علاء الدين السيد
علاء الدين السيد

12,596

الأمثال العربية التي تطلق على الهنود عديدة ومتنوعة، لكن غالبها يحتوي على سخرية واضحة من شعب الهند الذي ينظر لهم العرب كشعب ذي درجة أقل في المستوى والذكاء. أشهر هذه الأمثلة هو ما يقوله العرب «ليه – شايفني هندي؟» في إشارة إلى الاستنكار من ظنك أني شخص غبي، أو يمكن الضحك عليه، واستغفاله.

لكن يبدو أن العرب في الآونة الأخيرة أصبحوا غير قادرين حتى على مواكبة الهند، واكتفوا بالأقوال الساخرة، وتركوا لمن يسخرون منهم الأفعال التي جعلتهم يتفوقون على العرب علميًا واقتصاديًا وعسكريًا.

تعتبر جمهورية الهند الآن واحدة من القوى العظمى الناشئة المحتملة في العالم، وتعزى هذه الإمكانية إلى العديد من المؤشرات، أهمها اتجاهاتها الديموغرافية، والاقتصاد سريع التوسع، وهو ما جعل الناتج المحلي الإجمالي للهند الأسرع نموًا في عام 2015 مع معدل نمو بمقدار 7.3%، وتحتاج البلاد إلى التغلب على العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قبل أن يمكن اعتبارها قوة عظمى بالكامل، لكن هذا لا يعني أنها ليست دولة إقليمية قوية نجحت في التعامل مع إمكاناتها لتصل إلى مكانة عالمية متقدمة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وعلميًا.

أنت مدين إلى الهند

منذ أن تدفقت موجات من الخريجين الهنود إلى وادي السيليكون في شمال ولاية كاليفورنيا الأمريكية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، حقق الهنود الموهوبون إنجازات كبيرة اخترقت الحدود؛ مما جعل الهنود يحتلون مناصب ذات سلطة في عالم التكنولوجيا ووسائل الإعلام. تقريبًا كل شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى لديها رواد تكنولوجيا من أصل هندي، فهل كنت تعلم أن العقل المخترع للـ«يو إس بي» (usb) ولتكنولوجيا التدوين هم من الهنود؟

في شهر فبراير (شباط) 2014، أصبح ساتيا نادلا الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، ليحل محل ستيف بالمر، الذي دفعه على الفور ليصبح في أعلى المراتب لشركات التكنولوجيا في العالم، لكن نادلا ليس بأية حال من الأحوال هو الهندي الأول الذي يصل لهذه المكانة العالية في مجال التكنولوجيا.

من منا لا يستخدم عصا يو إس بي في حياته اليومية؟ من أبرز رواد التكنولوجيا المجهولين أجاي بهات، وهو مهندس أمريكي من أصل هندي في مجال الكمبيوتر، ينسب إليه الفضل في كونه الأب الروحي لهذا الاكتشاف المذهل الذي يستخدمه كل صاحب جهاز كمبيوتر في العالم الآن.

ولد في عام 1957، وتخرج من جامعة مهراجا ساياجيراو بارودا في الهند، ثم ذهب إلى الولايات المتحدة؛ ليحصل على درجة الماجستير من جامعة مدينة نيويورك، قبل انضمامه إلى شركة إنتل في عام 1990. أصبح المهندس الرئيس لمنصة العميل بالشركة، وكان قبلها قد شارك في وضع المعايير الرئيسة التي أنتجت لنا «يو إس بي»، فضلًا عن العديد من المعايير الحاسمة الأخرى في هندسة الكمبيوتر؛ ليتحصل على 31 براءة اختراع في الولايات المتحدة.

الرجل في الفيديو التالي هو بارودا، والذي حولته إنتل إلى نجم دعاية:

لا يقتصر الأمر على هذا فقط، إذا كنت تعمل بأحد حواسيب نظام ويندوز، فهناك احتمال كبير أنك تستخدم أحد معالجات إنتل الشهيرة المعروفة باسم بانتيوم. الأب الروحي وراء اختراع هذا المعالج هو الهندي الأصل، فينود دهام، الذي ولد عام 1950، وتخرج في قسم الهندسة الكهربائية من كلية دلهي للهندسة، ثم انتقل في وقت لاحق إلى الولايات المتحدة وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الكهربائية في جامعة سينسيناتي في عام 1977.

تخصص دهام في مجال إلكترونيات الحالة الصلبة – التكنولوجيا التي تقوم عليها عملية التخزين الموجودة في كل هاتف ذكي وكمبيوتر لوحي، وكذلك العديد من أجهزة الكمبيوتر المحمولة. شارك في اختراع أول تقنية إنتل لذاكرة فلاش، قبل أن يرتفع إلى رتبة نائب رئيس قسم المعالجات الدقيقة.

يذكر أنه كان من بين المنافسين للهندي ناديلا المرشحين لمنصب الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، الهندي سوندر بيتشاي، وهو حاليًا الرجل الذي يشرف على أنظمة أندرويد وكروم والتطبيقات في جوجل. حصل بيشاي على شهادة في التكنولوجيا من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خاراغبور، قبل أن يحصل على درجة الماجستير من كل من: جامعة ستانفورد، وجامعة بنسلفانيا.

عمل بيشاي في شركة تكنولوجيا المواد التطبيقية، وشركة الاستشارات ماكنزي، قبل انضمامه إلى جوجل في عام 2004، وهناك قاد في البداية عمليات تطوير برمجيات الشركة، بما في ذلك متصفح كروم، ونظام تشغيل كروم، ودرايف، وجيميل، والخرائط. كما أعلن عن صيغة فيديو مفتوحة المصدر من جوجل، وهما VP8 وWebM في عام 2010.

خدمة ويب أخرى رائدة نشأت على يد أحد الهنود، خدمة بريد هوتميل، التي أوجدت من قبل أحد مواهب التكنولوجيا الهندية الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في ثمانينات القرن العشرين، صابر باتيا. عمل باتيا لفترة وجيزة لشركة آبل كمهندس أجهزة، قبل الانتقال إلى شركة أنظمة فيريبور، حيث صدمته حقيقة أن برنامج ما كان يمكن الوصول إليه على شبكة الإنترنت من خلال متصفح، والتي ولدت فكرة البريد الإلكتروني في المتصفح.

مترجم: أعظم 8 قوى عالمية في عام 2017

شارك باتيا مع زميله، جاك سميث، في إطلاق هوتميل في عام 1996، والتي أصبحت واحدة من أكبر مزودي خدمات البريد الإلكتروني في العالم، وتم شراؤها من قبل مايكروسوفت في عام 1998. في عام 1999، غادر باتيا مايكروسوفت وأسس شركة للتجارة الإلكترونية، أرزو إنك، قبل البدء في خدمة الرسائل المجانية التي تسمى جاكسترسمز.

المميز في الأمر أن الأسماء المذكورة هنا لا تمثل حالات استثنائية للهنود الذين نجحوا خارج البلاد، كما قد يقارن بعضنا بالعرب المتفوقين في الخارج، لكن هؤلاء مجرد قمم لجيوش كبيرة من الهنود الذي يكتسحون عالم التكنولوجيا بشكل واضح، وهو ما تسبب في تسوُّد عدد منهم قمة عمالقة شركات التكنولوجيا العالمية.

القوة النووية في السلم والحرب

لو تركنا الهنود كأفراد، وذهبنا إلى الهند كدولة: تفوقت الهند على كافة الدول العربية بحصولها على السلاح والتكنولوجيا النووية منذ خمسينات القرن العشرين، بينما لا تمتلك أية دولة عربية التكنولوجيا النووية، سواء على المستوى العسكري أو السلمي.

الطاقة النووية هي رابع أكبر مصدر للكهرباء في الهند بعد مصادر الطاقة الحرارية والكهرومائية والمتجددة. اعتبارًا من عام 2016، تمتلك الهند 22 مفاعلًا نوويًا تعمل في 8 محطات للطاقة النووية، بطاقة إنتاجية تبلغ 6780 ميجاواط، وتنتج ما مجموعه 30.293 ألف جيجاواط ساعة من الكهرباء، في حين أن هناك 6 مفاعلات أخرى قيد الإنشاء، ومن المتوقع أن تولد 4300 ميغاواط إضافية.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2010، وضعت الهند «خطة طموحة للوصول إلى قدرة نووية تبلغ 63 ألف ميغاواط في عام 2032»، ولكن بعد كارثة فوكوشيما النووية في اليابان في عام 2011، «بدأ السكان حول المواقع الهندية الجديدة المقترحة بالقيام بحملات احتجاجية حول كون الطاقة الذرية بديلًا نظيفًا وآمنًا للوقود الأحفوري».

ولاتزال الهند تحرز تقدمًا في مجال الوقود القائم على عنصر الثوريوم، وتعمل على تصميم وتطوير نموذج أولي لمفاعل ذري باستخدام الثوريوم واليورانيوم المنخفض التخصيب، وهو جزء أساسي من برنامج الطاقة النووية، من ثلاث مراحل في الهند، كما أعادت البلاد مؤخرًا البدء في مشاركتها في أنشطة البحوث في مجال الطاقة المتجددة في المناطق الريفية، بالإضافة إلى دعم العمل المنجز في مجال الطاقة الاندماجية من خلال مبادرة «إيتر» أو المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي الذي أسس عام 2007، ويقع مقره في فرنسا بغرض إنتاج الطاقة السلمية من التفاعلات الاندماجية، والتي تشمل خلق ما يشبه شمسًا صغيرة صناعية داخل المفاعل والسيطرة عليها.

الهند هي واحدة من تسع دول فقط حول العالم تملك السلاح النووي لأغراض الحرب. تمتلك الهند ما بين 90 إلى 110 رأس نووي، متفوقة بذلك على إسرائيل التي تملك 80 رأسًا نوويًا.

القوة العسكرية الرابعة

تحتل الهند المركز الرابع ضمن قائمة أقوى جيوش العالم. يبلغ إجمالي عدد الجنود في الخدمة 1.267 مليون جندي، وهو ما يعادل تقريبًا نصف إجمالي جنود الدول العربية كلها، كما تملك الهند احتياطي يبلغ 2.14 مليون جندي.

تملك الهند 4426 دبابة، و6700 عربة حربية، و292 نظام إطلاق صواريخ، كما تملك 2100 طائرة حربية مختلفة تحتل بها المركز الرابع عالميًا، و295 قطعة بحرية حربية تحتل بها المركز السابع عالميًا.

الهند أيضًا تمتلك أكبر رابع ميزانية عسكرية في العالم حاليًا، بقيمة 51 مليار دولار، ولا تتفوق عليها من الدول العربية، سوى المملكة العربية السعودية التي تبلغ ميزانيتها 56.7 مليار دولار أمريكي.

اقتصاد ولاية هندية في حجم دولة عربية

يعتبر اقتصاد الهند هو سادس أكبر اقتصاد في العالم طبقًا لإجمالي الناتج المحلي الاسمي، وثالث أكبر اقتصاد من حيث تعادل القوة الشرائية، ويصنف البلد كبلد صناعي حديث، وأحد الاقتصادات الرئيسة لمجموعة دول العشرين، بمعدل نمو بلغ نحو 7% على مدى العقدين الماضيين.

ولاية ماهاراشترا هي أغنى ولاية هندية، يبلغ إجمالي الناتج المحلي الاسمي لها 330 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل تقريبًا إجمالي الناتج المحلي للإمارات العربية المتحدة، ويمثل 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي في الهند، تليها ولايات تاميل نادو (170 مليار دولار أمريكي ) وأوتار براديش (150 مليار دولار أمريكي).

أصبح اقتصاد الهند أسرع اقتصاد في العالم نموًا، في الربع الأخير من عام 2014، متجاوزًا جمهورية الصين الشعبية. توقعات النمو طويلة الأجل للاقتصاد الهندي إيجابية بسبب سكانها الشباب، وانخفاض نسبة الإعالة، والتطور الصحي، ومعدلات الاستثمار، وزيادة الاندماج في الاقتصاد العالمي.

الاقتصاد الهندي لديه القدرة على أن يصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم في العقد المقبل، ويمكن أن يكون واحدًا من أكبر اقتصادين بحلول منتصف القرن. وتوقعات النمو على المدى القصير جيدة أيضًا كما يرى صندوق النقد الدولي، الاقتصاد الهندي هو «نقطة مضيئة» في المشهد العالمي.

ماذا تعرف عن قصة التفوق الاقتصادي للمهراجا الهندي على التنين الصيني؟

الهند لديها واحدة من أسرع قطاعات الخدمات نموًا في العالم مع معدل نمو سنوي يزيد عن 9% منذ عام 2001، والتي ساهمت في 57% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013.

أصبحت الهند مصدرًا رئيسًا لخدمات تكنولوجيا المعلومات، وخدمات «BPO»، وخدمات البرمجيات بقيمة 167 مليار دولار من صادرات الخدمات في عام 2014، وهو أيضًا الجزء الأسرع نموًا في الاقتصاد الهندي، ولا تزال صناعة تكنولوجيا المعلومات هي صاحبة أكبر عمل في القطاع الخاص في الهند. الهند هي أيضًا ثالث أكبر مركز لبدء التشغيل في العالم مع أكثر من 3100 شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا في الفترة 2014- 2015.

القطاع الزراعي هو أكبر عمل في الاقتصاد الهندي، ولكنه يساهم بنصيب منخفض من الناتج المحلي الإجمالي (17% في عام 2014). وتحتل الهند المرتبة الثانية عالميًا في الإنتاج الزراعي.

وحافظ قطاع الصناعة على حصة ثابتة من مساهمته الاقتصادية (26% من الناتج المحلي الإجمالي). صناعة السيارات المتنقلة الهندية هي واحدة من أكبر الصناعات في العالم، مع إنتاج سنوي يبلغ 21.48 مليون سيارة (معظمها ذات العجلتين والثلاث عجلات). تمتلك الهند 600 مليار دولار من سوق التجزئة في عام 2015، وهي واحدة من أسرع أسواق التجارة الإلكترونية نموًا في العالم.

أما أكبر بورصتين فهما في الهند: وهما بورصة بومباي، وبورصة الأوراق المالية الوطنية في الهند؛ فقد بلغت قيمتها السوقية 1.71 تريليون دولار أمريكي و1.68 تريليون دولار أمريكي على التوالي، اعتبارا من فبراير (شباط) 2015، والتي تحتل المرتبة 11 و12 الأكبر في العالم على التوالي، وفقًا
للاتحاد العالمي للتبادلات
، والهند هي أيضًا هي الموطن لثالث أكبر تجمع لأصحاب المليارات في العالم، مع 111 مليارير في عام 2016، ورابع أكبر عدد من الأسر ذات المستوى العالي جدًا، والتي لديها أكثر من 100 مليون دولار أمريكي.

تعليقات الفيسبوك