بالتزامن مع إصدار دراسة أجرتها الأمم المتحدة، تفيد بأن الهند ستصبح أكبر دول العالم من حيث تعداد السكان، وتتفوق في هذا المضمار على جارتها العملاقة (الصين)، بحلول عام 2022، كانت الصحف الاقتصادية العالمية والخبراء، تتحدث عن أن الهند بإمكانها في المستقبل، إذا سارت على نفس النهج الحاد والمتسارع للتنمية الذي تنتهجه، أن يصبح اقتصادها، على نفس القدر من الضخامة والقوة الذي يتمتع به اقتصاد جارتها العملاقة، في عام 2050، وإذا ما حافظت على نفس سياسات الإصلاح الليبرالي الاقتصادي، التي اتبعتها منذ أكثر من ربع قرن من الزمان.

ما قد لا تعرفه عن تفوق الهند على الصين

ليست هي المرة الأولى، التي تحقق فيها الهند نموًا اقتصاديًّا أسرع من الصين، فوفقًا للبنك الدولي، حدث ذلك في أعوام 1981 و1989 و1990 و1999، لكن ظل هذا الأمر غير اعتيادي، ويُنظر إليه دائمًا باعتباره وضعًا استثنائيًّا، سرعان ما يتغير مرة أخرى وبثبات كبير، لصالح التنين الصيني.

في عام 2015، بلغ معدل نمو الاقتصاد الهندي في المتوسط نسبة قدرها 7.5%، وهو أسرع من نمو الاقتصاد الصيني في نفس العام، الذي بلغ 6.9%، حسبما ظهر في البيانات الرسمية. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، ففي الربع الأول من العام الجاري (2016)، حقق اقتصاد الهند نموًا بلغت نسبته 7.9%، في حين حقق الاقتصاد الصيني خلال نفس المدة نموًا بنسبة 6.7%.

صورة للبنك الدولي، تبين التفوق الهندي الأخير، فيما يتعلق بالنمو في الناتج المحلي الإجمالي، مصدر الصورة: (fullonarticles)

استقبل المسؤولون الصينيون هذه الأرقام بقدر كبير من الانزعاج والدهشة، وبحواجب مقطبة، بتعبير «dw» الألمانية، فبهذه النسب الجديدة، باتت الهند متربعة على عرش أكبر نسبة نمو اقتصادي في العالم، وهي بذلك تتجه أكثر وأكثر للاستحواذ على حصة أكبر من الاقتصاد العالمي، مع العلم أنه، بحسب رسم بياني نشره موقع «المنتدى الاقتصادي العالمي»، فإن الهند قد بدأت رحلة تفوقها على الصين، فيما يتعلق بنسب النمو الاقتصادي، منذ الربع الأخير من عام 2014. في الواقع، ما جعل تلك الأرقام تبدو مخيفة بالنسبة للصين، المشَّكلة لثاني أكبر اقتصاد في العالم حاليًا، وتعني بالنسبة إليها أن الهند تتجه سريعًا نحو التفوق عليها؛ أن تلك الأرقام تأتي مع مجموعة حقائق موضوعية خطيرة أخرى.

استطاعت الهند في السنوات الأخيرة، ووسط الأزمات التي يعاني منها جيرانها، أن تستقطب عددًا كبيرًا من الشركات العالمية، لمختلف القطاعات الإنتاجية والصناعات في بلادها، مثل الإنتاج الدوائي، وصناعات التعدين، وصولًا حتى لتكنولوجيا الفضاء، وهو ما رآه البعض بمثابة ثورة اقتصادية طموحة في البلد الذي يعاني من الفقر المدقع، أكثر من أي دولة أخرى، ويعد اقتصاده من أقوى الاقتصادات في العالم.

ويعتقد الخبراء الاقتصاديون بجامعة هارفارد، أن الهند ستواصل تفوقها على الصين في السنوات القادمة، بمعدل نمو سنوي يناهز 7% حتى عام 2024، وبحسب مؤسسة «نومورا» اليابانية، فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تتدفق إلى الهند، ستفوق، على الأرجح في مجملها بنهاية العام الجاري، مقدار الاستثمارات التي تتدفق إلى الصين في نفس العام، حيث تستقبل الهند استثمارات ضخمة في قطاعات الإلكترونيات، والطاقة الشمسية، والصناعة العسكرية، والسكك الحديدية، والسيارات.

ما يثير انزعاج الصين أيضًا، أن الشعب الهندي أكثر شبابًا من الشعب الصيني، وأكثر إجادة للغة الإنجليزية، فبنتيجة امتحان «التويفيل» لعام 2014، كان متوسط درجات الهنود أعلى بكثير من درجات الصينيين، وهناك 500 مؤسسة أمريكية على سبيل المثال تُعين مديرين تنفيذيين أجانب لها، معظمهم هنود، كما أن 22.8 من الذكور في الهند مدخنين، وهذا الرقم يمثل نصف رقم المدخنين الذكور بالصين.

وعلى صعيد القوة الناعمة، تتفوق الهند بفارق ملحوظ على الصين، ففي عام 2014 كان أمام شباك التذاكر بقاعات السينما في قارة أمريكا الشمالية، عشرة أفلام أجنبية، خمسة منهم كانت هندية، مع عدم وجود أي فيلم صيني.

على جانب آخر يرى الكاتب الاقتصادي الأمريكي جو مايرز، أن التفوق الهندي على الصين، يرتكز على التطور الزراعي، الذي أدى بدوره إلى ارتفاع ضخم في صادرات الغذاء. في الواقع، على الرغم من أن مساحة الهند تبلغ ثلث مساحة الصين، لكن مساحة الأراضي القابلة للزراعة أكبر في الهند بكثير من الصين، بالإضافة إلى المجهودات الكبيرة التي بُذلت في مجال استصلاح الأراضي بالهند، منذ ستينيات القرن الماضي.

إلى جوار ذلك، فإن تفوق الهند منذ أواخر عام 2014، يعود أيضًا إلى التحديات الكبيرة التي واجهها الاقتصاد الصيني، المتمثلة في ارتفاع مستوى المديونية وضعف الصادرات، وتباطؤ الاستثمارات، وعلى الرغم من أن البنك الدولي كان يحذر من تأثيرات سلبية واسعة على آسيا، بسبب الأزمات التي تواجه الاقتصاد الصيني، إلا أن الهند كانت أكبر المستفيدين في القارة من تلك الأزمات الصينية، حيث كان الوقت قد حان، ليواصل المهراجا العدو نحو القمة.

الهند تعزز من قدرتها على مواجهة الصين عسكريًّا

ما زالت ذكريات الهزيمة من الصين في عام 1962، وما تبعها من إجراء الصين لأول تفجير نووي في عام 1964، إلى جانب التقارير التي نشرت في عام 1983، عن أن الصين قد نقلت نموذج القنبلة النووية واليورانيوم الكافي للقيام بعملية التفجير، لخصم الهند اللدود «باكستان»، وما حمله كل ذلك من شعور بالضعف أمام الجارة العملاقة، تحرك تلك الذكريات عقيدة العسكرية الهندية حتى الآن، ورغم تحسن العلاقات الملحوظ على المستوى الدبلوماسي، فإن المسؤولين الهنود، ما زالوا يعربون بين الحين والآخر، عن أن الصين ما زالت تمثل مصدر التهديد العسكري الرئيسي الدائم لبلادهم.

وفي خضم الصراع الاقتصادي الكبير بين البلدين، يصبح امتلاك قوة الردع العسكري شديد الأهمية بالنسبة للهند، لاستكمال طريقها المنشود نحو التفوق، خصوصًا مع استمرار المطالب الصينية بالسيطرة على بعض المناطق، التي تقع في الهند، بين الحين والآخر، بالإضافة إلى تمركز جزء كبير من القوات الصينية، على المناطق الحدودية بين البلدين.

في الواقع، ومنذ وقت بعيد، كانت الصين تملك الصواريخ، القادرة على الوصول لأقصى الأراضي الهندية، في حين لم تكن الهند تملك تلك القدرة، لكن وفي ظل خطتها للتفوق على جارتها، باتت الهند الآن وبعد مجهودات عسكرية كبيرة، قادرة على الوصول بصواريخها، لأجزاء كبيرة للغاية من الأراضي الصينية.

هل يشعر الفقراء بهذا التفوق الهندي؟

في خضم الحديث العالمي عن النجاح الهندي منقطع النظير، ونجاعة الوصفة النيوليبرالية الاقتصادية التي اتبعتها الهند منذ قرابة الربع قرن، شارك 150 مليون عامل في القطاع العام الهندي، وهو رقم يمثل أكثر من عُشر السكان في البلاد، يوم الجمعة الماضي، الثاني من سبتمبر (أيلول)، في إضراب تام وكامل عن العمل، حيث اجتمع هؤلاء العمال، في أكبر إضراب عمالي في التاريخ، من أجل تحقيق 12 مطلبًا، أهمهم الضمان الاجتماعي الشامل، وزيادة الحد الأدنى للأجر اليومي للفرد إلى 692 روبية، وحظر الاستثمار الأجنبي في السكك الحديدية. وكانت قطاعات التعدين والبنوك والاتصالات، هي أبرز القطاعات المشاركة في الإضراب التاريخي. أغلقت كل البنوك، والمصالح الحكومية، والمدارس، والجامعات أبوابها خلال هذا اليوم، ولم تبق مصالح قيد العمل، إلا التي تقدم الخدمات الرئيسية للشعب، مثل الكهرباء والمياه.

جدير بالذكر أن العديد من التقارير الاقتصادية، التي تمدح التفوق الهندي الأخير على الصين، تعتبر أن هذا التفوق قد جاء بسبب الإصلاحات الليبرالية، المتمثلة في تعديل قوانين العمل التي كانت تنص على أن الوظيفة مضمونة مدى الحياة لشاغلها، وتحرير الاقتصاد أكثر وأكثر من أي وقت مضى، وخفض الدعم على الوقود إلى 14%، والتقشف فيما يخص برامج الدعم للفقراء، مع أن هذه الخطوات تراها الشرائح الفقيرة الضخمة في الهند، باعتبارها خطوات زادتهم بؤسًا على بؤسهم.

صحيح أن الهند بعد اتباع الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية، قد صارت على الورق واحدة من أقوى الاقتصادات في العالم، وأسرعها نموًا على الإطلاق بحلول عام 2016، وباتت من أكثر خمس دول، يبلغ متوسط قيمة ما يمتلكه الأثرياء فيها من أصول قابلة للاستثمار أكثر من مليون دولار، إلا أن هذا النمو وتعاظم المكاسب والأرباح للطبقة البرجوازية الهندية، تزامن مع الحفاظ على نفس النسبة الضخمة من الفقراء في البلاد، حيث تشير بعض الأرقام الدولية الرسمية، إلى أن نسبتهم في الهند تعدت 55%، في حين تشير الأرقام المحلية إلى أن 29.7% من السكان يقبعون تحت مستوى الفقر. في الواقع، قد تزامن تنافس الأثرياء في الهند على امتلاك اليخوت الرائعة ومظاهر الترف، مع بيع بعض المزارعين الهنود الفقراء زوجاتهم، من أجل سداد ديونهم.

بحسب طرح الباحثة جاياتي جوش، الاقتصادية بجامعة جوهر لال نيهرو في مدينة دلهي، فإن: «سياسات الحكومة الهندية الحالية، تستكمل مسيرة 25 عامًا من الليبرالية الجديدة، التي تسببت في تردي حياة العمال عبر أرجاء البلاد، حيث يتمتع أقل من 4% من العمال في الهند بحماية قانون العمل، وحتى البنود التي تحفظ حقوق العمال في القانون تتآكل شيئًا فشيئًا. هناك شعورٌ عام بأن الحكومة لا تستهدف الفقر، بل تستهدف الفقراء».

تنسحب الدولة كل يوم أكثر وأكثر من تمويل الخدمات للفقراء من سكانها، وترفع يد الدعم عنهم، وتتركهم وحدهم في مواجهة طبقة الأثرياء، التي تتسارع أرباحها بصورة غير مسبوقة، والواقع أن الفقر في الهند ينخفض بوتيرة بطيئة للغاية، بحسب أكثر الأرقام تفاؤلًا، مقارنة مع السرعة الرهيبة في النمو الاقتصادي، وتعاظم ثروات الأغنياء. وفي الوقت الذي تروج فيه المؤسسات الاقتصادية الدولية، ومعها وسائل الإعلام الأجنبية، للتجربة النيوليبرالية الهندية، يقبع واحد من كل اثنين من ساكني الريف الهندي تحت الفقر المدقع. في ظل الاختلاط الواضح في الهند بين الطبقة الرأسمالية، وطبقة صناع القرار السياسي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد