«إذا أثبتت لقاحات الحمض النووي نجاحها، فهذا هو حقًا مستقبل علم اللقاحات» شهيد جميل، عالم فيروسات بجامعة أشوكا الهندية

من بين عشرات لقاحات «الحمض النووي (DNA)» التي يجري تطويرها في العالم لمكافحة فيروس كوفيد-19، حصل أحد هذه اللقاحات على الموافقة لاستخدامه في الهند، ومن المرجح أن يبدأ التلقيح به بداية الشهر القادم، لكن ردود أفعال الأوساط العلمية تباينت تجاه هذا الحدث ما بين مؤيد ومتشكك. 

فما الجديد الذي يحمله هذا اللقاح؟ ولماذا تتباين ردود الأفعال حوله؟ وهل يوجد ما يميز هذه النوعية من اللقاحات عن غيرها؟ وما الذي يمكن أن تقدمه للبشرية في معركتها ضد فيروس كورونا المستجد وغيره من الفيروسات والأمراض؟ ولماذا قد يصبح هذا المصل مستقبل علم اللقاحات؟

صحة

منذ شهر
هل يمكن أن يصل العلماء للقاح واحد سحري ضد كل متحورات كورونا؟

اللقاح الأول من نوعه.. فعّال ضد متحورات الفيروس!

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية تخضع حاليًا العديد من لقاحات الحمض النووي ضد فيروس كوفيد-19 لتجارب سريرية في مختلف أنحاء العالم. يقع معظم هذه اللقاحات في المراحل البحثية الأولى والثانية كما في كوريا الجنوبية، وإيطاليا، وكندا، واليابان، وغيرها. ومنها ما وصل للمراحل الثانية والثالثة كما في الولايات المتحدة واليابان أيضًا. لكن واحدًا فقط من بين تلك اللقاحات حصل على الضوء الأخضر لاستخدامه في الهند. 

وافقت هيئة تنظيم الأدوية في الهند الشهر الماضي أغسطس (آب) على منح أول لقاح من الحمض النووي (DNA) في العالم ضد فيروس كوفيد-19 موافقة للاستخدام في حالات الطوارئ. اللقاح جرى تطويره وتصنيعه بواسطة شركة الأدوية الهندية «زيدوس كاديلا (Zydus Cadila)»، والتي تقول إنها أجرت أكبر تجربة سريرية للقاح في الهند حتى الآن، شارك فيها 28 ألف متطوعًا في أكثر من 50 مركزًا.

كذلك صرحت الشركة أن المرحلة الثالثة الرئيسة من التجارب السريرية أُجريت في ذروة الموجة الثانية القاتلة من الفيروس. وتعتقد أن هذا يؤكد على فعالية اللقاح ضد السلالات المتحورة، خاصة متحور «دلتا» شديد العدوى. وأضافت الشركة أن هذه هي المرة الأولى أيضًا التي يجري فيها اختبار لقاح ضد فيروس كوفيد-19 على الشباب في الهند؛ إذ شملت الدراسة ألف شخص ينتمون إلى الفئة العمرية 12 – 18 عامًا، وتبين أن الجرعة كانت «آمنة وجيدة التحمل» في هذه الفئة العمرية.

اللقاح الهندي الجديد. المصدر: بي بي سي

ويعمل اللقاح الذي يحمل اسم (ZyCoV-D) – كغيره من اللقاحات الأخرى – على تحفيز جهاز المناعة البشري لمحاربة الفيروس، عن طريق إعطاء تعليمات للجسم لصنع جزء مما يُعرف بـ«البروتين الشائك»، الذي يستخدمه الفيروس لتثبيت نفسه، والدخول إلى الخلايا البشرية؛ وبالتالي تحفيز جهاز المناعة لدى الشخص لإنتاج الأجسام المضادة، وتعليم نفسه محاربة الفيروس.

لكن اللقاح الهندي يختلف في كونه يستخدم البلازميدات، أو الحلقات الصغيرة من الحمض النووي، التي تحتوي على معلومات وراثية، في حمل المعلومات إلى الخلايا لصنع «البروتين الشائك»، في حين تستخدم اللقاحات الأخرى نواقل مختلفة مثل «الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)»، والنواقل الفيروسية؛ ما يجعله ثورة في علم اللقاحات.

ترحيب وتشكيك في اللقاح الجديد.. فلماذا؟

يختلف اللقاح الهندي الجديد كذلك في طريقة إعطائه، وفي عدد الجرعات اللازمة؛ إذ يُعطى عن طريق أداة طبية خالية من الإبر تضمن توصيل اللقاح داخل الجلد بدون ألم. ويعطى على ثلاث جرعات، بفاصل 28 يومًا بين كل جرعة. وتقول الشركة: إن اللقاح منع من ظهور أعراض المرض في حوالي 67٪ ممن جرى تطعيمهم، ومن المحتمل أن يبدأ استخدامه في حملة التطعيمات بالهند الشهر القادم أكتوبر (تشرين الأول). وتخطط الشركة لإنتاج ما يصل إلى 50 مليون جرعة مع حلول أوائل العام المقبل.

ومع أن فعالية اللقاح (67%) ليست عالية مقارنةً باللقاحات الأخرى المستخدمة ضد فيروس كورونا المستجد، إلا أن بعض الباحثين يرون في كونه لقاحً يعتمد على «الحمض النووي (DNA)» حدثًا ثوريا في علم اللقاحات؛ إذ يعد هذا دليلًا على إمكانية فعالية لقاحات الحمض النووي، ومساعدتها لنا في السيطرة على الوباء. 

يقول بيتر ريتشموند، اختصاصي المناعة لدى الأطفال بجامعة أستراليا الغربية: «هذه خطوة متقدمة ومهمة حقًا في مكافحة فيروس كوفيد-19 على مستوى العالم؛ لأنها توضح أن لدينا فئة أخرى من اللقاحات يمكننا استخدامها». ويضيف شهيد جميل، عالم الفيروسات بجامعة أشوكا الهندية: إنه إذا أثبتت لقاحات الحمض النووي نجاحها سيكون هذا حقًا مستقبل علم اللقاحات؛ لأنها أسهل، وأسرع، وأرخص في تصنيعها.

Embed from Getty Images

لكن هناك من يشكك في النتائج التي أعلنتها الشركة حول فعالية اللقاح، خاصةً وأن الشركة لم تقدم حتى الآن بيانات متاحة للجمهور، سواء في هيئة دراسة منشورة، أو تحليل مؤقت. يقول جامي ناجاراج، باحث مستقل وعالم أوبئة في المملكة المتحدة: «قد يكون لقاح (ZyCoV-D) قصة ابتكار رائعة للعلوم الهندية، لكن هذا لا يعني أن يكون محصنًا ضد مطالب الشفافية، ومنح الموافقة بعد الإجراءات القانونية الواجبة، مع إتاحة البيانات للجمهور، في الواقع نحن مجددًا على أعتاب قصة نجاح تتحول إلى وصمة في وجه العلم الهندي».

وتعد هذه المرة الثانية التي تمنح فيها الحكومة الهندية موافقتها على لقاح دون توافر بيانات حول المرحلة الثالثة التجريبية، وذلك بعد موافقتها على لقاح «كوفاكسين» من إنتاج شركة «بهارات بايوتيك» في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ثورة في علم اللقاحات.. مزايا وعيوب لقاحات الحمض النووي

يقول العلماء إن لقاحات الحمض النووي رخيصة نسبيًا، وآمنة، ومستقرة؛ إذ يمكن تخزينها في درجات حرارة أعلى تتراوح بين (-2 : 8) درجة مئوية. وتقول الشركة المصنعة للقاح الجديد إن لقاحها أظهر استقرارًا جيدًا عند 25 درجة مئوية لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، وهذا من شأنه أن يساعد في نقل اللقاح وتخزينه بسهولة.

لكن لقاحات الحمض النووي التي جرى تطويرها ضد الأمراض المعدية لدى البشر قد فشلت في الماضي؛ إذ يسعى العلماء منذ زمن في تطوير لقاحات الحمض النووي ضد عديد من الأمراض مثل السرطان والإيدز، من بينها ما يزال يجري اختباره في تجارب سريرية، فيما حققت التجارب السابقة نجاحًا جيدًا في الحيوانات، ولم تحققه في البشر. 

وتكمن العقبة في ذلك في كيفية دفع بلازميد الحمض النووي إلى داخل الخلية البشرية، بحيث يعطي استجابة مناعية دائمة، وفقًا لعالمة الفيروسات جاجانديب كانج في حوار مع «بي بي سي». ويضيف الدكتور جيريمي كامل، عالم الفيروسات بجامعة لويزيانا: «لقد جُرّبت لقاحات بلازميد الحمض النووي في الماضي. لكننا نعلم أنه من الصعب للغاية إدخال البلازميد في نواة الخلايا البشرية، وخاصةً عند البالغين، علم اللقاحات يتوقف على هذه الكيفية».

Embed from Getty Images

ومن العيوب المحتملة الأخرى، هو كون اللقاح الهندي الجديد يتطلب ثلاث جرعات، بدلًا عن الجرعتين المعتادة في أغلب اللقاحات؛ الأمر الذي قد يصعب الالتزام بها. يقول آرون جوبتا، رئيس مجلس دلهي الطبي: «إنني متشكك للغاية بشأن جدول الجرعات الثلاث، خاصةً في المناطق الريفية حيث لا يدرك الناس أهمية التطعيم كثيرًا. عليك توعية هؤلاء الناس على نحو متكرر، ودفعهم إلى مراكز التطعيم؛ إذ قد لا يكون من السهل إعادتهم لأخذ الجرعة الثانية، ثم الجرعة الثالثة». 

وجدير بالذكر أن الهند أعطت حتى الآن أكثر من 570 مليون جرعة من ثلاثة لقاحات معتمدة مسبقًا، هي: كوفيشيلد، وكوفاكسين، وسبوتنيك-في. وجرى تطعيم حوالي 15.6٪ من البالغين تطعيمًا كاملًا، في حين تلقى أكثر من 52٪ جرعة واحدة على الأقل منذ بداية حملة التطعيمات في يناير الماضي، فهل تصبح الهند رائدة علم اللقاحات الأولى بهذا المصل الجديد؟ أم أن الأمر مجرد «بروباجندا» علمية، سيطويها النسيان بعد قليل؟

صحة

منذ 8 شهور
كيف ترفع قدرة جسمك على الاستجابة للقاح كورونا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد