تشكل الهند قوة إقليمية في منطقة جنوب آسيا التي تعد من المناطق شديدة الأهمية على المستوى العالمي، كما تحتل مكانة جيوسياسية هامة كونها تمتلك حدودًا مترامية الأطراف تضعها في الترتيب السابع عالميًا من حيث المساحة بنحو 3.3 ملايين كم2. وتحتل كذلك المركز الثاني عالميًا بعد الصين من حيث عدد السكان، مما يعطي علاقاتها الإقليمية والدولية أهمية خاصة.

وبمرور الوقت اكتسب تواجد الهند أهمية على الساحة الدولية، خاصة بعد التفجيرات النووية التي أجرتها عام 1998، والتي زادت من حدة التوتر مع منافسيها التقليديين؛ باكستان والصين وروسيا.  

ورغم أن اقتصاد الهند يشهد معدل نمو مرتفع نسبي منذ نهاية القرن العشرين، وطفرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وتطوير قدراتها النووية؛ إلا أنها تقع في بيئة أمنية غير مستقرة، وتواجه تهديدات محتملة من جميع الجوانب نظرًا لوقوعها بين قوى نووية هي الصين وروسيا وأخيرًا باكستان.

وعلى وقع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى باريس في 22 أغسطس (أب) الماضي، بدا من الواضح أن فرنسا قد حلت محل روسيا بوصفها صديقًا وشريكُا جديرًا بالثقة للهند في العالم الغربي، بحسب أبارنا باندي مديرة «مبادرة مستقبل الهند وجنوب آسيا» اﻟﺘﺎﺑﻊ لمعهد «هدسون» الأمريكي.  

                                                                   الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء الهند

وكتبت أبارنا مقالًا على موقع «هدسون» أشارت فيه إلى عوامل ارتفاع أسهم فرنسا لدى الهند خلال الفترة الأخيرة، وهو ما ظهر للعلن مؤخرًا في دعم باريس لموقف الهند بعد إعلان الأخيرة قرار الحكم الذاتي في كشمير خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن دعت إليها باكستان بدعم صيني في 17 أغسطس الماضي، وذلك لأول مرة منذ 54 عامًا على آخر جلسة عقدت لمناقشة معضلة الإقليم في العام 1965.

«واشنطن بوست»: إلغاء هذه المادة من دستور الهند وراء العنف في كشمير.. تعرف إليها

هل وجدت الهند في فرنسا شريكًا أوروبيًّا جديدًا؟

خلال فترة الحرب الباردة، اتخذت الهند الاتحاد السوفيتي السابق شريكًا تضمن من خلاله استخدام حق النقض في مجلس الأمن في القضايا التي تهم نيودلهي. وفي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفيتي يتفهم مصالح الأمن القومي للهند، خاصة فيما يتعلق بملف باكستان وكشمير، وقام بتزويد الهند بمساعدات اقتصادية وعسكرية بشكل كبير.

أما اليوم، فقد توجهت روسيا لتوثيق علاقاتها أكثر بالصين ولم تعد تتفهم مخاوف الهند كما كان في السابق، خاصة عندما يتعلق الأمر بباكستان وأفغانستان.

وفي الوقت الذي بدت فيه علاقة الهند متوترة ببريطانيا، وباتت نيودلهي في كثير من الأحيان تشك في فهم لندن للمخاوف الهندية خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل باكستان وكشمير، كانت في حاجة إلى شريك أوروبي جديد.

وهنا يبدو واضحًا أن فرنسا هي التي انتقلت لملء الفراغ الروسي. وعلى مدار العقود القليلة الماضية، أقامت الهند وفرنسا علاقة اقتصادية وأمنية ودبلوماسية عميقة بدأت منذ فترة الحرب الباردة وتعززت في العقدين الماضيين. حتى أصبحت فرنسا أفضل صديق جديد للهند.

لماذا تراجعت العلاقات الهندية الروسية؟

اعتادت الهند وروسيا وصف علاقتهما بـ«الصداقة طويلة الأمد». ولكن في ظل تغير المعادلات في العالم، ربما لم تعد الدولتان تتفاخران بالعلاقات الوثيقة نفسها.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الهندي والرئيس الروسي

فالعلاقة بين الهند وروسيا تعود إلى خمسينيات القرن الماضي. وطوال سنوات الحرب الباردة، كانت الهند تعتمد على روسيا في الحصول على إمداداتها العسكرية، ولكن قربها المتزايد من الولايات المتحدة والدول الغربية خلال السنوات الأخيرة، أثر على علاقاتها بالسلب مع موسكو.

وعلى الجانب الآخر، طورت روسيا علاقاتها مع باكستان، المنافس اللدود للهند. وبينما اتجهت الهند، بشكل متزايد، لشراء الأسلحة من بلدان أخرى مثل فرنسا وإسرائيل، رغم أن معظم عتادها العسكري القديم هو من أصل روسي، وما زالت تعتمد على روسيا في الحصول على قطع الغيار.

من الواضح إذًا أن الهند لا تريد وضع كل البيض في سلة واحدة. وهذا يعني أنه في الوقت الذي تزداد فيه قربًا من الولايات المتحدة، فإنها تحاول موازنة علاقاتها بالحلفاء التقليديين مثل روسيا، والتي بدورها أقامت في الفترة الأخيرة علاقات أوثق مع باكستان، المنافسة للهند.

وعندما يتعلق الأمر بالتأهب الدفاعي، لا يمكن أن تكون هناك تنازلات. فالهند تحدها باكستان والصين، وهما دولتان لها معهما علاقات متوترة. والحال هذه، فإن الهند تبعث أيضًا برسالة مفادها أنها ستبذل ما بوسعها للتأكد من أن استعدادها الدفاعي في محله.

ومن ناحية أخرى، تشعر الهند بالقلق من تزايد التقارب في وجهات النظر بين باكستان وروسيا فيما يتعلق بدور «طالبان» في أفغانستان. وتحاول نيودلهي إخراج موسكو من أي تأثير محتمل لاستراتيجية إسلام أباد في أفغانستان. وترى الهند أن حل المشكلة في أفغانستان يتمثل في إجراء عملية مصالحة سلام وطنية بقيادة حكومة أفغانية دون وجود لأي دور لباكستان أو «طالبان» فيها.

العلاقات الفرنسية الهندية.. فرنسا تبحث عن مجدها الضائع!

طوال العقود السبع الماضية منذ الاستقلال، حافظت الهند وفرنسا على علاقات متينة وبقيت المواقف متطابقة حول العديد من الملفات الإقليمية والعالمية. وبمرور السنوات وجدت الهند الشريك الموثوق به متمثلًا في قصر الإليزيه، وبدأت بتوسيع دائرة علاقاتها الاستراتيجية مع باريس وتم التوقيع على الشراكة الاستراتيجية الهندية الفرنسية عام 1998 لتتطابق المواقف بين البلدين وتعزيز التعاون العسكري والأمني بينهما.

Embed from Getty Images

الرئيسان الهندي والفرنسي

تجدر الإشارة هنا إلى أن فرنسا كانت الدولة الأوروبية الوحيدة من بين دول أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية التي دعمت تحّول الهند نوويا عام 1998 في الوقت الذي فرضت فيه معظم الدول العظمى عقوبات اقتصادية وحرمت الهند من الحصول على التكنولوجيا.

أضف إلى ذلك، مراعاة تغير قواعد اللعبة بعد التقارب الهندي الفرنسي ومحاولة الضغط على الصين لتحجيم دورها والحد من نفوذها الإقليمي والعالمي، من شأنه أن يعطي بعدًا جديدًا للتقارب بين البلدين في المعادلة الجديدة مع انحسار التواجد الأمريكي في العديد من مناطق نفوذها في العالم سابقًا.

ففرنسا من ناحيتها، تريد أن تعيد مجدها الضائع، وتبحث عن شركاء لها في منطقة المحيط الهندي والهادي مثل الهند واليابان لإعادة نفوذها العالمي، وبدورها فإن الهند تواقة لإيجاد مكانتها العالمية. لذا تتجمع عوامل كثيرة تجمع بين البلدين وتجعل من شراكتهما واقعًا يحرص عليه كل منهما.

كما تسعى نيودلهي للاستفادة من النفوذ الفرنسي في أفريقيا عبر منطقة الفرانكوفونية التي من شأنها أن توسع من دائرة النفوذ الهندي المتنامي في القارة الأفريقية. فيما لعبت الهند دورًا هامًا في اتفاقية باريس 2015 حول التغيير المناخي وأطلق البلدان ما يسمى بالتحالف الدولي للطاقة الشمسية.

«فرنسا أفضل شريك للهند في أوروبا»

في شهر مارس (آذار) 2018 أعلن الرئيس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى الهند أن فرنسا «يجب أن تكون أفضل شريك للهند في أوروبا وبوابتها للدخول إلى القارة الأوروبية». وخلال تلك الزيارة سعى ماكرون لعقد «ميثاق قوي» مع الهند، مستفيدًا من خروج بريطانيا، شريكة الهند التاريخية، من الاتحاد الأوروبي عملا بآلية «بريكست».

ووقعت فرنسا والهند اتفاقًا يمنح السفن الهندية منفذًا لوجستيًا إلى القواعد الفرنسية في المحيط الهندي (جيبوتي والإمارات وجزيرة ريونيون)، وهي منطقة يتنامى فيها نفوذ الصين بشكل يقلق نيودلهي.

كما وقع الطرفان عدة عقود تجارية وعسكرية، فقد باعت باريس للهند 36 طائرة من طراز «رافال» وست غواصات من طراز «سكوربين». كما تم توقيع 15 اتفاقية أخرى في مجال صناعة الطائرات والبيئة وتعزيز الشراكة المناخية، وفي مجال السياحة والثقافية والمنشآت مثل مصانع تنقية المياه.  

وتعتبر الهند بسكانها البالغين 1.25 مليار نسمة محط أطماع دول كثيرة للاستفادة من سوقها الهائلة. ورغم أن المبادلات التجارية بين فرنسا والهند لا تزال متواضعة إلى حد ما ولا تتخطى 11 مليار دولار. إلا أن الإليزيه يتوقع تحسنًا، فقد زادت الصادرات الفرنسية إلى الهند بنسبة 30% عام 2017.

في المجال النووي تأمل باريس أيضًا بالتقدم نحو بناء ستة مفاعلات نووية، وهو مشروع «على الطريق الصحيح» بحسب ما أعلن وزير الخارجية جان ايف لودريان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في نيودلهي.

العلاقات الفرنسية الهندية.. تعاون عسكري وأمني

تنعكس الشراكة الفرنسية الهندية على الأرض في مواقف كثيرة تدعم فيها فرنسا سياسة الهند، وخاصة في ملف كشمير، الذي تقف فيه باريس مع نيودلهي على طول الخط، سياسيًّا وعسكريًّا.

فخلال «حرب كارجيل» في إقليم جامو وكشمير عام 1999، كانت مدفعية «البوفور» الهندية التي اشترتها من السويد، تدك معاقل المسلحين بمساندة طائرات «ميراج» الفرنسية التي قصفت بدقة معاقل المسلحين والجنود الباكستانيين على قمم جبال كشمير، مما سرّع في إعادة الاستيلاء عليها من قبل الهند وانتهت حرب كارجيل التي كادت أن تؤدي إلى حرب رابعة بين الهند وباكستان في إقليم كشمير المتنازع عليه بين البلدين.

كذلك حظيت نيودلهي بأهمية استراتيجية لدى خطط وزارة الدفاع الفرنسية عام 2013، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن فرنسا تتمتع بنفوذ في غرب المحيط الهندي امتدادًا من جزر لاريونيون ومايوت إلى أبو ظبي وجيبوتي وبين جزر أندامان ونيكوبار الهندية على المحيط الهندي الشرقي.

وضمن اتفاقيات نقل التكنولوجيا؛ هناك العديد من المشاريع العسكرية المشتركة بينهما منها: غواصات «سكوربين» الحربية وتجميع ست غواصات حربية وتزويدها بصواريخ مضادة للسفن، فيما تقدر قيمة المشروع بحوالي 3 مليار دولار. كذلك  تحديث طائرات «ميغ 2000» بقيمة 3 مليار دولار ومشروع إنتاج صواريخ أرض جو «سبرام» بالإضافة إلى التعاون في مجال الفضاء بين المركز الوطني الفرنسي للفضاء «سنيس» ومنظمة البحوث الفضائية الهندية «اسرو»، فيما تسعى باريس حاليًّا لبيع غواصات نووية للهند.

كما أن التدريبات العسكرية البحرية والجوية تعطي زخمًا جديدًا وبعدًا استراتيجيًّا للدور المنوط الهند في إيجاد توازن في منطقة آسيا باسيفيك.

هل يهدد «استبداد مودي» العلاقات الهندية الفرنسية؟

بيد أنه لا يوجد ثابت في العلاقات الدولية. فالشراكة الفرنسية الهندية التي كانت تأخذ منحى صاعدًا منذ نهايات القرن العشرين، بدأ تصطدم بفساد، تمثل في وجود رشوة في صفقة بيع طائرات «رافال» الفرنسية، واستبداد رئيس الوزراء الهندوسي المتعصب ناريندرا مودي الذي يشوه «القيم الليبرالية الفرنسية» وفقًا لما تراه صحيفة «لوموند».

مراسل «لوموند» في جنوب آسيا، جوليان بويسو، نشر تقريرًا في 21 يونيو (حزيران) الماضي، أورد فيه قلق الأوساط الفرنسية من انحدار الهند «الشريك الموثوق» لفرنسا إلى دائرة الاستبداد منذ تولي حزب «بهاراتيا جاناتا» الهندوسي المتطرف بزعامة ناريندرا مودي إلى سدّة الحكم في عام 2014. غير أن فرنسا اختارت تقديم مصالحها على القيم التي ترفع شعارها.

ويضيف مراسل «لوموند» أن الهند لم تعد ذلك البلد الحليف الموثوق به كما كان الحال في عام 1997، عندما وقعت مع فرنسا شراكة استراتيجية. بسبب اهتزاز القيم التي جمعت بين البلدين مثل: احترام التعددية وحرية التعبير والعلمانية، على الرغم من اختلاف العلمانية الهندية جذريًا عن نظيرتها الفرنسية، بحسب الكاتب، إلا أنه مع وصول مودي إلى السلطة، وقعت الهند في دائرة معسكر «الديمقراطيات غير الليبرالية».

                                                             الرئيسان الهندي والفرنسي، ورئيس وزراء الهند

ويرى التقرير أن «مودي» يحرص على الظهور بمظهر ديمقراطي ولا يتحدث إلا عن السلام والوئام في العالم، وهذا المظهر لا يعبر عن حقيقته، وكلماته المعسولة لا تغسل يده من أفعال مستبدة، ويظهر دائمًا بشكل خادع. فهو وإن كان لا يأمر بإعدام المسلمين، إلا أنه يترك الباب مفتوحًا أمام المتطرفين الهندوس للقيام بهذه الجريمة التي تقع في بعض الحالات بتواطؤ من الشرطة الهندية.

ومنذ استلام مودي السلطة تصاعد التوتر في كشمير، وما كان به يحلمون القوميون الهندوس منذ أكثر من 70 سنة جسده مودي، فقد ألغى وضع الحكم الذاتي لكشمير، ما سمح للمتشددون الهندوس من المضي خطوة أخرى في خطتهم نحو تحويل الهند من دولة متعددة الأديان إلى دولة هندوسية.

ولا تبدو أيديولوجيا حزب «بهاراتيا جاناتا» مواتية للمصالحة المجتمعية، إذ يحكم باسم التفوق العرقي والديني الهندوسي، ويضع نفسه المدافع العظيم عن وحدة الهندوس في مواجهة الإسلام الذي يرون فيه تهديدًا متزايدًا.

على صعيد آخر هزت قضية الرشوة في صفقة بيع طائرات «رافال» إلى الهند العلاقات بين البلدين، فقد كشفت صحيفة «لوموند» في أبريل (نيسان) الماضي، عن وجود تلاعب في صفقة بيع طائرات رافال إلى الهند عام 2015 من خلال إلغاء فرنسا ديونًا ضريبية استهدفت شركة يمتلكها رجل أعمال قريب من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

فقد ألغت فرنسا ديونًا ضريبية قيمتها الإجمالية 143.7 مليون يورو، لصالح مؤسسة فرنسية تمتلكها مجموعة «ريليانس كومينيكايشن»، التي يمتلكها رجل الأعمال الهندي أنيل أمباني. هذه القضية التي تردد صداها في الهند، أخذ الفساد فيها شكلا آخر، إذ أجبرت الحزب الهندي الحاكم على مراجعة صفقة شراء مقاتلات «رافال»، بعدما زاد سعر الطائرة الفرنسية عن ضعف ما كان يعرض على الهند.  

وقالت صحيفة «ميليتري واتش» الهندية إن الطائرات الأوروبية صارت في نهاية المطاف أقل فاعلية وأعلى سعرًا – ثمن الواحدة 210 ملايين يورو – من المقاتلات الروسية، التي عادت تلفت أنظار الحكومة الهندية من جديد.

مستعمراتها السابقة «تتمرد».. لماذا يتراجع حضور اللغة الفرنسية في «سوق اللغات»؟

المصادر

تحميل المزيد