خلال العقود الأخيرة تشكلت في منطقة الشرق الأوسط كيانات وتنظيمات مسلحة، حملت أسماؤها ذكرًا للقضية الفلسطينية والقدس، أو نصرة لقضايا المسلمين التي تمثل قضية القدس ركنًا أساسيًا فيها، ولكن هذه الكيانات حادت عما تحمله أسماؤها؛ فمنها من انشغل بتمكين الشيعة في سوريا والعراق، وأخرى أصبحت قبوًا لتعذيب المعارضين لهم من الفلسطينيين أنفسهم، وثالثة عبّرت عن تحالف عسكريّ «إسلامي» لعشرات الدول؛ لـ«محاربة الإرهاب»، بعيدًا عن الصراع العربي الإسرائيلي.

وحتى بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل، لم تحرك هذه الكيانات ساكنًا، ولم تنتفض بما يتماشى مع الحدث الجلل ويلائم الأسماء التي تحملها.

«فيلق القدس» المنشغل بتمكين الشيعة في سوريا والعراق

في الثمانينات خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) أسس الحرس الثوري الإيراني ما يُسمى بـ«فيلق القدس»، الذي يضم تشكيلات عسكرية ترتبط مهامه – بشكل أساسي – بالعمليات العسكرية والاستخباراتية الخارجية خارج الحدود الإيرانية. ومع أن اسمه يحمل اسم القدس صراحة، إلا أن عملياته العسكرية لم توجه ضد الإسرائيليين في فلسطين والأراضي المحتلة، وتركزت بشكل أساسي في أفغانستان وسوريا والعراق.

ومن بعد عام 2011، بدأت تحركات فيلق القدس في الدول العربية تتخذ منحىً مذهبيًا شيعيًا موجهًا ضد السنة، بشكل واضح للعيان، بعيدًا كل البعد عن قضية فلسطين والقدس. ونظرًا لتبعية هذا الفيلق للحرس الثوري الإيراني، فإنه يعمل تحت مسؤولية علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وتحت قيادة مباشرة للفريق قاسم سليماني، الذي يعمل قائدًا للفيلق منذ عام 1998.

وفي مقال نشرته صحيفة «واشنطن تايمز» في فبراير (شباط) 2017، قال الكاتب كينيت تيمرمان: إن سليماني «يبث الرعب في الخصوم والموالين – على حد سواء – بمنطقة الشرق الأوسط، وإنه قوي، وذو نفوذ طاغٍ، ومتهور، ويظهر بميادين القتال، وأصبح صانعًا للحكومات ورؤسائها في العراق». وأضاف تريتمان: «فيلق القدس قدم دعمًا كبيرًا للمليشيات الشيعية العراقية في حربها ضد القوات الأمريكية هناك، وزوّدها بالمقذوفات والمتفجرات التي زادت عدد القتلى والمصابين وسط الأمريكيين زيادة نوعية، حيث بلغ عدد القتلى وحدهم نحو 1500».

أما المعلومات المعلنة عن الفيلق، فيُحيط بها جانب من السرية. فعلى سبيل المثال: ميزانية الفيلق سرية، ولا تخضع لرقابة البرلمان الإيراني، كما أن عدد عناصره غير معروف، بالرغم من أن بعض التقديرات تحدد قوامه بـ 100 ألف عسكري.

قاسم سليماني قائد فيلق القدس

وفي أثناء حرب إيران والعراق في ثمانينات القرن الماضي، قدّم فيلق القدس دعمًا للقوات الكُردية التي تُحارب ضد الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كما لعب الفيلق دورًا في الحرب السوفيتية ضد أفغانستان، بمساعدة التحالف الشمالي، وانضم لاحقًا إلى القوات الأمريكية للإطاحة بحركة طالبان.

وبرز دور سليماني في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، عقب الانتفاضة التي اندلعت ضده، في 2011، وساهم في قتال المعارضة، ومن أبرز المعارك التي خاضها الفيلق ضد المعارضة في سوريا، معركة «القيصر»، التي انتصر فيها على المعارضة في مايو (أيار) 2013.

وساهم انخراط فيلق القدس في العراق خلال السنوات الماضية، في دعم حكومتي نوري المالكي، وحيدر العبادي، لدرجة جعلت هادي العامري، وزير المواصلات العراقي السابق، يقول: «لولا سليماني لكانت حكومة حيدر العبادي في المنفى ولما كان هناك وجود للعراق».

ولم تخلُ تدخلات الفيلق والقوى الشيعية في الدول العربية من الانتهاكات العنصرية والمذهبية ضد السنة، ويتلقى الفيلق دعمًا كبيرًا من الحكومة الإيرانية، ففي يوليو (تموز) 2017، قال علاء الدين بروجردي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني: «إن طهران خصصت مبلغ 300 مليون دولار لفيلق القدس»، ومع التكتم على الكثير من المعلومات المحيطة بالفيلق، فما خفي قد يكون أعظم!

وعقب إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، لم يصدر عن سليماني أي رد فعل أو تصريح؛ ليبدو أنه منشغل أكثر بإدارة الصراعات في سوريا والعراق.

اقرأ أيضًا: الفرار من معركة الموصل لا يحمي المدنيين السُنَّة من انتقام «الحشد الشيعي»

«فرع فلسطين 235».. قبو تعذيب المعارضين والفلسطينيين

«لم نكن نستطيع النوم ولا الراحة، بسبب أصوات التعذيب وصراخ المساجين، وكنا نستطيع أن نميز من قتل تحت التعذيب ومن بقي على قيد الحياة، فعندما يقتل أحد الرجال تحت التعذيب كنا نسمع صراخ المحقق قائلًا: «تعال خود هالكلب وزتو بالممر»، حيث تتراوح أعداد القتلى يوميًا ما بين 10 لـ15 قتيلًا، وهذا حسب ما كنا نسمع من السجانين أثناء تباهيهم بذلك، أما عن نفسي، فقد مارسوا ضدي عدة أنواع من التعذيب، منها: الشبح (أي التعليق كالذبيحة من اليدين)، والفلقة (أي الضرب بالعصا على القدمين)».

هكذا تحكي إحدى السجينات السوريات السابقات في أحد السجون التي لا تتبع سجون إسرائيل، وإنما في سجن «فلسطين 235»، أحد أفرع المخابرات العسكرية التي يمتلكها النظام السوري، وأسس قبل عقود من أجل ما يتعلق بالحركات الفلسطينية ضد إسرائيل، قبل أن يتحول نشاطه في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد إلى نشاط مراقب ومناهض لتلك الحركات الفلسطينية، ومضاد للمعارضة السياسية. ليأتي من بعده نجله بشار، ويركز أكثر على اعتقال وتعذيب معارضيه، بما فيهم اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، وتحديدًا بعد «الانتفاضة السورية» في 2011.

اقرأ أيضًا: تعذيب المعتقلات السوريات.. يبدأ بـ«الشبح» ولا ينتهي بـ«إجهاض المغتصبة»

واشتهر الفرع الواقع جنوبي العاصمة السورية دمشق، وبه ثلاثة طوابق تحت الأرض، بأساليب التعذيب المختلفة للمعتقلين والمعتقلات، والتي تتضمن: التحرّش الجنسي والاغتصاب، والتعذيب بالصعق الكهربائي، والمنع من النوم، ذلك بالإضافة إلى شدة التكدس والازدحام، وسوء التغذية والعلاج.

الرئيس السوري بشار الأسد

وقد اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش فلسطين 235 أحد «أقبية التعذيب» في سوريا، وفي نهاية 2015، أفادت المنظمة نفسها بأن عدد ضحايا الفرع بلغ 127، ومن اللافت أيضًا أن فرع فلسطين لا يتوقف دوره على تعذيب السوريين المعارضين فقط، وإنما يمتد لاعتقال اللاجئين الفلسطينيين وتعذيبهم؛ وفي شهادة لعدد من المعتقلين تعود لنوفمبر (تشرين الثاني) 2015، قُتل أربعة لاجئين فلسطينيين تحت التعذيب في فرع فلسطين 235، الذي يضم 1643 معتقلًا فلسطينيًا، بينهم 106 معتقلة، وذلك بحسب «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا»، والتي لفتت أيضًا في إحصاءات محدثة حتى 8 ديسمبر (كانون الأول) 2017، بأن حصيلة الضحايا الفلسطينيين في سوريا، لا تقل عن 3615، بينهم 463 امرأة.

ويعمل الفرع أيضًا على متابعة سفر السوريين إلى السعودية والتحقيق معهم، فالسوري الذي يرغب في استخراج تأشيرة للمملكة ولو بغرض الحج، لابد أن يمر على فرع فلسطين 235؛ للاستجواب والتحقيق الذي قد يمتد للاعتقال والمنع من السفر، وإذا وافق الفرع على السفر، فإن ذلك لا يعني أن القصة انتهت؛ فبعد عودة الحجاج السوريين من المملكة؛ يخضعون للتحقيق في فرع فلسطين.

«التحالف الإسلامي العسكري».. 41 دولة لـ«محاربة الإرهاب»

في ديسمبر 2015، أعلنت المملكة العربية السعودية تأسيس ما أسمته بـ«التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب»، ويضم التحالف 41 دولة ذات أغلبية مُسلمة، ولكن أيًا من أهداف ذلك التحالف الضخم، كانت تتعلق بالقضية الفلسطينية أو القدس، التي تحمل رمزية كبيرة للمسلمين؛ كونها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فمع ذكر لفظ «إسلامي» في التحالف، إلا أنه تجاهل الحديث تمامًا عن القضية الفلسطينية.

فوفقًا للأهداف المعلنة لذلك التحالف العسكري، الذي أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فإن التحالف يهدف إلى: «تنسيق الجهود ضد المتطرفين في العراق، وسوريا، وليبيا، ومصر، وأفغانستان»، ولم تشمل أهدافه تنسيقًا لمحاربة قرارات تبدو «متطرفة»، ضد مقدسات إسلامية بحجم مدينة القدس التي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنها عاصمة إسرائيل.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

ولم يشمل التحالف دولة إيران، وذلك في ظل انشغال السعودية الأكبر بمواجهة خطر إيران في المنطقة، لدرجة بدت أكبر من انشغالها بإسرائيل، وعقب قرار ترامب الأخير، دعا الزعيم الشيعي مقتدى الصدر السعودية إلى «إنهاء الحرب في اليمن والبحرين وسوريا فورًا، وتوجيه التحالف الإسلامي الذي تقوده (المملكة) نحو القدس لتحريرها، وإلا فإن الذل والعار لنا ولها، إذا لم تقم بذلك».

وهي دعوة لم يوجهها الصدر لفيلق القدس وغيره من الجماعات المسلحة والأنظمة الشيعية، التي تحمل في أسمائها ذكرًا لفلسطين والقدس.

اقرأ أيضًا: العشق الممنوع.. هل يكسر ابن سلمان «التابوه» ويقيم علاقات «علنية» مع إسرائيل؟

وفي 26 نوفمبر 2017، وقبل أقل من أسبوعين من إعلان ترامب، الذي تعهد به منذ أن كان مرشحًا انتخابيًا، افتتح ابن سلمان أعمال الاجتماع الأول لمجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، والذي انعقد تحت شعار «متحالفون ضد الإرهاب»، ولم يُعلن التحالف حتى الآن اجتماعًا مماثلًا لمواجهة قرار ترامب باعتبار القدس عاصمةً لإسرائيل، ذلك القرار الذي أعقبه احتجاجات في عدد من الدول العربية، من بينها: مصر المنضمة للتحالف، والتي اعتقلت عددًا من الذين تظاهروا احتجاجًا على قرار ترامب، وتأكيدًا على عربية القدس!

المصادر

تحميل المزيد