ميرفت عوف 18
ميرفت عوف 18

عبر سنوات طويلة تمكنت الحكومة الإندونيسية من تحقيق نجاح في التصدي للجماعات المسلحة التي تسببت في الكثير من الهجمات داخل أراضيها، لكنها بعد سنوات طويلة، وبعد إقرارها قانون مكافحة الإرهاب، وتسخيرها لإمكانات ضخمة عسكرية وأمنية لمواجهة الإهارب، يبدو أن الحكومة الإندونيسية أمام تحدٍ كبير.

فقد عادت بقوة جماعات مرتبطة بـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» تضرب كنائسها، ومراكز الشرطة فيها، وتوقع عشرات الضحايا؛ لتظهر تفاصيل هذه الهجمات أن أسرًا إندونيسية بنسائها وأطفالها ترتكب هذه الهجمات الانتحارية بقناعة كبيرة.

إندونيسيا.. «داعش» يتغلل بهجمات منظمة

في الثالث عشر من مايو (أيار) الحالي، أقدمت أسرة إندونيسية كاملة على تنفيذ عدة هجمات انتحارية استهدفت ثلاث كنائس في مدينة «سورابايا» بشكل متزامن ومنسق؛ فقد اختار شقيقان، في عمر 16 و18 عامًا، من تلك العائلة – التي كانت بين مئات الإندونيسيين الذين عادوا من سوريا – تفجير أنفسهما في كنيسة «سانتا ماريا» الكاثوليكية الساعة السابعة والنصف صباحًا بالتوقيت المحلي؛ حيث يجتمع فوج من المصلين المسيحيين يوم الأحد لأداء الصلاة.

بينما قامت الزوجة «بوجي كوسواتي»، وابنتاها عمر 9 سنوات و12 سنة، بتفجير أنفسهن قرب كنيسة «ديبونيغرو» بأحزمة ناسفة، أما الأب الذي عرف باسم «ديتا أوبريارتو» فقد قام مع ثلاثة آخرين من أبنائه بتفجير مرآب سيارات تابع لكنيسة «بنتيكوستال»، هذه التفجيرات التي تسببت في مقتل 11 شخصًا على الأقل خلال 10 دقائق هي الأعنف في إندونيسيا منذ عام 2005، وقد تبناها تنظيم (داعش).

بعد يوم واحد من الحادث السابق، وقبل أن تلملم مدينة سورابايا جراحها، قامت أسرة إندونيسية أخرى مؤلفة من خمسة أفراد بتنفيذ هجوم انتحاري مستخدمة دراجات نارية ضد مركز للشرطة في المدينة التي تعد ثاني أكبر المدن الإندونيسية، الأطفال مرة أخرى شاركوا في هذا الهجوم، فكانت فتاة صغيرة ضمن المهاجمين، كما شهد يوم 16 من هذا الشهر هجومًا بالسيوف على مركز شرطة في إقليم «رياو» الإندونيسي، وتمكن المهاجمون الذين قتل أربعة منهم من قتل شرطي وإصابة اثنين.

هذه الهجمات التي تبعث برسالة قوية إلى السلطات الإندونيسية بأن الجماعات الجماعات المرتبطة بالتنظيم لا تزال قادرة على الضرب بقوة، تزامنت مع أعمال شغب وقعت في سجن مدينة «ديبوك» في جاوا الغربية، حيث تمرد عناصر من جماعة «أنصار دولة الخلافة» في السجن على خدمات السجن وسوء المعاملة، وأسفرت الاشتباكات عن قتل خمسة من ضباط الشرطة على يد السجناء.

وتظهر هذه الهجمات أن النساء اللواتي أصبحن خلال السنوات الماضية ذوات نشاط واضح ضمن خلايا (داعش) بإندونيسيا، قد جررن أطفالهن للمشاركة في العمليات الانتحارية التي يتبناها التنظيم، لتشكل الأسرة الإندونيسية محركًا أساسيًا في الطريقة الجديدة التي يعمل التنظيم على تعزيزها في دول جنوب شرقي آسيا، وبالذات في إندونيسيا ذات الغالبية المسلمة، وهو ما يطلق عليه البعض «الإرهاب الأُسري».

 ويرجع المراقبون استخدام المرأة من قبل التنظيم لقناعته بأن استخدام الأسرة يسمح بتجاوز عقبات، كالرقابة المشددة على الأفراد المحتمل ارتكابهم عمليات عنف؛ إذ من الصعب اختراق أسر بكاملها من قبل العاملين في مؤسسات مكافحة للإرهاب، فتلك الأسرة سيسهل عليها استخدام سياراتها ودرجاتها النارية كأسلحة في هجمات ما.

بفضل التنظيمات المحلية.. «داعش» يتغلل بسهولة

هناك خلايا لتنظيم الدولة الإسلامية في كل إقليم تقريبًا لكنها خلايا نائمة، هذه الخلايا يمكن أن تنضم بسهولة إلى خلايا متطرفة أخرى * قائد الجيش الإندونيسي الجنرال جاتوت نورمانتيو

عانت إندونيسيا من الجماعات الدينية المسلحة التي أوقعت فيها أسوأ الهجمات في العام 2002، وتسببت في قتل 202 شخص، غالبيتهم من الأجانب، لكن بعد سنوات من نجاحها في التصدي لهذه الهجمات والقائمين عليها، ساهم صعود تنظيم (داعش) في دول الشرق الأوسط بانتعاش آمال الجماعات الجهادية في إندونيسيا من جديد، وتوجهت نحو تصعيد هجماتها، فكان أول ظهور للتنظيم في يناير (كانون الثاني) 2016، عندما قام بسلسلة تفجيرات، وإطلاق نار أدت لمقتل أربعة مدنيين في العاصمة جاكرتا؛ إذ أتى معظم الدعم للتنظيم داخل إندونيسيا من التنظيمات الجهادية الموجودة سابقًا.

وتؤكد مصادر آسيوية أن جنوب شرقي آسيا، والجزء الشرقي من الفلبين التي يوجد بها أكثر من 30 منظمة متطرفة أعلنت مبايعتها للتنظيم، وباتت نقاط انطلاق للتنظيم الذي يهدف لتأسيس دولة خلافة له بعد سعيه إلى إيجاد ملاذات جديدة في تلك الدول التي عاد إليها عناصر آسيوية من مناطق الصراع الأساسية.

وقد تحولت أهداف الهجمات نحو النيل من أهداف إندونيسيةـ كمراكز الشرطة والأقليات الدينية، بعد أن كانت تستهدف الأجانب على الأراضي الإندونيسية، ويعتقد خبراء أمنيون أن إندونيسيا، تلك الدولة التي تقع في جنوب شرق آسيا، معرضة لانتشار تنظيم (داعش) أكثر، بعد خسارة التنظيم لأراضيه في سوريا والعراق، وهي الأراضي التي سافر إليها العديد من المتعاطفين مع التنظيم للانضمام لعناصره.

من هي جماعة «أنصار الدولة»؟

تعتبر جماعة «أنصار الدولة»، التي تأسست عام 2015، واجهة نشاط «داعش» في إندونيسيا؛ إذ يستخدم اسم الجماعة بشكل عام للدلالة على أي مؤيد لداعش في إندونيسيا، ولذلك يعتبرها المراقبون مظلة أكثر منها مجموعة متماسكة، حيث لا معلومات متوافرة عن الهيكلية التنظيمية للجماعة ومدى ارتباطها بداعش.

اعتقال متطرفين اندونيسيين (المصدر: رويتزر)

وتتألف جماعة «أنصار الدولة» من نحو 24 مجموعة بايعت (داعش)، ويتزعم هذه الجماعة – التي صنفتها وزارة الخارجية الأمريكية كجماعة إرهابية، الإندونيسي «أمان عبد الرحمن»، الذي يقبع في السجن بتهمة بتنفيذ اعتداء جاكرتا؛ إذ حكم عليه بالسجن سبع سنوات في قضية حيازة مواد متفجرة عام 2005، وقبلها بعام اعتقل بعد انفجار عبوة ناسفة في منزله، ثم في عام 2009 حكم عليه بالسجن تسع سنوات بعد إدانته بتمويل وتدريب «مجموعات إرهابية» في إقليم آتشي، ويعتبر عبد الرحمن الزعيم الفعلي لأنصار الدولة الاسلامية في إندونيسيا، و هو المسؤول الرئيس عن نشر دعاية (داعش) في إندونيسيا.

ويعتقد أن عناصر أنصار الدولة قادرون على تصنيع المتفجرات بشكل جيد؛ لأن قائد الجماعة السابق، بحر النعيم، كان خبيرا في تصنيع العبوات الناسفة، وقد درب بشكل جيد أتباعه على تصنيع المتفجرات. ويرى المراقبون أن هناك فرقًا بين «الجماعة الإسلامية» التي تمثل فرع تنظيم «القاعدة» في جنوب شرق آسيا، وجماعة «أنصار الدولة».

 ويوضح الأكاديمي في جامعة إندونيسيا والخبير في شؤون الإرهاب «رضوان حبيب» أن «الجماعتين تجمعهما الكثير من الأفكار والقناعات، لكنهما يختلفان حول طبيعة الأهداف التي يجب أن يهاجموها؛ ففي حين ترى الجماعة الإسلامية أنها يجب أن تحصر هجماتها ضد غير المسلمين والمسؤولين الأجانب؛ لأن الاعتداء على المسلمين لا يجوز شرعًا، يرى أنصار الدولة أن المسؤولين الحكوميين أهداف مشروعة، خاصة رجال الشرطة».

«داعش» و «الإرهاب الأُسري» بإندونيسيا

في سبتمبر (أيلول) الماضي، كشفت وكالة «رويترز» عن دور تؤديه مدرسة إندونيسية في تغيير قناعات بعض الأطفال ودفعهم نحو تأييد (داعش)، وتناول تحقيق خاص حول المدرسة التي عرفت باسم «ابن مسعود» حكاية الطفل الإندونيسي حتف سيف الرسول ذي الحادية عشر من العمر، والذي ترك مدرسته والتحق بالقتال إلى جانب (داعش) في سوريا عام 2015.

الصبي الإندونيسي حتف سيف الرسول ( المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

لم تكن القضية خاصة بهذا الطفل فقط؛ فوالده المسجون في إندونيسيا بسبب نشاطه المتطرف كان «موافقًا وفخورًا» بما فعله ابنه، وبما تعرض له داخل المدرسة التي قال إنه يديرها «رفاق يشاركوننا عقيدتنا»، فكتب عن ابنه يقول: «حتف أصبح يستطيع فك جميع أجزاء البندقية في 32 ثانية فقط»، وحين قتل ابنه وصفه بـ«المجاهد الصغير البشوش»، وقال سيف الأنام لـ«رويترز» : «لا أشعر بالحزن أو الفقدان باستثناء حزن محدود كأب رحل عنه ابنه الحبيب، بل إنني شعرت بالفرح؛ لأن ابني نال الشهادة إن شاء الله».

ولم تكن حكاية هذا الطفل ووالده ومدرسته الوحيدة التي تدل على مدى تغلل التنظيم في المجتمع الإندونيسي؛ إذ إن منطقة جنوب شرق آسيا كلية أصبحت الوجهة المنطقية التالية التي يريد التنظيم التوسع بها، وهي بيئة فيها الكثير ممن سبق وتعاطف مع الجماعات الجهادية، فالإندونيسيون الذين تمكن التنظيم من توظيفهم لخدمته في القتال بدول الشرق الأوسط قادرون على تنفيذ مصالح التنظيم داخل دول جنوب شرق آسيا، حيث أصبحت السجون الإندونيسية مكتظة بالمتعاطفين مع فكر التنظيم.

وبالتوازي مع جهود (داعش) في إندونيسيا تعمل الحكومة على تعزيز قوات مكافحة الإرهاب، فتكثف من مراقبتها لشبكات التنظيم بغية درء هجماته، وتدرك الحكومة الإندونيسية وجود خطر شديد من المتشددين العائدين من الشرق الأوسط، فهؤلاء امتلكوا خبرة بالقتال، ومن السهل نشر ما تعلموه داخل الأراضي الإندونيسية.

وكما أسلفنا فإن ما يميز تعامل التنظيم مع الإندونيسيين أنه تمكن من إقناع عائلات بأكملها بنهجه، سواء في تنفيذ العمليات الانتحارية، أو في التجنيد وإقناع هذه العائلات بالسفر من إندونيسيا إلى مناطق التنظيم في الشرق الأوسط، إذ تروى إحدى الإندونيسيات التي تواجدت في مخيم «عين عيسى» الواقع شمال الرقة بعد تحرير المدينة من التنظيم أنه تم خداعها عبر الإنترنت من قبل عناصر التنظيم الذين دفعوها نحو السفر لمناطقه في سوريا مع عائلتها، فحين وصلت «ليفا» لم تتلق حتى ثمن التذكرة كما وعدت، ولم يحصل أحد من عائلتها على وظائف برواتب عالية.

أما «نور» التي تبلغ التاسعة عشر من العمر، ووصلت سوريا مع عائلتها أيضًا، فقالت: «إن التنظيم سجن والدها وشقيقها، ولم يتحقق حلمهم بحياة أفضل كما وعدها التنظيم»، وأضافت: «حين وصلنا إلى مناطق (داعش) تبين أن كل شيء مختلف عما قرأناه عبر الإنترنت، كلها مجرد أكاذيب»، كما عانت الفتاة من ملاحقة عناصر التنظيم للزواج منها، فقالت: إنها رفضتهم لأنهم «جميعهم مطلقون، يتزوجون لأسبوعين أو شهرين».