في عصرنا الحالي لا تصنع الديمقراطيات الكبرى ما يكفي لشعبها اقتصاديًّا, لكن الخطوات المتأنية لحكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي جاءت عكس هذا الانتقاد, فمودي الذي نجح العام الماضي في أقوى انتخابات هندية منذ 30 عامًا أعلن عن حقبة من النمو الاقتصادي المرتفع، جعل من المتوقع أن تتجاوز الهند الصين – أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا- في عام 2015.

خلال شهر فبراير الماضي أظهرت أرقام أن الناتج المحلي في الهند ارتفع بنسبة 7.5% على أساس سنوي في الربع الرابع من عام 2014 – والتي ترتفع عن ما حققته الصين بذات الفترة- في الطريق المخطط له لأن تصبح قيمة الاقتصاد الهندي 5 تريليون دولار بحلول عام 2025، لتصبح ثالث أكبر اقتصاد بعد الصين والولايات المتحدة، وأكبر اقتصاد بمجموعة الكومنولث بعد الإطاحة ببريطانيا عام 2018.

الحكومة السابقة وأسباب الفشل

شهدت الهند نجاحات بعد شهور من فوز حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة نارندرا مودي في الانتخابات الوطنية عام 2014، والتي جاءت بعد حكومة قادها حزب المؤتمر وسط فضائح الفساد والاقتصاد المتعثر, فلم تغير الهند من سياساتها الاقتصادية المقيدة على مدى خمس سنوات, فسياسات هيمنة وتواجد يد الدولة على نطاق واسع من خلال شركات مملوكة لها وبرامج دعم مسرف تسببت في ارتفاع العجز المزمن في الميزانية في إطار غياب سيادة القانون والتنظيم، وانتشار الفساد في عدد من المجالات والأنشطة الاقتصادية؛ مما جعل نشاط الهند يوصف لسنوات على أنه “غير حر”. تلك الأمور التي ساهمت في التباطؤ الاقتصادي وخفض معدلات النمو وتراجع سعر العملة الوطنية، وأفقدت حزب المؤتمر الهندي الانتخابات الأخيرة.

غير ذلك قيدت سياسات حزب المؤتمر العمل الاقتصادي الخارجي مع تحبيذها لدور الدولة المسيطر, فقد اعتمدت على فلسفة الاقتصاد المختلط، بمعنى قيام القطاعين العام والخاص بأدوار مهمة والمشاركة في نشاطات حيوية مثل الصناعات أو المرافق أو الخدمات. كذلك عمدت السياسات إلى تقييد الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحديد ملكية المستثمرين الأجانب في الشركات بعدة قطاعات.

الميزانية الجديدة وخطوات دعم الاقتصاد

قد لا تكون ميزانية الهند الجديدة مثيرة، لكنها مبنية على تقييم واقعي لبلد معقد، وهو الأمر الذي جذب له مستثمرين متفائلين, فمع  خطة نمو على أساس توقعات غير واقعية وخيالية كان للحكومة أن تضمن الفشل, وبداية ومع دولة  تأتي بالمركز الـ 26 من أصل 41 اقتصاديًّا بين بلدان آسيا أدخلت الحكومة الهندية تحسينات متواضعة وتدريجية من أجل تحرير التجارة والتخلص من الفساد، حتى جاءت نتائجها سريعًا، وهنا يمكننا التعرف عليها بالتفصيل:

1- تعهدت إدارة مودي ذات التوجهات الإصلاحية ببعض التعديلات الهيكلية، والتركيز على إصلاح القطاع الحكومي غير المتضخم وغير الفعال، مع إصلاح الإدارة المالية العامة لنحو أفضل, فوفق معايير اقتصادية بسطت الحكومة إجراءات التوظيف والاستغناء عن العاملين، مع تعديل قوانين العمل ضد القوانين التي تنص على أن الوظيفة مضمونة مدى الحياة لشاغليها, مع أهم فائدة لهذا القطاع في تحريره من تدخل الدولة، والتي كانت تحتفظ بملكية كبيرة في القطاع المصرفي وتعثرت في إدارته؛ مما رفع القروض غير المدفوعة.

2- تتجه الهند نحو تحرير الاقتصاد، وهو ما أدى لتحسين أدائها مؤخرًا، كما لفت تقرير البنك الدولي الأخير ليعيد ذلك للحكومة الجديدة وعملها على تسهيل إجراءات إنجاز الأعمال، وتشجيع الاستثمار وتوظيف أموال في مشاريع تتعلق بالبنية التحتية والمرافق لتعزيز جاذبية النشاطات الاقتصادية، وأفسحت الحكومة الجديدة المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في صناعات أساسية، مثل صناعة الفحم التي كان يحتكرها القطاع العام.

3- وضمن الإصلاحات الجذرية تهدف الحكومة الهندية لتخفيض دعم الوقود  إلى 14%، والتخطيط لإعادة هيكلة برامج الدعم المسرفة لتوفير الأموال الحكومية وتدفقات نقدية قابلة للاستثمار, حيث تخطط الحكومة توفير 4.5% من العجز المالي لمشاريع البنية التحتية. القرار الذي سيكون صدمة لمتوسط العمال ومن يعتمد على الإعانات من أجل البقاء في بلد يشكل الفقراء 1/5 منها, لكن الحكومة الآن تسعى لتحقيق توازن بين متطلبات الارتقاء بمستويات المعيشة للفئات ذات الدخل المحدود والمتدني، وبين رفع كفاءة بيروقراطية الحكومة معتمدة على تزويد المواطنين بفرص عمل ورفع الأجور.

4- الغالبية من الهنود تعتبر الفساد المزمن سببًا رئيسيًّا في تحجيم بلدهم لما له من أثر سلبي على كفاءة الحكومة والأداء الاقتصادي, ومن هنا كان اهتمام الحكومة الجديدة بدعم استقلال السلطة القضائية ومعالجة افتقار المحاكم الهندية إلى التكنولوجيا اللازمة لمراجعة 30 مليون قضية عالقة حسب تقديرات الأمم المتحدة.

5- حررت الهند الاستثمار الداخلي بأن خفضت رسوم تسجيل الشركات بشكل كبير، وتسهيل متطلبات الترخيص، والحديث بشأن رفع أجور عمال القطاع الخاص، وخفض معدل الضريبة على الشركات من 30٪ إلى 25٪، مع تحسين بيئة الأعمال والاستثمار.

6- كان الارتفاع في الإنفاق الحكومي قبل ذلك أحد الأسباب الرئيسية لانعدام التوازن في الاقتصاد، وأدى لارتفاع معدلات التضخم وعجز الميزانية، وهنا تبنت الحكومة الجديدة خارطة طريق لضبط الأوضاع المالية العامة، وكما رفعت الحكومة يدها عن القطاع العام مع تعويض عجز الحكومة السابقة من فائض الإنتاج المحلي.

7- تسعى الحكومة إلى استصدار تشريعات مهمة تتعلق بإصلاحات لأنظمة التأمين، وملكية الأراضي، لتسهيل اجتذاب استثمارات ضخمة لثالث أكبر اقتصاد في آسيا على نحو ممنهج.

8- التسهيلات والوعود والتفاؤل بسياسة جديدة جعلت المستثمرين متفائلين جدًا في الهند بعد انتخابات قوية أسقطت الحزب القديم، ومع وعود بإصلاح الاستثمار الأجنبي وتخفيف الشروط عليه ستجذب للهند مزيدًا من الأموال الأجنبية، وهو ما بدأ والحكومة في انتظار العوائد قريبًا.

علامات

الهند, دولي

المصادر

تحميل المزيد