هي اللوحات الجدارية، أو لوحات الكهوف، أو فن الكهوف؛ جميعها تعبير عن زخرفة الإنسان الأول لجدران الكهوف والملاجئ الصخرية في جميع بقاع العالم. وبينما يعد الفن التشكيلي عادة رفاهية للشعوب، يثار النقاش دومًا حول هدف الإنسان الأول من الرسم، لا سيما فن الكهوف في العصر الحجري القديم.

ويعيد المتخصصون ذلك إلى أنه غالبًا ما كان الإنسان يرسم ذكرياته عن الماضي، أو لدعم رحلات الصيد المستقبلية، أو لحفظ الطقوس الدينية، أو لإيصال بصمته لنا بالنهاية متسلسلة كدليل على التطور الكامل لعقول البشر القدماء.

أكثر من مجرد نقوش

ترى بعض التفسيرات أن السبب خلف رسم الإنسان الأول على جدران الكهوف هو اعتبارها وسيلة لنقل المعلومات، في حين أن الرؤية الأخرى تعتبرها عرض لطقس ديني أو احتفالي؛ ما يثير الدهشة هو أن العديد من مواضيع هذه النقوش يكاد يكون موحدًا عبر القارات التي عُثر فيها على فن الكهوف؛ ما يدل على عالمية الغرض وتشابه الدوافع بين الفنانين.

وحاول الكثير من العلماء تخمين المعاني خلف رسم الإنسان للحيوانات، وكان الاعتقاد الأقرب هو إيمانه بأنه يصطاد روحها عند رسمها ما يسهل عليه عملية صيدها في ساحة الغابة، أو قد يمثل ذلك رغبته في إظهار احترامه للطبيعة الأم وتحية لها، أو توثيقًا لعمليات الصيد التي فعلها هو أو أحد أقاربه.

أثار اهتمام الإنسان الأول برسم الحيوانات اهتمام عدد من المتخصصين، فمن الواضح أنها كانت ذات أهمية بالغة في حياة الفنان الأول نفسه، يقول دكتور آدم برام، أحد المشاركين في دراسة الكهوف الإندونيسية بجامعة ولونغونغ: «إن لوحات الحيوانات كانت الأكثر جمالًا بين ما تركه لنا هؤلاء البشر الأوائل»، ويُرجع برام ذلك إلى أن الصيادين الجامعين كانوا يستخدمون الثدييات البرية الغريبة والفريدة التي نشأت في عزلة في جزيرة سولاويزي، وهي الجزيرة الإندونيسية التي أُطلق عليها بعد ذلك مدغشقر.

في وقت لم يكن هناك مصابيح، وكانت الأجزاء الداخلية العميقة من الكهوف معتمة تمامًا، استخدم الإنسان الأول الدهون الحيوانية وقودًا للحفاظ على النار مشتعلة، ما فسر للباحثين الكثير؛ فقد شكل الإنسان الأول رسومه على جدران الكهف في بيئة مغلقة ساهم في تشكيلها الدخان الناتج من الاحتراق.

ومع استخدامه المعادن أصباغًا لرسومه تأثرت ألوان نقوشه الإنسان الأول بهذه البيئة، فساد على خطوطه اللون الأسود والأصفر والأحمر الذين أنتجهم من أكاسيد الفحم والمنجنيز عن طريق الطحن أو الخلط أو التسخين، وتطبيقها على الأسطح الصخرية بالنفخ في العظام الجوفاء، أو بفرش مصنوعة من الشعر أو الطحالب.

أوروبا أكبر معرض لفن الإنسان الأول

عُثر على أفضل المواقع المعروفة لفن الكهف في أوروبا، وتعود إلى العصر الحجري القديم. فعلى جدران الكهوف نُقشت لوحات متعددة الألوان والصبغات الطبيعية مثل: الفحم وأكسيد الرصاص، واستخدمت جميعها من أجل التوثيق بالرسم للحيوانات المنقرضة ولشكل البشر وأشكال هندسية موجودة منذ حوالي 20 إلى 30 ألف سنة.

Embed from Getty Images

نقوش لحيوانات برية على جدران كهف لاسكو في فرنسا

يعد كهف إل كاستيلو أقدم الكهوف التي وجد على جدرانها فن، ويقع هذا الكهف في إسبانيا، وتجرى رصد بصمات ورسومات لحيوانات على سقف الكهف يعود تاريخها إلى 40 ألف سنة مضت. وهناك كهف آخر جرى اكتشافه في فرنسا، وهو كهف آبري كاستانت، وعلى جدرانه ظهرت رسوم لأيادٍ وحيوانات يعود تاريخها إلى 37 ألف سنة.

وفي البرتغال أيضًا، وتحديدًا في شرق مدينة بورتو، يعد وادي نهر كوا، أحد أفضل الأماكن الأوروبية لاستكشاف الفن الصخري في الهواء الطلق، وخارج الكهوف الحارة. وتعد الرسوم هناك متحفًا مفتوحًا للإرث الفني البشري في العصر الجليدي.

الأيادي الفرنسية ترسم تاريخًا للبشر

تحتوي المنطقة الواقعة في جنوب غرب فرنسا أيضًا على معالم فن الإنسان في العصر الجليدي، ومنها ما يعود إلى 20 ألف سنة، ومنها كهف لاسكو بنقوشه الحيوانية ورسوم لشخصيات بشرية، وبالقرب منه يقع كهف  فونت دو جوم وفيه تظهر رسوم صخرية ملونة لحيوان الماموث. ويضم كهف لاسكو بعض أشهر الأمثلة على لوحات فن الكهوف التي سبقت عصور ما قبل التاريخ، وحصر المستكشفون به ما يقرب من 600 لوحة، معظمها لحيوانات تنتشر على الجدران الداخلية للكهف في ترتيب مدهش.

ويظهر بين الحيوانات المرسومة بكثرة رسومات الخيول ثم الغزلان. يجاور هذه النقوش القديمة رسم حديث نسبيًا يضم 1400 نقش مماثل يعودون إلى العصر الحجري الأول، وتبدو عليها مهارة اليد التي شكلتها، ولكن لم يتوصل الباحثون للمعنى الدقيق لهذه النقوش، إلا أن البعض ربطها بمبادئ روحانية.

Embed from Getty Images

رسوم لخيول برية في كهف لاسكو في فرنسا

أثبتت النقوش في هذا الكهف وجود طريق للتجارة والإمداد في هذا الزمن البعيد، إذ  أنه لا توجد رواسب لأكاسيد المنجنيز في أي مكان بالمنطقة المحيطة بالكهف. ويبعد أقرب مصدر لها نحو 250 كيلو متر، في وسط جبال البرانس. وكانت مثل هذه التفاصيل غير مألوفة عن إنسان هذا العصر، بأن يصدر أو يستورد مواد من أماكن تبعد عنه عشرات الكيلومترات؛ ما يشير إلى جهد إضافي قام به فنان هذا العصر والمسافة الطويلة التي قطعها من أجل التوثيق.

ويعد ما اكتُشف في كهف شوفيه بونت دارك الفرنسي أعظم وأشهر أعمال الفن الأولى على الصخر، ويرجع تاريخ الرسوم به إلى ما بين 30 إلى 32 ألف سنة، وتحديدًا في العصر الأوريجاني، في واحدة من أقدم مواقع الفنون الصخرية في العالم بوادي بونت دو أرك، ويمتد الكهف أفقيًا لمسافة 500 متر تقريبًا في الأرض، ويتألف من غرفتين رئيستين يفصل بينهما طريق ضيق.

Embed from Getty Images

نقوش لحيوانات برية بكهف شوفيه في فرنسا

وثق العلماء أكثر من 420 لوحة في كهف شوفيه بونت دارك، والتي ضمت رسوم واقعية لحيوانات مثل: الخيول ووحيد القرن والدببة وغيرها؛ كما رُصدت لوحات لعلامات اليد البشرية، ولوحات تجريدية. وانقسمت اللوحات بين الغرفتين، فكانت حمراء في الغرفة الأولى؛ إذ رُسمت برابع أكسيد الرصاص الأحمر، أما في الغرفة الثانية فكانت الرسوم جميعها باللون الأسود، ومرسومة بالفحم.

كان أكثر ما تسبب في الذهول والدهشة حول رسوم كهف شوفيه هو واقعيتها الشديدة؛ فالواقعية أمر غير معتاد في لوحات فن الكهوف في العصر الحجري، حيث يظهر في اللوحات قوة الحيوانات وهي في حالة حركة، لدرجة تجعلها حية وملموسة.

الأصول الأفريقية للفن

تعد رسوم الحيوانات البرية وعلامات الكفوف التي رسمها الإنسان القديم على جدران الكهوف الإندونيسية من أقدم الرسوم المكتشفة؛ إذ يعود تاريخها إلى 35 ألف سنة. ظهرت هذه الرسوم بإندونيسيا في خمسينات القرن العشرين في جزيرة سولاويزي، وسط مناخ استوائي يصعب على أدق اللوحات الصمود أمامه. بتحليل الباحثين لنقوش الكهف، نجحوا في تأريخ علامة يد واحدة إلى 39 ألف و900 سنة على الأقل، وسجلت رسمتان لخنزير بري وحيوان آخر ما بين 35 ألف و400 إلى 35 ألف و700 سنة.

ترجع أهمية هذه الرسوم، غير كونها أقدم رسوم جرى  اكتشافها، إلى إثبات أنه عوضًا عن اعتبار أوروبا نواة الذكاء الإنساني الإبداعي، فإن ذلك لم يحدث إلا بعد أن وصل الإنسان الأفريقي إلى آسيا، إذ كانوا هم المستوطنون الأوائل للقارة، وأسسوا لأعمالهم الفنية في نفس الوقت.

اعتقد علماء الآثار أيضًا أن المجموعات الإفريقية المستعمرة طورت مهاراتها الفنية بشكل منفصل عن بعضهم البعض، إلا أن أسلاف هذه المجموعات كانوا فنانيين بالفعل قبل مغادرتهم للقارة الإفريقية. يقول عالم الآثار الدكتور ماكسيم أوبيرت، من جامعة ولونغونغ الأسترالية، أن الجنس البشري في البداية غادر أفريقيا، ثم انتشر في جميع أنحاء العالم. ويعتقد العلماء بعد النظر إلى هذه اللوحات أن التقدم البشري في ممارسة الفن واستخدامه لأدواته وتأثره بالبيئة من حوله، بدأ عند الإنسان الأفريقي، ثم تطور ببطء، وانتقل إلى بقاع أخرى من العالم.

المصادر

تحميل المزيد