ظلَّت أراضي الولايات المتحدة الأمريكية بعيدةً عن ضربات أعدائها طوال الحرب العالمية الثانية؛ إذ وفّرت له جغرافيتها حماية طبيعية بسبب بعدها عن المسرح الأساسي للحرب في أوروبا، وعن جارتها العدوّة، إمبراطورية اليابان.

«كيف نزعج أمريكا في دارها؟» كان السؤال الشاغل لليابانيين بعد تعرضهم لقصف جوي طاحن، وهو ذات السؤال الذي يطرحه شباب قطاع غزّة «كيف نفتح جبهة جديدة مع الاحتلال الإسرائيلي؟»، وكان الجواب في الحالتين: «البالونات المفخخة» والحارقة. في هذا التقرير نستعرض تاريخ هذه البالونات المفخخة، وكيف استخدمتها اليابان، وكيف خلقت مساحة جديدة لقطاع غزّة؟ 

اليابان تصيب مدنيي الولايات المتحدة بالبالونات المفخخة

في ظهيرة يوم الخامس من مايو (أيّار) 1945 خرج القس الأمريكي ايمرسون ميتشل مع زوجته الحامل بطفله، وبرفقتهم خمس أطفال من أبناء بلدتهم لقضاء نهار مشمس في ليكفيو، في ولاية أوريجون، وانتهت رحلتهم بانفجار قتلهم جميعًا إلا القس ميتشل. كان الانفجار أول وآخر مقتل لمدنيين أمريكيين في الحرب العالمية الثانية. 

تفاجأت السيدة ميتشل بجسيم في وسط الغابة، وذهبت نحوه هي والأطفال لتفحصه وما أن لمسوه، بعكس ما حذّرها زوجها، انفجرت القنابل. حتى ذلك الحين لم يتوقع أمريكيّ أن بإمكان عدو لأمريكا أن ينفّذ هجومًا في أراضيها بهذا الشكل.

لكن ما الذي أوصل القنابل اليابانية إلى هذا المكان؟ في غمرة شعور اليابانيين بالعجز عن مهاجمة الولايات المتحدة في أراضيها، ظهرت فكرة إرسال مناطيد أو بالونات هوائية، لتعبر الطرف الغربيّ للمحيط الهادئ، من الشواطئ اليابانية، نحو الطرف الشرقي على سواحل الولايات المتحدة الطويلة.

نفّذ اليابانيون الفكرة خلال عامين وبدأ إطلاق البالونات المفخخة التي كانت ترسل عشوائيًا باتجاه الولايات المتحدة، وتدفعها الرياح بذلك الاتجاه، ولكل بالون حظه في الوصول، أو في إصابة أي هدف أمريكي، ومن 10 آلاف بالون مفخخ لم يصل إلا ألف. حاولت القوات الجوية الأمريكية استهداف البالونات وإسقاطها قبل وصولها، لكن لم تكن مقاتلات سلاح الجو قادرةً على استهدافها نظرًا لتحليق البالونات على ارتفاع أعلى من مستوى المقاتلات. أمِل اليابانيون أن تشعل البالونات الحرائق في غابات غرب أمريكا، ولكن لم يحالفهم الحظ إذ كان موسم تدشين المشروع ماطرًا.

منعت السلطات الأمريكية الصحافة من نشر أخبار عن البالونات المفخخة، ولكن بعد الحادثة أوعزت بنشر تنبيه للأمريكيين لتحذيرهم منها. 

بالونات غزة الحارقة.. صداع يومي في رأس إسرائيل

انطلقت مسيرة العودة الكبرى، في يوم الأرض الفلسطيني يومَ 30 مارس (آذار) 2018، ومعها أطلق الفلسطينيون المحاصرون في قطاع غزّة وسائل احتجاج وتظاهر جديدة، منها البالونات بخصائص هجومية مختلفة؛ حارقة ومفخخة.

خلال شهرين من انطلاق الاحتجاجات وإرسال المحتجين الفلسطينيين لبالوناتهم الحارقة، رصد 805 مواقع حريق، وأشارت صحيفة إسرائيلية إلى احتراق ما يصل إلى 33 ألف دونم، بين أراضٍ زراعية للمستوطنات، وغابات.

حقل قمح استيطانيّ مشتعل في مستوطنة ناحل عوز، قرب قطاع غزة.

تطوّر الأمر ليؤسس المحتجون «وحدات الإرباك الليلي»، وطوّروا البالونات لتُربط بقطع قماش مبلّلة بالوقود، تحملها لمسافات صار تتجاوز المستوطنات المتاخمة لغزة، بقدرة حرق أعلى. صارت الحرائق واقعًا مكررًا يعيشه المستوطنون الإسرائيليون، لدرجة أن إحدى المُستوطنات قالت إن هذه الحرائق أسوأ من صواريخ القسام، إذ «لا يوجد نظام تحذير منها، ولا توجد صافرة إنذار ولا يعرف أحد متى تسقط».

بعد الطائرات الورقية والبالونات المفخخة الحارقة بدأ الغزيون بإرسال بالونات تحمل قنابل انفجارية، محلية الصنع، وقنابل صوتية، تنفجر إذا تم لمسها أو تحريكها، لتحط البالونات بشكل عشوائيّ قريبًا من المستوطنات أو داخلها. ما تصفه إسرائيل بـ«إرهاب الطائرات الورقية» يعكّر على المستوطنين صفو حياتهم اليومية، ويحوّل يومهم لملاحقات للطائرات والنيران التي تشعلها، ويضيع النهار في محاولة إطفاء النيران ورصد البالونات التي لم تنفجر. وعلى صعيد آخر تراجعت معدلات السياحة في جنوب إسرائيل نتيجةً لخطر هذه البالونات، واضطر بعض المزارعين الاستيطانيين لقطف المحصول قبل نضوجه مع وعود من الحكومة الإسرائيلية بالتعويض.

طائرة درون إسرائيلية تقترب من مجموعة بالونات فلسطينية مفخخة لتسقطها.

ويبدو أن هذه البالونات المفخخة والحارقة قدّمت للفصائل الفلسطينية ورقة تفاوضية على طاولة الوساطة المصرية بينهم وبين إسرائيل؛ إذ سبّب الإزعاج اليومي بلا توقف صداعًا لإسرائيل دفعها لقصف مواقع للمقاومة انطلقت منها بالونات تحمل عبوات ناسفة لم تسفر عن قتلى، أو جرحى في الجانب الإسرائيليّ، ومع انطلاق جولة محادثات عبر الوساطة الإسرائيلية ترتفع وتيرة إطلاق البالونات.

وفي حين يرى البعض هذه البالونات المفخخة وسيلة مقاومة إبداعية، يرى موقع «المونيتور» أنها دلالة على ضعف «حماس» ويأسها الذي دفعها لاختراع «سلاح للضعفاء». 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
حصاد مسيرات العودة.. عامٌ من الحدود المشتعلة التي أقضت مضاجع تل أبيب!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد