك رجال آخرون لا يمتلكون أي علاقات جنسية؛ مما يولد عندهم إحباطًا جنسيًّا جماعيًّا.

الجنس أقوى الغرائز.. ماذا سيحدث إذا امتنع البشر عن ممارسته؟

ماذا يعني أن يكون الشخص «عازبًا لا إراديًّا»؟

يُلقي هؤلاء الأشخاص الذين لا توجد لديهم فرصة ممارسة الجنس باللوم على النساء؛ لعدم موافقتهن على ممارسة الجنس أو الدخول في علاقات معهم، وغالبًا ما يهاجمون الأشخاص المدافعين عن النسوية والنساء بشكل عام، ويمتد الأمر في بعض الأحيان إلى تقديم اقتراحات عنيفة، مثل السماح للرجال بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي على النساء.

ومعظم أفراد مجتمع «الإنسيلز» هم من الذكور؛ إذ يؤكدون أن المرأة مُتاح بالنسبة لها ممارسة الجنس بسهولة مثلما الحال مع الرجال مثليي الجنس، لذلك تمتلئ نقاشاتهم ومجموعاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بكراهية النساء، وتختلف الأشكال التي ينتهجونها للتمرد على الواقع الذي يعيشونه، لكنه يظل وسيلة للانتقام من الأشخاص الذين تمكنوا من الاستمتاع بعلاقاتهم الجنسية والرومانسية، بينما هم لم يحظوا بالفرصة نفسها.

أليك ميناسيان منفذ حادث تورنتو- المصدر: «لينكد إن»

ينقسم الأشخاص في عيون المنتمين إلى حركة «الإنسيل» إلى عدة تصنيفات، فهناك الشخص الذي ليس عنده أي علاقات ولا يمارس الجنس منذ وقت طويل رغم محاولاته المتعددة، والشخص الذي كان في علاقة لكنه لم يستطع ممارسة الجنس رغم محاولاته، بالإضافة إلى الشخص الذي تكون حالته الجسدية أو النفسية هي السبب وراء فشل علاقاته ومحاولاته لممارسة الجنس.

وما سبق هم الأشخاص المسموح لهم بالدخول في نقاشاتهم الجماعية، أما غير المسموح لهم فيشملون الأشخاص الذين مارسوا الجنس مؤخرًا ويتباهون بما فعلوا، وكذلك الأشخاص الجذابين الذين لديهم أكثر من شريك؛ بينما يتخذون موقفًا حياديًّا تجاه الشخص الذي يمتنع عن ممارسة الجنس بإرادته.

أن تكون مدمن جنس في مجتمع عربي.. رحلة إلى عوالمهم السرية

البداية على يد امرأة

عند البحث عن جذور الحركة وبداياتها نصل في النهاية إلى امرأة كندية تُدعى ألانا، وتبلغ من العمر اليوم 45 عامًا، وتعمل مستشارة إدارية، وفي حوار صحافي سابق صرحت بأن الفكرة تولدت لديها عام 1993 عندما لم تستطع ممارسة الجنس مع صديقها، وأرجعت ذلك لمظهرها ووزنها الزائد وإصابتها بالأكزيما، بالإضافة إلى أنها كانت بالأساس «ثنائية الجنس».

جامعة «كارلتون»- المصدر: الموقع الرسمي للجامعة

وفي جامعة «كارلتون» الكندية التي كانت تدرس بها، توافرت لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت، وكان من المفترض أن تبرمج إحصائية، لكنها فضلت أن تُنشئ موقعًا بسيطًا يجمع الأشخاص الذين يفتقدون وجود شريك في حياتهم، ولا تتوافر لديهم فرصة ممارسة الجنس.

فيما بعد حدث تحول في حياة ألانا استمدت منه اسم الموقع الحالي، فبعدما انتهت علاقتها المثلية في سن الرابعة والعشرين نتيجة رغبة المرأة التي كانت مرتبطة بها، أخذت تفكر فيما حدث، ثم ظهر في ذهنها الاسم الجديد لموقعها وهو: «العزوبة اللا إرادية».

شاركت ألانا في ذلك الموقع ذكرياتها مع الآخرين من الرجال والنساء، وحسب تأكيدها كانت نسبة الرجال أكبر بكثير، وقد عملت على فحص التعليقات الهجومية وحذفها؛ مما أدى لتعرضها لأذى معنوي يتمثل في توجيه رسائل إليها من جانب الرجال فيها تهديد بالقتل أو الاغتصاب.

لكن بعد انطلاق الموقع بسنوات عديدة تغير حال ألانا، فقد أصبحت واثقة بنفسها أكثر، وبدأت في مواعدة الرجال والنساء أيضًا، إلى جانب استكشافها الثقافات المختلفة، مما جعلها تشعر بعدم الراحة في إدارتها للموقع، فأسندت تلك المهمة إلى شخص لا تعرفه ورحلت، وعندما سُئلت عن موقفها من الأثر الذي أحدثته في العالم أجابت: «الأمر مثل عالم اخترع شيئًا، وانتهى به المطاف بتحويله إلى سلاح حرب».

مترجم: كيف اختلف الجنس والأساطير حوله منذ العصور الوسطى وحتى الآن؟

دعواتهم إلى العنف جعلت موقع «ريديت» يحظرهم

اتجه أعضاء «العزوبة اللا إرادية» إلى إقامة مجتمع لهم في الواقع الافتراضي، وتحديدًا في موقع «ريديت» الشهير للتواصل الاجتماعي، وظل مجتمعهم الإلكتروني الذي غلب عليه الرجال الداعون لكراهية النساء يعمل حتى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، فقد اضطرت إدارة «ريديت» إلى حظرهم من المشاركة لتعليقاتهم المتجاوزة.

شعار موقع «ريديت»- المصدر: «فليكر»

وصل عدد أفراد مجتمع «الإنسيل» في «ريديت» إلى 40 ألف شخص، أقاموا مجموعتهم بهدف دعم الأشخاص الذين يفتقدون العلاقات الرومانسية وممارسة الجنس، وحملت مشاركاتهم الأكثر شعبية عناوين مثل: «أدلة على أن النساء ليست سوى مخلوقات حقيرة تستغل الرجال»، و«الأسباب التي تجعل النساء تُجسد الشر على الأرض».

لم تحظر قواعد المجموعة انضمام النساء إليهم بشكل محدد، لكنهم وضعوا تحذيرًا نصه: «الأشخاص الذين يزعمون باستمرار أن هناك عددًا كبيرًا من الإناث في وضعية الذكور نفسها سيتلقون تحذيرًا، ومن ثم يحظرون في حال تكرارهم الفعل نفسه؛ فيمكن أن يتفق معظم الناس على أن النساء من الممكن أن يتورطن في وضع مماثل في بعض الحالات مثل التشوه الشديد، لكن أعدادهن لا تقترب في أي حال من الأحوال من أعداد الذكور الذي يعيشون الوضع نفسه».

وفي أحد الموضوعات كتب أحد الأعضاء مصرحًا بدعوته للعنف قائلًا: «لا يجب أن تكون عنيفًا بشكل دائم، لكن تحتاج إلى وضع استراتيجية للمعاقبة تجعل المرأة في خوف دائم على حياتها، لذلك قتل النساء ليس هو الحل، فأنا أفضل الاعتداء برش الحمض عليهن عن القتل الجماعي».

مترجم: مشاهدة المواد الإباحية قد تسبب عجزًا جنسيًّا للرجال

من زاوية نفسية.. كيف نفهم مشاعرهم الغاضبة؟

أجرى مركز «السيطرة على الأمراض والوقاية منها» الأمريكي إحصائية توصل فيها إلى أن 27.2% من الرجال و28.6% من النساء لا يمارسون الجنس إطلاقًا في الفترة العمرية من 15 إلى 24 سنة، وبالرغم من تقارب النسبة بين الجنسين إلا أن الرجال يعبرون بشكل واضح عن عدهم رضاهم؛ بسبب الآراء المجتمعية التي تُساوي الجنس مع تحقق الذكورة والنجاح.

وفي بعض الأحيان يكون سبب ذلك عوامل ثقافية مثل العرقية التي تجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للأقليات؛ نظرًا إلى ثقافة الأغلبية التي ترفضهم، مما يولد لديهم مخاوف من نقص مهاراتهم الاجتماعية، فيجدون صعوبة في حضور الاحتفالات وبدء المحادثات مع الجنس الآخر، خصوصًا مع تفكيرهم في تفاصيل العلاقة الرومانسية وما تتضمنه من تعبير لغوي ولغة جسد وغير ذلك من طرق التواصل.

الاكتئاب- أرشيفية

على جانب آخر توصل أطباء من جامعة ولاية جورجيا الأمريكية في دراسة أجروها ونُشرت في دورية «أبحاث الجنس» عام 2000، إلى أن الأشخاص الذين يضطرون لاختيار العزوبة بشكل لا إرادي عادةً ما يكونوا مصابين بمشاعر الغضب والإحباط والشكوك الذاتية؛ بل والاكتئاب أحيانًا، فكل ما سبق يرتبط بالعيش دون ممارسة الجنس.

يصف أحد الأفراد الذين خضعوا للدراسة ما يشعر به قائلًا: «التفكير في أن مكانتي وراء الجميع يجعلني أصاب بعدم الارتياح والمرارة كما يقلل ثقتي بنفسي، فأنا أشعر أن الآخرين يمرون عبر بوابات أسطورية إلى أرض مرتفعة، بينما أجلس وحدي في الفناء مع الأطفال».

من ضمن التفسيرات النفسية أيضًا إحساس هؤلاء العازبين بعدم السيطرة والقدرة على فعل الأشياء التي يريدونها، مما يؤدي لتمكن الشعور بالهزيمة والرفض وعدم الجدارة منهم، وفي النهاية يصدقون أنهم سيظلون وحيدين إلى الأبد.

5 أفلام وثائقية تكشف لك العالم الخفي المخيف لصناعة «البورنو»

عددهم أكبر مما تعتقد

يبدو أن ظهور «الإنسيلز» ليس مُستجدًا؛ فقد صدر عام 1987 كتاب بعنوان «الخجل والحب» من تأليف عالم النفس الأمريكي بريان جي جيلمارتين المتخصص في علم النفس الاجتماعي، وخلال رحلة تأليفه أجرى المؤلف مقابلات مع 300 رجل تراوحت أعمارهم بين 19 و50 عامًا لم يسبق لهم ممارسة الجنس في حياتهم، وأفصحوا له خلال حديثهم معه عن عدم ارتياحهم من جراء وضعهم الذي يعيشونه لا إراديًّا، وقد بحث الكتاب أسباب حالتهم وعلاجها.

غلاف كتاب «الخجل والحب»

لم يُحدث الكتاب بعد نشره الصدى والانتشار المتوقع، لكن بحلول عام 2000 اكتشف «جيلمارتين» جمهورًا مُخلصًا حسب وصفه على شبكة الإنترنت، وتمت دعوته للتحدث عن كتابه في اليابان التي يعاني فيها رجل من كل أربعة رجال غير متزوجين في الثلاثينيات من عدم قدرتهم على الانخراط في العلاقات الرومانسية وممارسة الجنس، ويرتبط ذلك بانخفاض الأمان الوظيفي في اليابان؛ مما يجعل المواطن الياباني غير قادر على الاعتناء بحياته الشخصية.

ومن أجل الوصول إلى أرقام حديثة أكثر دقة أُجري استطلاع وطني في الولايات المتحدة، وجدوا فيه أن 16% من الأزواج لم يمارسوا الجنس مدة شهر، بينما هناك 14% من الرجال و10% من النساء لم يمارسوا أي نشاط جنسي مدة عام، بالإضافة إلى أن 3% من الأشخاص الذين شملهم البحث لم يمارسوا الجنس منذ بلوغهم سن الثامنة عشر.

كما رصدت الدكتورة دينيس دونيلي، أستاذة علم الاجتماع في جامعة ولاية جورجيا الأمريكية، مدى انتشار العزوبية بشكل لا إرادي، وذلك في دراسة أجرتها عام 2001 شملت 60 رجلًا و22 وامرأة، عرفوا أنفسهم بأنهم عازفون عن الجنس لا إراديًّا، وأكدوا أنهم يعانون من الاكتئاب ومستاؤون ومحبطون من عدم وجود علاقات جنسية لديهم، ويشعرون بأن تطورهم الجنسي توقف بشكل ما في مرحلة مبكرة من عمرهم.

هل توجد حياة بعد «البورنو»؟ قصص ممثلات إباحيات اخترن العودة إلى «طريق الله»

إيليوت رودجر.. مُحبط جنسي آخر يرتكب جريمة قتل

لم أمارس الجنس مطلقًا وعمري الآن 22 عامًا، لم تقبلني فتاة أبدًا، قضيت عامين ونصف العام في الكلية وربما أكثر وما زلت بتولًا، هذا هو الوقت الذي يخوض فيه الجميع تجارب الجنس والمتعة واللهو، لكني طيلة هذا الوقت تنخرني الوحدة.

تلك الكلمات هي أبرز ما جاء في مقطع الفيديو الذي سجله الشاب الأمريكي إيليوت رودجر قبل ما أسماه يوم القصاص الموافق 24 مايو (أيار) 2014، والذي أقدم فيه على ارتكاب حادثة قتل جماعي أسفرت عن مقتل ستة أشخاص، ثلاثة منهم لقوا مصرعهم في بلدة يسلا فيستا التابعة لولاية كاليفورنيا، قبل أن يتجه إلى ثكنة جامعة في مدينة سانتا باربرا ويفتح سلاحه الآلي عشوائيًّا، موقعًا ثلاثة قتلى و13 مصابًا، وانتحر بعدها مطلقًا على نفسه النار داخل سيارته.

إيليوت رودجر- المصدر: وكالة «فرانس برس»

برر رودجر ما فعله بقوله: «منذ السنوات الثمان الماضية بعد بلوغ سن المراهقة، أجبرت على التقوقع في عالم الوحدة والرفض، ورغبات لم تتحقق جميعها بسبب الفتيات اللواتي لم يشعرن بانجذاب تجاهي مطلقًا، فتيات أولين كل العاطفة والجنس والحب تجاه رجال آخرين وليس تجاهي أبدًا».

وقبل أن يُقدم الشاب الأمريكي على فعلته أرسل رسالة إلكترونية مُفصلة بلغ عدد كلماتها 107 آلاف كلمة وصف فيها عالمه المشوه، إلى والديه ومعالجه النفسي الذي كان يُتابع معه جلسات علاجه من المرض الذي شُخص به في طفولته، وهو متلازمة «أسبرجر» التي تعد شكلًا من أشكال التوحد، وتؤثر في المصاب بها وفي طريقة فهمه للآخرين وتفاعله معهم.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد