ما الذي يزعج السياسيين دائمًا في أي مكان في العالم، خصوصًا لو كانوا قوميين أو من ذوي الميول اليمينية؟ كلمة واحدة: الإعلام. ربما كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مثالًا واضحًا على هذا الأمر، وهو الذي كان دائمًا ما يهاجم وسائل الإعلام المنتقدة له أو لا تسير على هواه. لكن هناك أداة إعلامية قوية جدًا ولا ترتبط بوسائل الإعلام التقليدية، اسمها السينما وصناعة الأفلام.

في الولايات المتحدة، توجد هوليوود، عاصمة صناعة السينما العالمية، والتي ظهرت فيها عدة مواقف واضحة ضد التوجهات المتشددة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

بينما في الهند، هناك بوليوود، عاصمة صناعة السينما الهندية، وهناك أيضًا ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند منذ 2014، ذو النزعة القومية المتشددة بوضوح خصوصًا تجاه المسلمين.

فإذا كان ترامب قد ذهب، فإن مودي لم يزل باقيًا. وإذا كانت هوليوود نجحت في الصمود في وجه ترامب، إلا إن المعركة أصعب وأشد على بوليوود، خصوصًا أولئك «الخانات» المسلمين، أو الفنانين المشهورين الذين يحتوي اسمهم على لقب «خان».

لقاء نتنياهو ونجوم بوليوود!

في عام 2018، كانت هناك زيارة مهمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للهند. على هامش هذه الزيارة، كان هناك حدث بعنوان «شالوم بوليوود»، حيث قابل نتنياهو عددًا من نجوم الصف الأول في السينما الهندية من بينهم أميتاب باتشان، ايشواريا راي، أبهيشيك باتشان، والمخرج كاران جوهر.

في ذلك الحدث طلب نتنياهو من النجوم الحاضرين التقاط صورة سيلفي جماعية «حتى يتمكن ملايين الأشخاص من رؤية الصداقة الكبيرة بين البلدين»، على حد تعبيره.

لكن كان لافتًا عدم حضور ثلاثة أسماء بعينهم، أمير خان، وسلمان خان، وشاروخ خان. وبينما شعر أميتاب باتشان وعائلته بالفخر لالتقاط صورة سيلفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، تجنب هؤلاء الخانات الثلاثة الكبار في السينما الهندية حضور الحدث.

بعض وسائل الإعلام انتقدت هذه اللفتة التي وصفت من البعض بـ«الشجاعة والرائعة» كونهم رفضوا مقابلة نتنياهو المتهم بارتكاب جرائم حرب وقتل الأطفال الفلسطينيين، والنساء، والشيوخ، فيما وصف البعض عدم حضور هؤلاء بأنه عمل مناهض للوطن.

لكن هذا الموقف من الخانات الثلاثة كان أكثر من مجرد انعكاس لوجهة نظر ما، بل يتعلق الأمر أيضًا بمناهضة عملية تغول توجهات سياسية بعينها داخل بوليوود. بالتأكيد، شخص بطبيعة ناريندرا مودي لن يعجبه هذا الأمر، وسيسعى بكل الطرق لترويض هؤلاء المشاهير.

ترويض الخانات الثلاثة!

رغم أن الخانات الثلاثة لم يعلقوا على عدم لقائهم برئيس الوزراء الإسرائيلي بشكل صريح؛ إلا إن رفضهم الحضور كان يحمل كل الكلام المطلوب. لكن هذا كان في 2018، ويبدو أن الأمور قد تغيرت الآن. ليس لأنهم غيروا مواقفهم، لكن لأنهم أصبحوا يفضلون الصمت حول العديد من القضايا الداخلية. ما يجعل سؤال: هل استطاع رئيس الوزراء الهندي ترويضهم؟ أمرًا مطروحًا.

شاه روخ خان، الذي كان صريحًا في وقت سابق بشأن التمييز العرقي في الولايات المتحدة، والذي سمح لأحد لاعبي الكريكيت الباكستانيين باللعب في الدوري الهندي الممتاز بعدما ضمه للفريق الذي يملكه، أصبح صامتًا تمامًا الآن. فعلى سبيل المثال، لم يعلق ولم ينطق بكلمة واحدة لدعم جامعته – جامعة «الملة الإسلامية» – التي اقتحمتها قوات الشرطة في ديسمبر «كانون الأول» 2019، وضربت طلابها المتظاهرين، واعتقلوا أكثر من 100 طالب.

هذا الاقتحام الذي جاء ردًا على مسيرة قادها هؤلاء الطلاب إلى مقر البرلمان احتجاجًا على قانون تعديل المواطنة الذي جاء بشكل واضح ضد ملايين المسلمين في البلاد ونجم عنه كثير من الاحتجاجات في أنحاء الهند.

أثار الهجوم على الجامعة جدلًا واسع النطاق وحصل على إدانة دولية، وحثت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحكومة الهندية، بفتح تحقيق حول الهجوم. فيما التزم شاه روخ خان، الصمت التام.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بالهجوم على هذه الجامعة، بل بـ«قانون المواطنة الجديد» الذي يقوم بعملية ترشيح عرقي للهنود، ويتسبب في إعطاء المسلمين حقوق أقل من الأغلبية الهندوسية التي تعيش في الهند. ورغم انتشار المظاهرات في أنحاء الهند، لم يخرج لنا أي من الخانات الثلاثة للتعليق. بل ظهر شاه روخ خان مع أمير خان على صفحة رئيس الوزراء الهندي على «إنستجرام» قبل هذا الحدث بشهرين، في صورة سيلفي حصدت أكثر من ملايين الإعجابات.

كذلك الأمر بالنسبة لأمير خان الذي أعرب بشكل معتدل عن خوف زوجته من تزايد التعصب في الهند، بل وفكر في الخروج من البلاد عام 2015، أي بعد قرابة عام واحد من تولي مودي رئاسة حكومة البلاد عام 2014. في ذلك الوقت، خرج رئيس حزب «بهاراتيا جاناتا»، مانوهار باريكار، والذي كان وقتها وزيرًا، ليقول إن من تحدثوا بهذه الطريقة «يجب أن يتلقوا درسًا».

ليس هذا فحسب، فقد وقعت مشادة لأمير خان مع خلية تكنولوجيا المعلومات التابعة لحزب «بهاراتيا جاناتا» المنتمي له رئيس الوزراء الهندي، على خلفية مطالبتهم شركة «Snapdeal»، عدم اعتماده سفيرًا للعلامة التجارية بسبب تعليقاته وزوجته على مشاكل التعصب في البلاد!

ويبدو أن مثل هذه الأفعال، والتصريحات القوية من الحزب كان لها التأثير المطلوب، إذ فجأة فقدت العديد من الأسماء الكبيرة في الصناعة صوتها، واختاروا التخلي عن حرية التعبير، ولم ينطق أمير خان بأي كلمة اعتراضية ذات طابع سياسي بعدها.

أي فنان معارض مستهدف!

لكن الجميع لم يلتزم الصمت. فقد أظهرت الممثلة الشهيرة ديبيكا بادوكون دعمها لطلاب إحدى الجامعات الذين تعرضوا للاعتداء داخل الحرم الجامعي. وظل كل من أنوراغ كاشياب وريتشا تشادها يصرحان دون مورابة على «تويتر» بآرائهما الليبرالية، حتى أن كاشياب شن هجومًا واضحًا على الحكومة.

لكن، هل هي مصادفة أن ديبيكا بادوكون استدعيت في قضية مخدرات؟ وهل هي مصادفة اتهام أنوراغ كاشياب بالتحرش الجنسي بممثلة اعترفت أنها لم تقابله من قبل؟ وجر اسم ريتشا تشادها إلى نفس القضية.

قد لا تشارك الحكومة أو السياسيون المعينون بشكل مباشر في هذه الأمور، لكن الرسالة واضحة: إذا تحدثت، فسوف تدفع مقابل ذلك. هذا الأمر له تأثير مخيف على الآخرين الذين قد يتبنون آراء معارضة.

هل بوليوود أقل جرأة من هوليوود؟

بدأ بعض الهنود يتساءلون عن نجومهم، أين شاه روخ خان الذي تحمل التعذيب من أجل إيصال صوته كمسلم للرئيس الأمريكي في فيلم «my name is khan؟» وأين سلمان خان الذي كان بطلًا دائمًا في أفلامه مهما كانت شخصيته هندوسية أو مسلمة أو غيرها؟ وأين أمير خان الذي كان يحب تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية منتقدًا العادات القديمة المتوارثة التي تفرق بين الأعراق أو الجنس.

بحسب متابعين، ربما يكون ذلك ناجمًا عن مزيج من عامل الخوف من الإجراءات الحكومية الانتقامية فيما يتعلق بقضايا ضريبة الدخل على سبيل المثال، مع محاولتهم حماية علامتهم التجارية إذا ما قرروا انتقاد رئيس الوزراء أو سياساته علانية.

يتصور الكثيرون أن مجتمع صناعة الأفلام ونجومه ليبراليون، وربما حتى يميلون إلى اليسار. فغالبًا ما يميل المبدعون إلى التفكير الحر بلا قيود، ولا يحبون أن يخبرهم أحد بما يجب عليهم فعله. وقد عكست الأفلام الهندية إلى حد كبير وجهات نظر تقدمية، وهو ما يسبب الإزعاج للسياسيين المحافظين.

الأمر نفسه شاهدناه في هوليوود، حين أدان بعض السياسيين في واشنطن، هوليوود، بشكل دوري بسبب ما وصفوه بالتحيزات.

وفي المقابل، هناك أسماء بارزة في هوليوود تحدثت بصراحة وقوة ضد السياسيين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بدءًا من روبرت دي نيرو إلى ميريل ستريب وجورج كلوني.

ولأن صناعة السينما الهندية لديها عدد قليل جدًا من هذه الأصوات الصريحة الناقدة للسياسيين، مثل أنوراغ كاشياب وبراكاش راج، لذا ليس من المستغرب أن يبحث السياسيون عن طرق لجعل هؤلاء في صفهم.

الحكومة الهندية والسيطرة على بوليوود

يُستهدف العديد من العاملين في صناعة السينما الهندية من قبل الوكالات الحكومية، مثل مديرية الإنفاذ أو القنوات التلفزيونية أو من قبل آخرين داخل بوليوود نفسها. ففي الآونة الأخيرة، أصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه لاستهداف الممثلين والمخرجين الذين تصادف أنهم منشقون ومعارضون لحزب «بهاراتيا جاناتا» القومي المتشدد المنتمي له رئيس الوزراء.

وكما أنشأت الولايات المتحدة في أواخر ثلاثينات القرن العشرين لجنة لاستجواب وملاحقة المتعاطفين مع الشيوعيين في هوليوود؛ مثل تشارلي شابلن وأورسون ويلز، فإن الهند أيضًا، خلال فترة الطوارئ التي شهدتها البلاد في سبعينات القرن العشرين من قبل رئيسة الوزراء أنديرا غاندي، بذلت كل الجهود لجمح عنان الأسماء الشهيرة من صناعة السينما الهندية وتوجيههم نحو تبني قضايا الحكومة.

بعض هؤلاء رفضوا الاستجابة لذلك الأمر مثل كيشور كومار، الذي رفض الغناء بهذه الطريقة، فحُظرت جميع أغانيه على كافة إذاعات الهند. كما حظر فيلم «Kissa Kursi Ka» الذي كان ينتقد تلك السياسة.

على جانب آخر، لطالما كان حزب «بهاراتيا جاناتا» مهتمًا بصناعة السينما، ويحب مودي مقابلة الممثلين وأحيانًا التقاط صور السيلفي معهم. في المقابل كانت بوليوود عمومًا سعيدة بذلك، إذ أجرى الممثل الشهير أكشاي كومار مقابلة مطولة مع رئيس الوزراء قبل الانتخابات، وطرح عليه أسئلة وصفت بالـ«ناعمة».

بوليوود تتحول للقومية

كانت هناك أيضًا طفرة في الأفلام القومية في بوليوود في الأعوام الأخيرة، لكنها كانت أفلام تحمل نسخًا مشوهة عن التاريخ، مما يعكس إعادة رواية التاريخ بشكل مناسب للنزعة القومية وإعادة التحدث عن انتصارات وأساطير الهند. هذا الاتجاه قادته الممثلة كانجانا رانوت، وذلك في مواجهة الأسماء البارزة، بدءًا من كاران جوهر إلى جايا باتشان و«الليبراليين» بشكل عام.

ففي فيلم «Manikarnika»، شخصت رانوت شخصية راني لاكشميباي، الملكة والمحاربة الهندية في القرن التاسع عشر، وظهرت هذه الشخصية مع الكثير من الشعارات المثيرة التي صورتها على أنها رمز هندوسي.

الأمر لا يتعلق فقط بإحكام القبضة على بوليوود، لكن حكومة مودي تريد إحكام قبضتها على منصات الأفلام مثل «نتفلكس» و«أمازون» وإخضاعها لقانون الرقابة، تمامًا كما تحكم قبضتها على مواقع الأخبار، ففكرة أن مئات الملايين من الهنود يشاهدون أفلامًا على هواتفهم وأجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم، ويتعرفون على تاريخ الهند بالطريقة التي ترغب فيها الحكومة، أمر لا يمكن تفويته بالتأكيد!

دولي

منذ سنة واحدة
ماذا يعني أن تكون مسلمًا في الهند التي يحكمها مودي؟

المصادر

تحميل المزيد