قبل نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، كانت جمهورية الهند تحتفل بتنصيب رئيسها الجديد «رام نات كوفند»، والذي استهل خطبته بالحديث عن التنوع الثقافي وقال: «إن قوة الهند تتمثل في تنوعها الثقافي»، ولكن جميع مواطني الهند للأسف لم يفهموا خطبة رئيسهم لأنه كان يتحدث باللغة الهندية، بينما المواطنون الآخرون الذين يتحدثون فقط لغات أخرى غير الهندية والتي يصل عددها إلى 720 لغة لم يفهموا الخطاب.

في عام 2007 انطلقت الحكومة الهندية في مهمَّة شاقة لحصر اللغات الموجودة في جمهورية الهند، بمساعدة أكثر من 3 آلاف متطوع، وبعد أربع سنوات من البحث والاستطلاعات والاستقصاء، أعلنت الحكومة أنه يوجد ما يقرب من 720 لغة في الهند، وأكثر من ألفي لهجة مختلفة، وتم اعتماد 22 لغة محلية، أي لكل ولاية من ولايات الهند تتحدث لغاتها الخاصة بها، على أن تكون اللغة الهندية هي اللغة الرسمية في الجمهورية وتكون الخطابات وكل المعاملات الرسمية باللغة الهندية، وأصبحت المدارس منذ عام 2011 تدرس اللغة الهندية في مدارسها بجانب اللغة المحلية التي تختلف باختلاف الولاية.

لكن كيف لدولة لا يفهم فيها مواطنوها بعضهم البعض أن تظل موحدة؟

في الحقيقة إن تعدد اللغة ليس هو فقط الأمر الذي من المفترض – وفقًا للسائد – أن يقسِّم الهند إلى عدة دول صغيرة، بل تعدد الثقافات والأعراق والأديان التي قد يفرض بعضها ممارسات مخالفة لتعاليم الدين الآخر. الهندوسية والإسلام والسيخية والجينية والبوذية والزرادشتية والبهائية والمسيحية واليهودية جميعها حاضرة على الأرض الهندية، وتعتبر الهند هي مهد أربعة أديان من أكبر الأديان أو العقائد الدينية التي يعتنقها الناس في العالم، وهي الهندوسية والسيخية والبوذية والجينية، كما يوجد في الهند أكبر تجمع للبهائيين والزرادشتيين، فضلًا عن ثاني أكبر تجمع للمسلمين في العالم بعد إندونيسيا.

ورغم هذا يمثل المسلمين 10% فقط من إجمالي سكان الأراضي الهندية وتعدادهم يتعدى 170 مليون مسلم، أما عن المسيحية فـ2.3% من سكان الهند يعتنقون المسيحية، أي حوالي 24 مليون مسيحي، والسيخيون هم 1.9%، و8 ملايين شخص يمثلون 8% يمثلون الديانة البوذية، بالإضافة إلى 4 ملايين شخص فقط يعتنقون الديانة الجينية، والنسبة الأكبر هي للمعتقد الهندوسي حيث يتخطى تعداد الهندوسيين في الهند المليار شخص ويمثلون أكثر من 80% من مجمل سكان الهند.

29 ثقافة مختلفة في بلدٍ واحد

من الناحية الثقافية والسياسية فإن جمهورية الهند مقسمة ثقافيًا وسياسيًا إلى 29 ولاية مُنضمين إلى سبعة أقاليم، وكل ولاية تمتلك عاداتها وتقاليدها وأعيادها وبالطبع لغاتها الرسمية المختلفة. وتملك كل ولاية حكومة خاصة بها – نظام الحكم الذي تتبعه الجمهورية الهندية هو النظام الفيدرالي -، لذلك فإن كل حكومة لها رئيس وزراء يتم انتخابه مباشرة من مواطني الولاية، كذلك فإن مجلس رئاسة المدن والأحياء وحتى القرى يتم انتخابهم مباشرة من المواطنين.

أما عن رئيس الجمهورية وهو المنصب التنفيذي الوحيد الذي ينتخبه البرلمان الهندي، وذلك لأنه منصب شرفي، أما القوى التنفيذية الأكبر فهي في يد رئيس الوزراء الذي يتم انتخابه مباشرة من الشعب. ومن الناحية الجغرافية؛ فما أكثر التنوع والاختلاف الجغرافي في الهند، في الشمال نجد جبال الهمالايا أعلى جبال في العالم، تحدها من الغرب الصحراء القاحلة، وفي الجنوب تجري المياه المالحة في خليج البنغال والمحيط الهندي، ومياه الهند العزباء نهر الغانج الذي ينزل إليه الناس لاعتقادهم أن مياهه تغسل خطاياهم، فضلًا عن نهرين كبيرين هما نهر السند ونهر براهمابوترا.

لماذا لم تتفتت الهند حتى الآن؟

الإجابة على هذا السؤال تتلخص في كلمة واحدة هي «الثقافة الروحانية» لشعب الهند، فالمبادئ الروحانية تجعلك ترى جميع البشر أسوياء، تدفعك لرؤية الناس بمنظور أبعد من العرق واللون والدين والثقافة والانتماء، حتى رؤيتك للمجرمين والمتطرفين في الروحانية مختلف، وكما صرح المعلم الهندي الروحاني الشهير «سري سري رافي شانكر» لـ«ساسة بوست»: «بداخل كل مجرم يوجد ضحية تصرخ وتطلب النجاة، وبداخل كل متطرف جزء طيب، إذا استطعت أن تلمس هذا الجزء فسوف تحول الشخص المتطرف إلى إنسان طيب».

وبجانب الروحانية فإن هناك لغطًا شائعًا بين الكثير من الناس؛ إذ يعتقد الكثير من غير الهنود وحتى بعض الهنود أن الهندوسية دين، على عكس الحقيقة التي توضح أن الهندوسية هي فلسفة روحانية حياتية فقط، فهي بلا كتاب وبلا نبوة.

يتم تعليم الهندوسية لكل طفل ينتمي إلى الهند بالميلاد، فيمكن أن تكون مسيحيًا أو مسلمًا وفي نفس الوقت تتبع الفلسفة الهندوسية، مما يجعل الهندوسية سببًا مهمًا في توحيد منظومة القيم الهندية وترقية حالة الترابط في المجتمع الهندي.

ويساعد نظام الحكم الفيدرالي المُعتمد في الهند على بقاء الهند جمهورية متحدة، لأن الحكم الفيدرالي يسمح لكل ولاية في الهند أن تكوِّن حكومتها الخاصة التي يتم انتخابها مباشرة من شعب الولاية، لذلك لا توجد مساحة للصراع مع الحكومة المركزية على الحكم، ولأن الأيديولوجية السياسية السائدة في الهند هي العلمانية؛ يساعد ذلك على وجود تكافؤ فرص بين جميع من يمارسون السياسة في الهند، لذلك مساحة الخلاف والصراع السياسية قليلة مما يحافظ على الأمة الهندية أمة واحدة رغمًا عن الاختلاف.

التحف المعمارية في الهند ليست تاج محل فقط

كل يوم هناك الآلاف يفدون إلى مدينة أكرا التي تقع في جنوب غرب الهند من أجل التمتع برؤية تحفة الهند المعمارية «تاج محل»، الضريح الذي بناه الإمبراطور الهندي المسلم «شاه جهان» من أجل زوجته الثالثة «أرجمند بانو بجيم»، والتي كان يحبها حبًا شديدًا حتى إنه أطلق عليها اسم «ممتاز محل» والتي تعني جوهرة القصر باللغة الهندية، ولأنها كانت شديدة القرب منه فكانت دائمًا بجانبه في جلساته مع وزرائه وفي سفره وحتى في حملاته، وعندما ماتت قرر بناء هذا الضريح العظيم لتخليد ذكراها.

الهند مليئة بالروائع المعمارية الأخرى التي تتميز بانتمائها لفترات مختلفة من التاريخ، وبالطبع تأثرت بكثير من الحضارات التي نشأت في الهند مثل الحضارة البوذية والهندوسية والإسلامية والمنغولية وحتى تأثرت بعض الآثار المعمارية بالاستعمار البريطاني الذي حكم جمهورية الهند عقودًا.

فإذا ذهبت إلى وادي السند تجد الحضارة البوذية متجسدة في «دير ثيكسي» الذي تم تصميمه بشكل تدريجي من الحجارة على إحدى الهضاب الخضراء ليعطي مظهرًا خلابًا يجمع بين الطبيعة والتاريخ. وفي ولاية البنغال الغربية يوجد «تذكار فيكتوريا» الذي تم افتتاحه عام 1921 تخليدًا لذكرى الملكة فيكتوريا البريطانية، وتم بناء هذا الصرح من الرخام وتصميمه لكي يجمع بين الحضارة العربية والهندية والبريطانية، ويعتبر «تذكار فيكتوريا» من أكبر متاحف الفنون المعمارية الموجودة في الهند ويحتوي بداخله على تحف ولوحات جامعة لكثير من الفنون المعمارية التي تنتمي للحضارات التي نشأت في الهند.

في الشمال يمكنك أن تزور بئر «تشاند باوري» والذي يعتبر أعمق بئر مدرج في العالم، حيث يصل عمقه إلى 3500 درجة إلى أسفل، وتم تصميمه باستخدام حسابات رياضية دقيقة لكي يصل إلى هذا الشكل الفني، والهدف الأساسي من بناء هذا البئر هو وجود مصدر دائم للمياه يستفيد منه أهل القرى المحيطة بالبئر. وفي العاصمة الهندية دلهي؛ تجد تحفة «معبد اللوتس»، الذي تم تصميمه لجذب السائحين من كافة بقاع الأرض، فداخل هذا المعبد سوف تجد مكانًا لكل ديانة معتنقة على الأرض، يمكن لأي شخص أن يمارس ديانته داخل هذا المعبد الذي تم تصميمه ليأخذ شكل زهرة اللوتس.

Embed from Getty Images

دير ثيكسي.

نصب فيكتوريا.

 

 

بئر تشاند بوراي – مصدر الصورة www.chandbaori.org

 

معبد اللوتس.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد