بعد نحو عام من احتراق غابات الأمازون، رئة كوكب الأرض، يبدو السكان الأصليون لمنطقة الأمازون وسائر أمريكا الجنوبية هدفًا مثاليًّا لفيروس كورونا المستجد المسبب لمرض كوفيد-19، بسبب دفاعاتهم غير المستقرة من الأصل ضد الأمراض وإهمال الحكومات لهم قرونًا.

في الماضي، كانت الأوبئة عاملًا أساسيًّا قضى على الشعوب الأصلية، ويُقال إن مرض الجدري هو الذي دمر إمبراطورية الأزتك، وإن أمراض التيفوس والجدري والطاعون الدبلي تسببت في هلاك السكان الأصليين في أعظم إبادة جماعية في التاريخ، وما إن حل وباء كورونا حتى انطلقت التحذيرات والمطالبات بحل عاجل ينقذ ما تبقى من السكان الأصليين، لقد خشي المجتمع العلمي من تكرار هذه المآسي.

وفي يونيو (حزيران) الماضي أُعلنت وفاة الزعيم البرازيلي، باولينيو باياكان، أحد أبرز المدافعين عن غابات الأمازون المطيرة التي تضم قرى المجتمعات الأصلية بفيروس كورونا، وقد رفعت وفاته الستار عن الخطر الجديد الذي يهدد سكان نحو 420 قرية يعيش فيها السكان الأصليون!

لسنا في قارب واحد.. هناك من يسبح

يتجاوز عدد السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية 45 مليون نسمة، وهو ما يمثل 8.3% من عدد سكان المنطقة التي تحظى بأعلى كثافة سكانية أصلية على هذا الكوكب. ووفقًا  للتقرير السنوي للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي لعام 2019، فإن معدلات الفقر بين السكان الأصليين تزيد بنسبة 26% عن غيرهم.

Embed from Getty Images

يعيش السكان الأصليون في قرى منعزلة مكتظة بالسكان لا يكاد يتوفر فيها الحد الأدنى من خدمات الصرف الصحي في مناطق مثل ماناوس في البرازيل، وإيكيتوس في البيرو، وليتيسيا في كولومبيا، ورغم حملات منعهم من الانتقال إلى المراكز الحضرية فهم يتعرضون للعدوى من خلال الأفراد المتنقلين الذين يعملون هناك.

وتشير الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO) إلى إصابة ما لا يقل عن 20 ألفًا من السكان الأصليين في حوض نهر الأمازون الذي يمر عبر البرازيل، وبيرو، وكولومبيا، وبوليفيا، والإكوادور وفنزويلا، وغيانا وسورينام. وفي مناشدتها للحكومات أكدت منظمات أصلية في ولاية هيدالغو المكسيكية: «أننا لسنا جميعًا في القارب نفسه في مواجهة الوباء، إننا في البحر نفسه فقط، لكن البعض يركب يختًا، والبعض يقطعه في قارب، والبعض يرتدي سترات النجاة، وهناك آخرون يسبحون بكل قوتهم».

وتشير بيانات أخرى إلى أن وفيات هذا العام من السكان الأصليين في البرازيل حتى يونيو (حزيران) الماضي فاقت وفيات عام 2019 بخمسة أضعاف، وتصاعدت الاتهامات الموجهة لحكومة أقصى اليمين برئاسة جاير بولسونارو التي لم تتخذ أي إجراء لاحتواء انتشار الفيروس في القرى التي يعيش فيها 750 ألف مواطن، اتهامات بأن الحكومة تقترب من «الإبادة الجماعية» لهذه المجتمعات، وبأن بولسونارو «يستفيد من الوباء» ليمضي قدمًا في مشروعاته التي يتكلف تنفيذها القضاء على مجتمعات أصلية كاملة.

ومع تتابع البيانات التي تكشف عن زيادة أعداد المصابين بالفيروس، كشف بيان منظمة الصحة للبلدان الأمريكية عن «اتجاه مقلق نحو ارتفاع معدل انتقال العدوى في المناطق الحدودية» التي يستوطن فيها السكان الأصليون، وتفتقر إلى البنية التحتية الطبية الجيدة.

فقر في الأرجنتين ورايات بيضاء في جواتيمالا والفيروس يتوغل!

ما يقرب من ثلثي سكان كولومبيا من السكان الأصليين معرضون لخطر الانقراض، وفقًا لبيان المنظمة الوطنية للسكان الأصليين في كولومبيا، وفي منطقة شاسعة ليس لها اتصال بالطرق في بقية البلاد، هناك مستشفى عام واحد بدون عناية مركزة.

وقال أرماندو ووريو، أمين الهيئة الخاصة رفيعة المستوى المعنية بالشعوب العرقية، إن إهمال الدولة من ناحية، والفقر وسوء التغذية من ناحية أخرى، يُضعفون دفاعات السكان عند وصول الفيروس إليهم، والأمراض الكامنة لدى كثيرين منهم تودي بحياتهم بمجرد الإصابة به.

Embed from Getty Images

افتقار الأحياء في الأرجنتين إلى الخدمات الأساسية، مثل مياه الشرب، جعل الفيروس ينتشر انتشارًا أسرع، وهي ظروف تتكرر في العديد من المستوطنات المكتظة بالسكان الأصليين في المدن والضواحي في أمريكا اللاتينية، ومن جانب آخر فقد ترك حظر التجول والقيود الداخلية على الحركة أثره في عديد من مجتمعات السكان الأصليين؛ إذ أصبحت غير قادرة على التجارة بأعمالهم الزراعية أو الحرفية.

فعلى سبيل المثال يوجد في البيرو أكثر من 4 ملايين شخص يتحدثون بغير الإسبانية، ورغم جهود ترجمة المنشورات التوعوية والصحية، فإن هناك مشكلة أخرى تتسبب في قلة الوعي لديهم؛ فعديد من هذه المجتمعات لا يتوفر لها الإنترنت ولا الكهرباء.

وفي جواتيمالا ترفرف الرايات البيضاء فوق عديد من المنازل في المجتمعات الريفية، وهي طريقة تشير إلى طلب المساعدة لمواجهة نقص الموارد الناتج من التمييز ضد السكان الأصليين في إجراءات الحكومة لمعالجة الوباء، ويقول زعيم المايا بأسى: «كان هناك بالفعل وباء من التخلي عن السكان الأصليين».

يعرفون ما يجب فعله ولكن.. أين الحكومات؟

بعد شهور ومع انتهاء الموجة الأولى يلاحظ المتخصصون أن السكان الأصليين في كندا استطاعوا التعامل بشكل مثالي مع الوباء، فكانت العدوى أقل بنسبة أربعة مرات، وقلَّ معدل الوفيات بنسبة ثلاث مرات وبلغت نسبة التعافي 30%، وفقًا لمقال نُشر في المجلة العلمية «Canadian Medical Association Journal».

فالتعلم من الماضي كان الاستراتيجية الأولى هناك. فالمنطقة التي عانت من موجات مختلفة من الأمراض المعدية منذ وصول الأوروبيين قبل أكثر من 500 عام، كان آخرها إنفلونزا الخنازير (H1N1) عام 2009، ما تزال تذكر ما يجب عليها فعله.

أُغلقت حدود المجتمعات بحيث لم يتمكن أحد من الدخول ولا المغادرة، حتى السكان الذين كانوا قد اضطروا للسفر للدراسة أو العمل لم يُسمح لهم بالعودة. وبحسم طُبِّق هذا القرار، فهم يعلمون ما سيجره دخول الفيروس من عواقب وخيمة في مجتمع يفتقد لأدنى درجات الرعاية الصحية، وكما يشير ريتشاردسون، فقد بدا أسلوبًا عدوانيًّا ولكنه ضروري؛ فالحصول على مياه الشرب نادر جدًّا، وهم بعيدون كثيرًا عن المراكز الصحية.

ومع البروتوكولات الخاصة بهم قدمت لهم الحكومة مساعدات مالية وأمدتهم بالأجهزة والأدوية والاختبارات، وكان الاتصال والحوار بين الدولة والسكان المحليين ناجحًا؛ إذ عرف السكان كيف يطلبون ما يحتاجون إليه، واحترمت الحكومة قراراتهم، ووافتهم بهذه الاحتياجات.

Embed from Getty Images

الرئيس البرازيلي

ويمكن القول بأن المجتمعات المحلية تعرف ما يجب فعله، وتمكنت في كندا من تخفيف الضرر، إلا أن شيئًا ما في أمريكا الجنوبية أوقفها؛ تقاعس الحكومات. فهذه المناطق كانت الأكثر حرمانًا في هذا الوباء، وتفاقمت الإصابة بالعدوى بسبب وجود أمراض أخرى مثل حمى الضنك والملاريا، وأمراض الجهاز التنفسي.

في كندا التزمت الحكومة بتقديم الخدمات لجميع مواطنيها بالجودة نفسها، ومع بدء الموجة الثانية لا يبدو أن الوضع يمكن أن يتحسن في دول أمريكا الجنوبية، ففي البرازيل يتزايد القلق من اختراق فيروس كورونا أعماق غابات الأمازون المطيرة ليهدد القبائل المعزولة هناك.

وقد حكمت المحكمة العليا في البرازيل بالإجماع لصالح مطالب الشعوب الأصلية بإجبار الحكومة على حمايتها، وهي قضية عد السكان مجرد النظر فيها انتصارًا لهم حتى قبل الحكم فيها؛ إذ كانت أول قضية ينظر فيها دون الحاجة إلى وسطاء، مثل وكالة شؤون السكان الأصليين، وبعد الحكم قال المحامي الأساسي في القضية،  لويز إلوي تيرينا: «إنه انتصار تاريخي ومهم للغاية بالنسبة لنا نحن الشعوب الأصلية»، غير أن ابتهاج السكان خفت قليلًا؛ إذ لم تتخذ الحكومة إجراءات فورية، ولم تحدد المحكمة جدولًا زمنيًّا لتنفيذ المطالب.

وما تزال الإجراءات في دول أمريكا اللاتينية بشكل عام قليلة، والموارد محدودة، والحاجز الثقافي يحول دون الوصول إلى المعلومات، ولا أحد لديه إجابة واضحة حول ما يمكن أن يحدث للسكان الأصليين، وهل من الممكن أن يتسبب فيروس كورونا المستجد في إبادتهم؟

علوم

منذ 6 شهور
غابات الأمازون.. من هنا قد يأتي الوباء القادم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد