عادت المنافسة بين الصين والهند في ميانمار إلى دائرة الضوء مرة أخرى بعدما حطَّ رئيس أركان البحرية الهندية، الأدميرال كارامبير سينج، رحاله في ميانمار، ضيفًا لمدة ثلاثة أيام، من 17 إلى 20 فبراير (شباط) الماضي، بُعَيْدَ زيارةٍ أرفع مستوى قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج يومي 17 و18 يناير (كانون الثاني)، كانت هي الأولى من نوعها منذ 19 عامًا. 

علامَ تتنافس الهند والصين في تلك الدولة الواقعة جنوب شرق آسيا؟ وكيف تنظر لهذه المنافسة الولايات المتحدة في سياق منافستها مع بكين فيما يتجاوز الاقتصاد إلى الدفاع والثقافة والتكنولوجيا؟ وهل لأزمة مسلمي الروهنجيا موقع في هذا السياق؟ هذه بعض الأسئلة التي تحاول السطور التالية الإجابة عليها.

في سياق المنافسة مع الصين.. ما أهمية ميانمار بالنسبة للهند؟

بينما كان الهدف المعلن من زيارة رئيس أركان البحرية الهندية هو: «تعزيز العلاقات البحرية بين البلدين»، حسبما ورد في بيان المكتب الصحافي التابع لوزارة الدفاع الهندية، فإنها كانت مرتبطة أيضًا بالحسابات الإستراتيجية الهندية التي لطالما كانت هذه الدولة الصغيرة عنصرًا رئيسًا فيها. 

تعتبر ميانمار ركيزة أساسية في تواصل الهند الأوثق مع منطقة جنوب شرق آسيا، خاصة بعدما نقل رئيس الوزراء ناريندرا مودي سياسة بلاده تجاه الشرق من «التطلُّع» إلى «الفعل»، وغيَّر شعارها في عام 2014 من «Look East Policy» إلى «Act East Policy». 

وخلال السنوات القليلة الماضية عزز الجانبان علاقاتهما الدفاعية، ليس فقط من خلال التدريبات والزيارات المنتظمة، ولكن أيضًا بتوفير المعدات الدفاعية، وأحد أبرز الأمثلة على ذلك تسليم الهند غواصة «كيلو» من طراز «INS Sindhuvir» تعمل بالديزل/الكهرباء كانت جددتها بعد شرائها من روسيا في ثمانينات القرن الفائت.  

بيدَ أن التحدي الذي يواجه التنافس الهند حين تخوض منافسةً مع الصين هناك لا يتركز أكثر على المجال البحري بقدر ارتباطه بنقاط ضعفٍ تتبدى في جوانب أخرى، حسبما تقول راجيسواري بيلاي راجاجو بالان، رئيسة مبادرة السياسة النووية والفضائية التابعة لمؤسسة «أوبزرفر للأبحاث (ORF)».

في المجال الاقتصادي على سبيل المثال، تفتقر الهند افتقارًا شديدًا إلى القدرة على تلبية العديد من متطلبات ميانمار، لا سيما عندما تجد نفسها في مواجهة دولة بحجم الصين ومبادرتها «الحزام والطريق». يتجسد ذلك في تأخُّر إنهاء بعض المشاريع الرئيسة في مواعيدها المحددة، مثل: الطريق السريع الثلاثي (الهند – ميانمار – تايلاند)، ومشروع «Kaladhan Transit Transport». 

لماذا تقلق الهند من تقارب الصين وميانمار؟

زيارة الأدميرال كارامبير سينج شهدت مباحثات مع قائد بحرية ميانمار، الأدميرال تين أونج سان، وعدد من كبار الجنرالات وعلى رأسهم قائد الجيش مين أونج هيلينج، وبعض المسؤولين الحكوميين، ومن بينهم أونج سان سو تشي، مستشارة الدولة ووزيرة الخارجية، وتُوِّجَت بتقديم المزيد من المساعدات التدريبية الهندية إلى البحرية هناك. 

لكن في المقابل كانت زيارة الرئيس «شي» أكثر حميمية وأنضج ثمارًا، ورسخت «تحولًا في السياسة الإقليمية، ليس فقط من منظور العلاقات الثنائية بين الصين وميانمار، ولكن أيضًا بالنسبة إلى الأمن الإقليمي، وهو أمر ينبغي أن يكون مصدر قلق كبير للهند»، على حد قول السفير الهندي السابق بهادراكومار.

عام

منذ 3 سنوات
ماذا تعرف عن قصة التفوق الاقتصادي للمهراجا الهندي على التنين الصيني؟

خلال الزيارة التي وصفت بـ«التاريخية»، وواكبت الذكرى الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، شدد الرئيس الصيني على أن «الصداقة بين البلدين يمكن أن تستمر لآلاف السنين» وتعهَّد بالعمل على توارثها «من جيل إلى جيل» و«خلق بيئة ملاءمة أكثر للتنمية الاقتصادية والاجتماعية» ووصف البلدين بأنهما «جاران جيدان على متن القارب نفسه» استنادًا إلى «الاحترام والمنفعة المتبادلتين». 

وبين يدي زيارته، كتب شي: «إن الصين وميانمار جارتان متجاورتان تربطهما جبال وأنهار مشتركة. وقد عاش شعبينا بجوار بعضهما البعض منذ آلاف السنين. وفي اللغة الميانمارية، تعني كلمة «باوك – فاو» الأخوة من نفس الأم. وهو وصف مناسب للمشاعر الأخوية التي تجمع بين شعبينا، اللذين ترجع روابطهما الوثيقة إلى العصور القديمة».

في مقابل هذا السخاء، لم تجد سو تشي – التي انهارت سمعتها دوليًا بسبب دفاعها عن حملة الجيش الأمنية ضد الروهنجيا بدًا من التعهُّد بالوقوف على الدوام إلى جانب الصين، وقالت: «من الواضح أنه لا يوجد خيار آخر أمام أي دولة مجاورة سوى الوقوف معًا حتى نهاية العالم».

نفوذ بكين في ميانمار.. أهداف جيو – سياسية تثير قلق نيودلهي

تتمتع الصين ببصمة سياسية واقتصادية راسخة في ميانمار، وتوغُّلها في قلب هذا البلد الجنوب شرق آسيوي له أهداف جيو – سياسية أبعد مدى على نحوٍ يثير قلق الهند؛ لأنه يجعل بكين أقرب إلى خليج البنجال وبحر أندامان، وهو مجال بحري له أهمية حاسمة للأمن الهندي، بحسب التحليل المنشور في مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة في تغطية شؤون آسيا والمحيط الهادئ.

ولا غروَ، فالصين تعد حليفًا لا يمكن الاستغناء عنه لجارتها الواقعة في جنوب شرق آسيا؛ وليس أقل الفوائد امتلاكها حق «الفيتو» الذي يمكنها من حماية حكومة ميانمار في مجلس الأمن الدولي. والرئيس الصيني يدرك ذلك جيدًا، لذلك ألمح في مقاله المنشور في ثلاث صحف ميانمارية قبيل زيارته، إلى ضرورة «تعزيز التنسيق والتعاون في المحافل متعددة الأطراف، مثلما هو الحال في الأمم المتحدة وداخل إطار تعاون شرق آسيا».

وبينما ابتعد المستثمرون الغربيون عن ميانمار على خلفية أزمة مسلمي الروهنجيا، وقعت الصين 33 اتفاقًا خلال زيارة «شي» إلى ميانمار، شملت امتيازًا واتفاق شراكة لإدارة ميناء ومنطقة اقتصادية بقيمة 1.3 مليار دولار، وكذلك رسالة نوايا «لمشروع تطوير حضري جديد» في رانجون، كبرى مدن ميانمار، ودراسات جدوى لبناء خطوط للسكك الحديد.

وارتفع حجم التجارة بين الصين وميانمار بنسبة 28.5% على أساس سنوي في عام 2019 إلى 128.91 مليار يوان (حوالي 17.71 مليار دولار أمريكي)، بحسب البيانات الصادرة عن المصلحة العامة للجمارك الصينية؛ إذ بلغت صادرات الصين إلى ميانمار 84.9 مليار يوان، بزيادة 22.1% على أساس سنوي، بينما ارتفعت واردات الصين من ميانمار بنسبة 42.8% إلى 44.01 مليار يوان.

دولي

منذ 5 شهور
هكذا تركت مأساة الروهينجا أثرها على السياحة في ميانمار

«بوابة الصين إلى المحيط الهندي».. هكذا تتغير موازين القوى في المنطقة

أما ما يشكل مصدر قلق أكبر بالنسبة للهند، فهو «الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار»، وهو عبارة عن شبكة من البنى التحتية تمتد من المنطقة الداخلية في جنوب الصين إلى ولاية راخين في غرب ميانمار، من شأنها أن تشكل البوابة التي لطالما انتظرتها بكين إلى المحيط الهندي. 

وبينما يسعى الرئيس الصيني إلى تعزيز الركائز الثلاث للممر الاقتصادي بين الصين وميانمار، وهي: (1) منطقة كياوكبيو الاقتصادية الخاصة، (2) ومنطقة التعاون الاقتصادي بين الصين وميانمار، (3) ومدينة يانجون الجديدة، تتعرض الإستراتيجية الهندية المضادة لعرقلة مشاريع مبادرة «الحزام والطريق» لانتكاسة كبيرة. 

ومع انضمام نيبال، وباكستان، وسريلانكا، وبنجلاديش وميانمار إلى ركب المبادرة الصينية، تجد الهند نفسها معزولة بشدة، على حد وصف المقال المنشور في صحيفة «آسيا تايمز». خاصة بعد توقيع الصين وباكستان اتفاقية «مشروع الممر الاقتصادي المشترك» في عام 2014، بكلفة إجمالية تقدر بـ64 مليار دولار، وهو الأمر الذي من شأنه أن يغيّر موازين القوى الدولية في المنطقة، وينظر إليه باعتباره ردًا على التحالف بين الولايات المتحدة، والهند، وأفغانستان.

ما علاقة هذه الموازنات بالمنافسة بين واشنطن وبكين؟

بينما كانت الهند لا تزال دولة مستقلة حديثًا عن الحكم البريطاني، وتتمتع بأهمية جيوسياسية محدودة بالنسبة للولايات المتحدة، طرحت صحيفة «نيويورك تايمز» إمكانية أن تكون الهند «ثقلًا كبيرًا مضادًا للصين» التي أصبحت منذ عام 1949 في قبضة الحكم الشيوعي. وبعد مرور 70 عامًا، تبرز الهند مرة أخرى كـ«حصنٍ محتمل ضد الصين الصاعدة»، على حد وصف الصحفي دانيال تينيرو في مجلة «ناشونال ريفيو» الأمريكية. 

صحيحٌ أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى الهند لم ترقَ من حيث نتائجها إلى مستوى الزيارة التي قام بها سلفه باراك أوباما قبل خمس سنوات، إلى أي اتفاق كبير، لكنها حددت ملامح تعاون هندي – أمريكي أكبر ردًا على زيادة نفوذ بكين في المنطقة، وتعزيز العلاقة الإستراتيجية الصينية – الروسية، كما يقول الخبير الجيو – ستراتيجي براهما تشيلاني في مقال نشرته صحيفة «جابان تايمز». 

إستراتيجية الصين تجاه ميانمار.. بين «المعادلة الصفرية» و«استثمار الأزمات»

ابتداء من عام 2011، بدأت ميانمار تنأى بنفسها عن نفوذ بكين، وكانت حتى وقتٍ قريب منفتحة بشدة على العلاقات مع الغرب، وما كان من بكين إلا أن تعاملت مع هذا التوجه وفق معادلة صفرية، مفادها أن: تحسُّن علاقاتها مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة، يأتي على حساب جمهورية الصين الشعبية، حسبما يوضح ديريك ميتشل، المبعوث الخاص السابق للولايات المتحدة وسفيرها لدى ميانمار خلال فترة الانفتاح.

مرَّت مياه كثيرة حول الجسور، وها هي الصين تثبت أنها جاهزة للاستفادة من خلافات ميانمار مع الغرب بسبب اتهامات التطهير العرقي ضد أقلية الروهنجيا، ويعلق ميتشل على ذلك قائلًا: «إنهم يستخدمونها كفرصة للاستثمار، سواء من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، أو الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار، أو عملية السلام؛ تعددت الطرق والهدف واحد: ضمان بقاء ميانمار في دائرة نفوذها».

المصادر

تحميل المزيد