انتبه العالم بشدة، وبخاصة المنظمات الحقوقية الدولية، بأحوال تلك الطبقة الاجتماعية الهندية، التي يطلق عليها «الداليت»، بعد حادثتين مروعتين لفتتا الانتباه إلى أن التقسيم الطبقي الطائفي مازال ساريًا في الهند التي توصف دائمًا بأنها من أكثر الدول نجاحًا في ترسيخ الديمقراطية، والسير بخطى حثيثة تجاه التنمية.

في عام 2015 أدان فرع «منظمة العفو الدولية» بالهند، ما حدث لشابتين من طائفة الداليت، حيث قام مجلس «خاب بانتشابات» ـ وهو مجلس قروي غير منتخب، بشمال الهند، يمثل التقاليد الطبقية الذكورية العريقة في البلاد – بإصدار أمر باغتصاب فتاتين من الداليت، وعرضهما عاريتين في موكب على الملأ، عقابًا على هرب شقيقهما مع امرأة متزوجة، تنتمي لطبقة اجتماعية وطائفية عليا.

شقيقهما اسمه «رافي»، وامرأته الهاربة كانت قد قالت في بلاغ للشرطة الهندية: «سأعيش مع رافي، وإلا فإنني سأموت، لأنني أريد أن أُنجب طفل رافي. طفل رافي موجود في رحمي. ولا أريد العودة إلى منـزلي؛ لأنني عرضة للخطر من جانب أفراد عائلتي، الذين سيقتلونني. كما أنني لا أريد الذهاب إلى المـنـزل الذي تزوجت فيه؛ لأن هؤلاء الناس يضربونني. أريد أن أذهب مع رافي، ويجب أن يُسمح لي بالذهاب معه».

وأكد أهالي البنتين لمنظمة العفو الدولية آنذاك، أن الشرطة قد تواطأت مع الأسرة المنتمية للطبقة الاجتماعية العليا، ومارسوا الترهيب والتعذيب والإخفاء القسري لأفراد العائلة الضعيفة، وهو ما يفتح الباب، إذا ما صدقنا رواية الداليت، إلى الشك في أن العنصرية الطائفية التي تزعم الهند دائمًا أنها في طريقها للقضاء عليها، منذ وقت الاستقلال، هي في الحقيقة متجذرة و«مُمأسسة» في الدولة الهندية.

الحادثة الثانية كانت انتحار «روهيت فيمولا»، طالب الدكتوراه في جامعة «حيدر آباد» بولاية «تيلانجانا». كان «فيمولا» ناشطًا ثوريًا من طائفة الداليت، وكان زعيمًا سياسيًا مثقفًا وفعالًا في رابطة «أمبيدكار» الطلابية، بجامعة حيدر آباد.

قطعت الجامعة المنحة الجامعية المستحقة عن طالبها فيمولا؛ نتيجة نشاطه الثوري كعضو في الطائفة الأدنى، وهي طائفة الداليت، وكان يعتمد على تلك المنحة في إعانة أمه الوحيدة الفقيرة، وتكبد ديونًا كثيرة؛ نتيجة قطع المنحة عنه، فما كان منه إلا أن شنق نفسه، وكتب رسالة انتحار مأساوية، فتحول إلى بطل وطني في عيون أبناء طائفة الداليت، وكل الراغبين في إنهاء الطبقية المتجذرة بالبلاد.

المزيد عن الطبقة المنبوذة

الداليت هي طبقة مصنفة طبقًا للديانة الهندوسية وثقافتها، وهي طبقة ممنوعة من ارتياد المعابد الهندوسية، وتاريخيًا نتيجة للاعتقادات الهندوسية، فإن الداليت كانوا يقبعون دائمًا في المهن التي يرى المجتمع أنها مهن دونية.

بحسب الاعتقاد الهندوسي السائد، فإن الهنود منقسمون إلى أربعة أقسام، الأول خُلق من «رأس الإله»، وهم «البراهمة» الذين يشتغلون كرجال دين وكهنة ومربين، ويسنون القوانين ويشرفون على التعليم، وهؤلاء فوق جميع الطبقات، أما القسم الثاني فقد خُلق من «يد الإله»، وهم طبقة «كاشاتريا»، الذين يمثلون قادة الجيش والفرسان والأشراف، والثالث خُلق من «فخذ الإله»، وعلى أبناء تلك الطائفة أن يعملوا في التجارة والزراعة، وهم طبقة «الفايشا»، أما القسم الأخير فهم «الداليت»، الذي خلقوا من «قدم الإله»، وهم المنبوذون، وعليهم العمل في المهن التي يراها المجتمع حقيرة، مثل الكنس وتنظيف الملابس، وتنظيف الجلود، وهذا كله وفق العقيدة الهندوسية بالطبع.

وبحسب العقيدة الهندوسية فإن الأرواح الشريرة التي فعلت الشر في حياتها الأولى، قد عوقبت بالتناسخ في أجساد تلك الطبقة الدنيا، وبالتالي فإنه من العدل أن يتم ازدراء واحتقار تلك الطبقة وفق المعتقد الهندوسي.

وعليه، فقد خلت حياة هؤلاء المنبوذين لقرون طويلة من الثورات؛ نظرًا لأنهم مقتنعون بأن ما يحدث لهم هو عقاب مستحق على حياتهم الأولى، وأن الناس من حقهم أن يعاملوهم بقسوة تقربًا لله.

ويمثل الداليت حوالي 16% من تعداد السكان بالهند، وعلى الرغم من أن الدستور الهندي قد ألغى وجرم صراحًة، في دستور عام 1950، فكرة الطبقة المنبوذة، إلا أن الأمم المتحدة أعلنت صراحًة في عام 2007 أن التمييز الطبقي ضد تلك الطائفة ما زال موجودًا في الهند وبقوة، وتؤكد التقارير والدراسات أن النظام الطبقي التقليدي في الهند ما زال معمولًا به حتى اليوم، بالأخص كلما ابتعدنا عن المدن والحضر.

جدير بالذكر أنه منذ سنوات قليلة، تعرض أحد أفراد طبقة الداليت، ويدعى «موهان باسوان»، للضرب حتى الموت؛ لأنه ارتاد بئرًا مخصصًا لأبناء الطبقة العليا.

الطبقية التقليدية تؤثر على الإسلام في الهند

يشير العديد من المراقبين إلى أن النظام الطبقي في الهند قد تجاوز حيزه الهندوسي منذ عقود طويلة؛ ليؤثر على المسلمين والمسيحيين كذلك.

فبالرغم من تأكيد الدين الإسلامي على المساواة بشكل عام بين المسلمين، لكن المجتمع الإسلامي في الهند انقسم تاريخيًا نتيجة الروح الطبقية العامة، ونتيجة التأثر بالجوار الهندوسي، إلى ثلاث طبقات: هم «الأشراف» و«الأجلاف» و«الأرذال»، كما يُسمونهم.

الأشراف هم غالبًا المسلمون ذوو الأصول الأجنبية، وبحسب الباحث الاجتماعي «يوجيندر سيكاند»، فإن المسلمين من العرب والأفغان والإيرانيين بالهند، يرون أنفسهم أفضل اجتماعيًا من الهندوس المتحولين للإسلام. وتندرج الطبقات بعد ذلك تبعًا، لميل البشرة إلى البياض أو السواد.

وأثر هذا التقسيم الطبقي على الأعمال المتوارثة، التي امتهنها «الأرذال»، وهي مهن حرفية ينظر إليها المجتمع باعتبارها مهنًا دنيئة. وفي الواقع يتعرض الأرذال الذين يتزوجون من نساء ينتمين لطبقات اجتماعية إسلامية أعلى منهم، إلى عقوبات قبلية تقليدية لا تقل قسوة عن التي يتعرض لها الداليت.

وقد انتمى الأشراف المسلمون تاريخيًا للطبقة السياسية المهيمنة في الهند، ومن ثم سعوا إلى تفسير القرآن بتفسيرات طبقية تتلاءم مع مصالحهم، في إخضاع الطبقات الاجتماعية الأدنى.

الديمقراطية والطبقية

في الهند التي تشهد تجربة ديمقراطية ثرية منذ سنوات، يشير إليها العالم دائمًا بأنها مصدر للفخر، لا تزال التعريفات الطبقية الطائفية، تلعب دورًا كبيرًا في توجيه أصوات الناخبين، حيث ثبت كونها مفيدة في حالات التعبئة الجماهيرية السياسية؛ لأن معظم الهنود، حين يصوتون، يدلون بأصواتهم لمن يمثل طبقتهم الاجتماعية وتقاليدها العريقة.

لا يعني ذلك بأية حال أن الأمر لم يشهد تطورًا ما، على الرغم من تأكيد العديد من التقارير أن أوضاع الداليت وبؤسهم لم يتحسن كثيرًا، عما كان الحال عليه في زمن أجدادهم.

بذلت الدولة منذ عهد الاستقلال، جهودًا كبيرة من أجل القضاء على التقسيم التقليدي الطبقي، بالرغم من أن الداليت مازالت توزع عليهم أدنى المهن في المجتمع، مثل تنظيف المراحيض وكنس الشوارع وسلخ الحيوانات، لكن الأمر مرتبط هنا بمشاكل اجتماعية أكثر جذرية من تلك التي تحاول الدولة محاربتها بالقوانين السريعة.

وبالرغم من رفع الحظر في الكثير من المعابد، عن أبناء طبقة الداليت، حيث كانوا ممنوعين من دخولها فيما سبق، إلا أن بعض المعابد في جنوب وشرق الهند مازالت تمنع مواطني الداليت من دخولها، على الرغم من حظر التقسيم العنصري في البلاد.

وعملت الدولة على توزيع المنح على من يتزوجون من طبقات اجتماعية أدنى، لكن من جهة أخرى نجد حكايات مثل حكاية الفتاتين اللتين تعرضتا لحكم عرفي قاس، يشاع أن الشرطة الهندية قد تورطت في دعمه سريًا، كما سبق وذكرنا.

وتشهد مجهودات الدولة، في محاربة الطبقية، نجاحًا ملحوظًا في المدن؛ إذ يجلس أبناء الطبقات الطائفية العليا بجوار الداليت في المحافل العامة في أحيان كثيرة، دونما حرج، لكن في المناطق الريفية لا يزال الأمر أصعب كثيرًا، وربما يلقي هذا الضوء، على نوع السياسات المركزية التي تتبعها الهند في خططها التنموية.

ولا ينفي هذا، أن الدولة في الهند، سعت منذ الاستقلال وإقرار دستورها، إلى تخصيص التمييز الإيجابي والحصص، في الوظائف الحكومية، ومقاعد البرلمان، والدولة للطوائف المضطهدة تاريخيًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد