أحدثت مشاهد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وعودة طالبان إلى الحكم مرة أخرى، انقلابًا في السياسة الدولية؛ إذ اعُتبر ما حدث فشلًا أمريكيًا ذريعًا بعد حرب استمرت لحوالي 20 عامًا، كما أنها أرّخت – بالنسبة للبعض – لنهاية عصر التدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج.

وبينما ما زال العالم يستكشف ملامح السياسة الدولية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان، وعودة طالبان إلى حكم واحدة من أهم بقاع أسيا، ما زالت الهند تقف مشدوهة أمام ما حدث، فهي الدولة التي لم تتوقع يومًا عودة جارتها الشمالية مرة أخرى إلى حكم الجماعة صاحبة التاريخ العدائي مع نيودلهي.

منبع الصدمة الهندية، أنها لم تكن على مدار السنوات السابقة مجرد مُتفرِّج أو مُطّلِع على تطورات الساحة الأفغانية، ولكنها كانت فاعلًا رئيسًا، استثمر سياسيًا واقتصاديًا في البلاد، حتى يضمن فرض نفوذه وقواه الناعمة هناك، وبذلك يحرم عدوه اللدود (باكستان) من حديقته الخلفية في السابق، بل ربما كانت تأمل الهند – في مراحل مستقبلية – استغلال نفوذها في أفغانستان لإطباق حصار سياسي واقتصادي على باكستان. ولكن يبدو أن كل الآمال الهندية قد تبددت بعد مشاهد وصول طالبان إلى كابول في أغسطس (آب) 2021، وبدا أن الهند لم تكن مستعدة للتعامل مع هذا الواقع الجديد، ولم تتوقعه يومًا.

كيف حاولت الهند ترسيخ نفوذها في أفغانستان؟

بدأت العلاقات الرسمية بين الهند وأفغانستان عام 1950 عندما أعطت «معاهدة الصداقة» شكلًا سياسيًا لعلاقتهما «الحضارية» التي كانت ممتدة لسنين سابقة. فأفغانستان – التي كانت قد حصلت على استقلالها عام 1919 – قد لعبت دورًا هامًا في تغذية النضال القومي الهندي، ويعتبر الكثير من المؤرخين أن أفغانستان كانت – في يوم من الأيام – قلعة الأمل بالنسبة للهند المستعمرة آنذاك.

ومنذ بداية العلاقات الرسمية عام 1950، كانت الشراكة على قدم المساواة هي السمة الرئيسة لعلاقة البلدين، ولكن هذه الشراكة قد تبدّدت مع دخول حقبة الثمانينات، حين تعرضت الدولة الأفغانية لسلسلة من الأزمات التي لم تكن هناك عودة منها، بداية من الغزو السوفيتي (1979-1989)، ثم اندلاع الحرب الأهلية (1992-1996)، وأخيرًا وصول طالبان إلى السلطة (1996-2001).

تناقضت الطبيعة الإسلامية لحركة طالبان مع الهند، فتحوّلت الدولتان الشريكتان إلى عدوين لدودين، إذ استضافت طالبان تنظيم القاعدة، وغيرها من التنظيمات الإسلامية، وكذلك أقامت طالبان شراكة وعلاقات وثيقة مع دولة باكستان، لتصطف أفغانستان بشكل رسمي إلى جانب باكستان في حربها الممتدة مع الهند، ثم جاءت الحادثة الشهيرة التي حُفرت في الذاكرة الجماعية للهنود حينما منحت طالبان ممرًا آمنًا لخاطفي طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية عام 1999.

وفي أعقاب إسقاط حكم طالبان عام 2001، دخلت الهند الساحة الأفغانية بهدف جيوسياسي، وهو احتواء باكستان. استثمرت الهند اقتصاديًا في أفغانستان، وحاولت تأسيس قوة ناعمة لها في البلاد، فعلى مدى العقدين الماضيين، بلغ مجموع الاستثمارات الهندية هناك نحو 3 مليار دولار؛ مما جعلها واحدة من أكبر المانحين الإقليميين للبلاد، وبالمقارنة بدولة مثل الصين، نجد أن الأخيرة لديها استثمارات مباشرة متراكمة في أفغانستان بقيمة 630 مليون دولار فقط، بينما استثمر القطاع الهندي الخاص بما يزيد عن 10 مليار دولار.

وقد ركّزت الهند على مشاريع البنية التحتية، ففي عام 2015 افتتح رئيس الوزراء «ناريندرا مودي» مبنى البرلمان الأفغاني الجديد، الذي بنته الهند بتكلفة 90 مليون دولار، واصفًا إياه بأنه تكريم بلاده للديمقراطية في أفغانستان، وفي العام التالي – 2016 – كشف مودي النقاب عن تجديد «قصر ستور» غي كابول، وهو القصر الذي جرى بناؤه في القرن التاسع عشر، وكان موطنًا للملك الأفغاني «أمان الله خان» خلال فترة حكمه في عشرينات القرن الماضي.

وفي نفس العام – 2016 – جرى افتتاح «سد سلمى» أو ما أطُلق عليه «سد الصداقة الأفغانية الهندية»، في مدينة هرات الغربية، وهو الذي أتاح وصول المياه إلى المناطق المحيطة وري آلاف الهكتارات من الأراضي، وفي فبراير (شباط) 2021 وقّعت الهند مع أفغانستان اتفاقية لبناء «سد شحتوت» بالقرب من كابول، والذي كان من المفترض أن يوفر مياه الشرب، والري، والكهرباء، للمناطق المجاورة.

وعلى جانب آخر سعت الهند لتقوية صلاتها بالشعب الأفغاني، وتأسيس قوة ناعمة راسخة هناك، فإلى جانب المساعدات المالية التي كانت تقدمها للشعب الأفغاني، ركّزت جهودها على تشييد المدارس والعيادات الصحية الأساسية وحفر الآبار، وكذلك عملت على توفير المستشارين التقنيين الهنود للمؤسسات الأفغانية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب الأفغان، وكانت الهند أول ما أرسلت جرعات من لقاح كورونا إلى أفانستان، وذلك عندما أرسلت نصف مليون جرعة من لقاح «أسترازينيكا» في فبراير 2021.

Embed from Getty Images

مودي مع أشرف غني عام 2018

ونتيجة لما سبق فقد أظهر استطلاع للرأي قامت به مؤسسة «Gallup» قبل صعود طالبان للحكم لمرة أخرى أن 71% من الأفغان يُفضلون الهنود على الأمريكيين والباكستانيين، وذلك بسبب دورهم الأكثر إيجابية في البلاد، كما أظهر استطلاع للرأي أجرته «BBC» أن الهند هي الدولة الأكثر شعبية بين المواطنين الأفغان.

نهج مرتبك ومخاوف من المستقبل

يمكن القول إنه كان هناك فارق زمني طويل بين اتفاق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع طالبان، والذي مهّد الطريق لخروج القوات الأمريكية من أفغانستان، وانسحاب القوات في نهاية المطاف، وهو فارق كان يسمح للهند بوضع خطة للتعامل مع سيناريوهات كثيرة كانت متوقعة لمستقبل أفغانستان وطالبان.

ولكن الهند بدت مترددة ومرتبكة منذ اللحظات الأولى لاستعادة طالبان لزخمها السياسي (ثم العسكري) في البلاد، وصولًا إلى لحظة استيلائهم على الحكم مُجددًا، حتى أنها قامت – بعد وصول طالبان إلى كابول في 15 أغسطس 2021 – بإخلاء سفارتها هناك، ولم تترك سوى القليل من الدعم على الأرض لمئات الهنود الذين كانوا محاصرين في أفغانستان، ورغم عدم انجرار الهند إلى اتخاذ موقف عدائي مبدئي ضد طالبان، فإنها بدت بلا خطة حقيقية للتعامل مع مستجدات الوضع.

لا شك أن واحدة من أهم مخاوف الهند من صعود طالبان إلى الحكم مرة أخرى هو حرمانها من ثمار استثماراتها الاقتصادية الضخمة في البلاد؛ ما يعني تلاشى جهود العشرين عامًا الماضية، ولكن الأخطر بالنسبة للهند هو استعادة مخاوفها الأمنية، التي كانت السبب الرئيس في بذل تلك الاستثمارات الاقتصادية من الأساس.

تخشى الهند أن يصبح صعود طالبان إلى الحكم مُجددًا بعد 20 عامًا لحظة مُلهمة للجماعات الجهادية، لتصبح أفغانستان – مُجددًا – ملاذًا للجهاديين، وتنشط من جديد الجماعات المسلحة المناهضة للهند مثل «عسكر طيبة» و«جيش محمد»، والتي ربما تجد في أفغانستان – من وجهة نظر الهند – العمق الإستراتيجي الذي تحتاج إليه للتدريب والتسليح، حتى تنجح في شن هجمات ناجحة على الحدود الهندية – الباكستانية.

على جانب آخر فقد خلّفت الولايات المتحدة ورائها معدات عسكرية ضخمة في أفغانستان، لذلك من المتوقع أن يكون هناك انتشار للأسلحة التقليدية الأمريكية في شبه القارة الهندية، حيث ستحل بنادق «M-16» و«M-4» محل بنادق «AK-47» في أفغانستان، وكذلك ستتوفر أجهزة الرؤية الليلية الأمريكية والطائرات التكتيكية بدون طيار، والتي يمكن أن يسبِّب وجودها بالقرب من الهند إزعاج كبير للجيش الهندي، أمّا من المنظور الإستراتيجي، فإن انتصار طالبان ربما يُغيِّر الجغرافيا السياسية في المنطقة، وهو ما قد تتضح معالمه من خلال إلقاء نظرة على ردود أفعال جيران أفغانستان.

فقد صرّح رئيس الوزراء الباكستاني «عمران خان» بأن عودة طالبان إلى السلطة هي أقرب إلى التخلص من «قيود العبودية»، وهو التصريح الذي سلِّط الضوء على العلاقة الوثيقة بين طالبان وباكستان؛ إذ يرى المحللون الهنود أن طالبان ما هي إلا شركة فرعية مملوكة بالكامل لوكالة الاستخبارات الباكستانية، ثم استدلوا على ذلك بسفر رئيس المخابرات الباكستانية «فايز حميد» إلى كابول بعد فترة وجيزة من السيطرة عليها.

على الجانب الآخر، تعمل الصين على استغلال الموقف بالشكل الأمثل، فقد استثمر الصينيون 62 مليار دولار في «الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان (CPEC)»، وهو أكبر مشروع منفرد ضمن مبادرة الحزام والطريق العابرة للحدود، وتأمين هذه الممر يعني تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع أفغانستان، لذلك نجحت الصين في قراءة المستقبل جيدًا، وتوقعت أن طالبان ستعود إلى الواجهة مُجددًا، فنجد وزير الخارجية الصيني «وانغ يي» قد استقبل رسميًا وفدًا من طالبان في يوليو (تموز) 2021.

وفي أعقاب وصول طالبان إلى الحكم، أعلنت الصين أنها ستتعامل مع الحركة، وستوسِّع استثماراتها في أفغانستان، بل تحدثت عن إمكانية توسيع نطاق الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني ليشمل أفغانستان.

تلك التطورات الجيوسياسية تُسبب قلق بالغ لصانع القرار في الهند، فباكستان هي عدوها اللدود الأول، أمّا الصين فهي المنافس الإقليمي الأخطر على الهند سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، وتشكيل أي محور «أفغاني، باكستاني، صيني» سينطوي على مخاطر جيو – سياسية ضخمة على الهند.

هل هناك فرص للتقارب بين الهند وطالبان؟

أشار الخبراء من البداية أن النسخة الجديدة من طالبان في حكم أفغانستان ستكون مختلفة عن نسخة (1996-2001)، وهكذا بدت الأمور إلى الآن، لذلك ليس مستبعدًا أن تتغير ديناميات العلاقة بين الهند وطالبان عن الخبرات التاريخية السابقة.

ففي 26 أغسطس 2021، استعرض وزير الخارجية الهندي «إس جايشانكار»، في البرلمان، تطورات الوضع في أفغانستان، ودار نقاش حول مستقبل سياسات البلاد تجاه حكم طالبان، ومالت معظم الاتجاهات إلى ضرورة التعامل مع الأمر الواقع، وإجراء حوار مع طالبان بسبب المصالح الاقتصادية العميقة للهند في أفغانستان.

وفي السياق ذاته أكّد وزير الخارجية الهندي أن البلاد في حالة ترقب لتطورات الوضع، ولن تتسرع في اتخاذ أي قرار، خاصة أن مصلحة الهند – على المدى الطويل – تتمثل في الحفاظ على صداقة الشعب الأفغاني، ولكن تأمين تلك الصداقة يتطلب التعامل والتعاون مع السلطة الجديدة.

وعلى ذلك جاء أول تواصل رسمي بين الطرفين في 31 أغسطس 2021، حينما التقى سفير الهند في قطر «ديباك ميتال» مع «شير محمد عباس ستانيكزاي» رئيس المكتب السياسي لطالبان في الدوحة، وكان ستانيكزاي قد أكد – في وقتٍ سابق – أن الحركة تريد مواصلة العلاقات السياسية، والاقتصادية، والثقافية بين أفغانستان والهند، ليكون أول مسئول رفيع المستوى في طالبان يتحدث عن هذه القضية.

ثم في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، خرجت تصريحات من وزارة الخارجية الهندية حول استعداد البلاد لتقديم مساعدات إنسانية لأفغانستان، إذ ذكر نائب وزير الخارجية الهندي، «هارش فاردهان شرينجلا»، في حديثه في مؤتمر «India Today Conclave 2021»: «نحن على استعداد لتقديم المساعدات الإنسانية لأفغانستان، فقد كنّا شريكًا بنّاءً في تنمية البلاد قبل أن تتولى طالبان زمام الأمور، واستثمرنا أكثر من 3 مليارات دولار». ثم خرجت أنباء في 19 أكتوبر 2021 عن أن الهند تخطط لإرسال 50 ألف طن متري من القمح والمساعدات الطبية إلى أفغانستان، وسط تكهنات باحتمال وقوع أزمة غذاء هناك خلال هذه الشتاء.

إجمالًا وإضافةً إلى رغبة الهند في الحفاظ على استثمارات 20 عامًا مضت في أفغانستان، فهناك عاملان قد يساهمان في علاقات هندية – أفغانية مستقرة في حدها الأدنى، إن لم تتطور في المستقبل إلى مناحٍ تعاونية:

  1. رغبة الولايات المتحدة في إشراك الهند بشكل مؤثر في أفغانستان، وذلك لمنافسة الدور الصيني المحتمل هناك، وموازنة النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة.
  2. بالنظر إلى تواضع حال الاقتصاد الأفغاني حاليًا، وهو الاقتصاد الذي يعتمد 42.9% من ناتجه المحلي الإجمالي على الإعانات الدولية، ومع الوضع في الاعتبار أن الهند هي خامس أكبر مانح لأفغانستان على مستوى العالم، فقد ترى طالبان – من منظور برجماتي – أنها في حاجة إلى الحفاظ على علاقة مستقرة مع الهند سعيًا لتعزيز الاقتصاد المحلي، وتجنبًا لأية أزمة أو كارثة اقتصادية تُزعزع حكمها للبلاد في شهوره الأولى.

لم تسع الهند – أو هكذا بدت الأمور – إلى التدخل في مجريات العملية السياسية في أفغانستان خلال الأعوام الماضية، وركّزت جهودها هناك على المجالات الإنمائية والمساعدات الإنسانية ومشاريع البنية التحتية، لتصبح بذلك شريكًا غير تدخلي، وربما يكون هذا النمط من الشراكة هو المُفضَّل لطالبان في هذه المرحلة.

المصادر

تحميل المزيد