تلقى أشخاص بالغون في الصين عام 2019 لأول مرة على مستوى العالم علاجًا تجريبيًا لأمراض القلب، واعتمدت التجربة على علاج يدعى «الحقن بالخلايا الجذعية»؛ الأمر الذي أصبح منتشرًا في عدة أماكن حول العالم، لكنه لم يزل يثير الكثير من اللغط والنقاشات، خاصة في الوسط العلمي. 

بدوره أفاد الجراح الذي أجرى بالعملية أن الرجلين تعافيا تمامًا بعد عامٍ من إجراء التجربة، إلا أن دورية ناتشر (Nature) قالت إن الوقت لم يحن بعد لإجراء مثل هذه التجارب، وذكرت على لسان تشارلز مـوري، اختصاصي علم الأمراض بجامعة واشنطن الذي عبر عن دهشته عن إجراء مثل تلك التجارب: «لكي تتحقق هذه التجارب على النحو الصحيح، يتطلب الأمر بذل الكثير من الوقت والجهد». 

في المقابل صرح وانج جاشيان – الذي يعمل على توفير علاج لعضلة القلب يُحقن في المرضى – أنه يعتزم نشر نتائج الجراحة للتأكيد على فاعلية وإمكانية تطبيق ذلك العلاج الجديد – الذي لم يمر بتجارب سريرية بعد – وصلاحيته للتطبيق على البشر، وبعيدًا عن تجربة جاشيان يَعِد العلاج بالخلايا الجذعية بإحداث طفرة في مجال العلاج للعديد من الأمراض، ولكي نستطيع التحدث عن هذا العلاج، دعونا أولًا نتعرف على هذه الخلايا.

«سوبر خلايا».. ما الفرق بين الخلايا الجذعية وأي نوع آخر من الخلايا؟

يتكون جسم الإنسان من 30 إلى 40 تريليون خلية، والتي تنشأ من بويضة واحدة مخصبة، تتحول فيما بعد إلى خلايا متخصصة لأداء أمر محدد «مثل الخلايا العصبية، وخلايا الدم، والخلايا العضلية، وخلايا الجلد… إلخ»، وبينما تُعرف هذه الخلايا على أنها منوطة بالقيام بدور محدد، ولا يمكنها التبدل أو التحول إلى خلية من نوع آخر؛ تأتي الخلايا الجذعية التي تعد «سوبر» أو «فائقة» لقدرتها على التحول من كونها «خلايا خام» إلى العديد من الأنواع الأخرى من الخلايا. 

Embed from Getty Images

عرض الخلايا الجذعية على شاشة كمبيوتر

وفي إطار دراسة الخلايا الجذعية؛ صنف العلماء الخلية الأم التي تنشأ منها باقي جميع أنواع الخلايا على أنها أحد أنواع الخلايا الجذعية، إلا أن هناك نوعًا آخر، إذ تبين أن في كل نسيج من أعضائنا توجد خلايا جذعية تعمل على تجديد الخلايا. 

فمثلًا عندما نُصاب بجرح في الجلد، تعمل خلايا الجلد الجذعية على تجديد نفسها ليندمل الجرح ويلتئم من تلقاء نفسه، وهكذا مع باقي خلايا الجسم التي تعمل الخلايا الجذعية على تجديدها باستمرار، وهو ما تمتاز به هذه الخلايا «السوبر» عن باقي الخلايا التي لا تستطيع تجديد نفسها. 

وتأتي أهميتها من وظيفتها، وهي تجديد الخلايا، أو بكلمات أخرى إصلاح الخلايا التالفة – كما هو الحال في حالة جروح الجلد كما ذكرنا – وهو ما جعل العلماء يطمحون لاستخدام الخلايا الجذعية في برامج العلاج التي لديها تطبيقات كثيرة، وهو ما يعد بثورة في العلوم الطبية ودراسة الأمراض وإيجاد طرق جذرية لعلاجها بتلك الخلايا. 

ومن أين تأتي هذه الخلايا؟

بمرور الوقت واستمرار الأبحاث، اكتشف العلماء أن هناك مصدرين أساسيين لهذه الخلايا؛ الخلايا الجذعية الجنينية، والتي تأتي من الأجنة التي عمرها من ثلاثة إلى خمسة أيام، والموجودة بنسب مرتفعة جدًا لديهم، والخلايا الجذعية البالغة التي توجد بأعداد صغيرة في أنسجة البالغين. 

أما الخلايا الجنينية فتُؤخذ من الأجنة التي يتبرع بها أزواج بعد قرارهم إنهاء الحمل لاحتمالية المولد بمرض مزمن أو تشوه خلقي، كذلك يحصل العلماء على الخلايا الجذعية الجنينية من النطف التي تؤخذ لتنمو في المختبرات، وهو ما يثير جدلًا أخلاقيًا واسعًا؛ لوقوع ضرر بالغ؛ ألا وهو إنهاء حياة ذلك الجنين، وهو ما قد يعتبره البعض أخلاقيًا جريمة قتل. 

من أجل ذلك اتجهت الكثير من الأبحاث إلى النوع الثاني من الخلايا، ألا وهي الخلايا المستمدة من أنسجة البالغين، وهي الخلايا الناضجة التي تعمل مصنع للخلايا يعمل على الاستبدال بالخلايا القديمة خلايا جديدة تحافظ على كفاءة أعضاء جسم الإنسان تلقائيًا، وتساعد في نمو الإنسان على مدار حياته، والتي تنتشر في الكثير من أنسجة جسم الإنسان، مثل خلايا الدم، والدماغ، والقلب الجذعية، ولكن بأعداد قليلة ليست مثل الخلايا الجنينية.

وبالعودة للنوع الأول من الخلايا، فإن الخلايا الجنينية تتسم بأنها «متعددة القدرات»، في حين أن الخلايا الجذعية البالغة متخصصة وغير صالحة للعمل في أي مكان في جسم الإنسان، فمثلًا لا تستطيع الخلايا الخاصة بالقلب أن تعمل لإعادة تجديد خلايا الدماغ، أو أي من أعضاء الجسم الأخرى. 

وبسبب البعد الأخلاقي الذي يمنع استخدام الخلايا الجنينية، عمل الباحثون على نوع من الخلايا يدعى «iPS – أو الخلايا الجذعية المحفَزَة»؛ وهي خلايا عادية – غير جذعية – تُؤخذ من البالغين، وتتحول إلى خلايا جذعية متعددة القدرات – مثل الخلايا الجنينية – عبر تحفيزها، وهو ما بشّر بثورة في عالم العلاج بالخلايا الجذعية، فما قصة هذه الخلايا المحفزة؟

ثورة في عالم الطب التجديدي.. «جائزة نوبل تذهب إلى مبتكر الخلايا الجذعية المحفزة»

في عام 1993 حصل البروفيسور شينيا ياماناكا على درجة الدكتوراه من جامعة أوساكا اليابانية، ثم انتقل بعدها إلى معهد جلادستون في جامعة كاليفورنيا، حيث كان يعمل على بحث متعلق بكيفية تحويل الخلايا الجسدية العادية إلى خلايا جذعية يمكن زرعها في جسم الإنسان لتتحول بدورها إلى أي نوع من الخلايا في الجسم، وهو ما قاد ياماناكا لاكتشاف الخلايا الجذعية المحفزة أو المعاد برمجتها. 

Embed from Getty Images

شينيا ياماناكا، مدير مركز أبحاث الخلايا وتطبيقها (CiRA) والحائز على جائزة نوبل، يتحدث خلال مؤتمر صحافي

بعد رحلة استمرت 13 عامًا، وتحديدًا في عام 2006؛ نجح ياماناكا في تحديد عدد صغير من الجينات داخل جينوم الفئران يمكن تحفيزها لتصبح خلايا جذعية، إذ عمل ياماناكا على إعادة برمجة خلايا جلد الفئران لتصبح خلايا جذعية محفزة متعددة القدرات، والتي بدورها يمكنها أن تتبدل إلى أنواع مختلفة من الخلايا داخل الجسم، وهو ما حصل مقابله – ياماناكا – على جائزة نوبل في عام 2012. 

وباكتشاف ياماناكا للـ«iPS» أو الخلايا المبرمجة، أفسح المجال لعالم جديد من العلاجات الجديدة التي تعتمد على زرع الخلايا الجذعية لاستبدالها بتلك التالفة، ومن ثم القضاء على الأمراض بهذه الطريقة. ليس هذا وفقط بل أيضًا أصبحت الخلايا المحفزة أدوات لا تقدر بثمن في فهم طبيعة الأمراض وماهيتها، ومعرفة مصير الخلايا، وهو ما يَعِد بثورة في عالم الطب التجديدي. 

وتُعرِّف مجلة «ناتشر» الطب التجديدي على أنه «فرع من فروع الطب يطور طرقًا لإعادة نمو أو إصلاح أو استبدال الخلايا أو الأعضاء أو الأنسجة التالفة أو المريضة. ويشمل الطب التجديدي إنتاج واستخدام الخلايا الجذعية العلاجية وهندسة الأنسجة وإنتاج الأعضاء الاصطناعية».

Embed from Getty Images

البروفيسور شينيا ياماناكا (يسار) بعد حصوله على جائزة نوبل للطب لعام 2012 من الملك كارل السادس عشر ملك السويد

استمرار عمليات البحث ودراسة تطبيقات العلاج بالخلايا الجذعية أصبحت بديل للعلاجات التقليدية القائمة على الأدوية، والتي يمكن تطبيقها على مجموعة واسعة من الأمراض مثل أمراض الدم والغدد ونخاع العظم، إذ ​​شهدت السنوات القليلة الماضية تقدمًا هائلاً في التجارب السريرية التي تدور حول هذه العلاجات، وهو ما أدى إلى تأثير ملحوظ في العديد من الأمراض المختلفة. 

فعلى سبيل المثال، يعد زراعة الخلايا الجذعية في نخاع العظام لعلاج اضطرابات الدم والجهاز المناعي هو أحد أكثر العلاجات بالخلايا الجذعية شيوعًا، كما ظهرت علامات تعافي الجلد من حالة انحلال البشرة الفقاعي – وهو ضعف الجلد وظهور البثور فيه – بعد العلاج بزرع الخلايا الجذعية في الخلايا الكيراتينية، التي تكون 90% من خلايا الجلد. 

كذلك نجحت التجارب السريرية في علاج التنكس البقعي – وهو ظهور نقاط صفراء في قاع العين – وتحسن بصر المرضى بعد زرع الخلايا الجذعية المحفزة من المريض.

ومع أن التجارب السريرية – المعنية بالخلايا الجذعية باعتبارها علاج – سجلت تقدمًا كبيرًا وملحوظًا في الآونة الأخيرة، إلا أن عدد كبير من التجارب السريرية لم تحصل على موافقات لتنفيذها للتحقق من صحتها لاعتمادها علاج مصرح به للبشر، وذلك لنقص المعلومات عن النتائج المتوقعة من تلك التجارب، وهو ما جعل الكثير من الجهات الرسمية تحذر من بدء الاعتماد على هذه العلاجات، لحين الانتهاء من التجارب السريرية بنجاح. 

«الورم المسخي» عقبة في طريق الخلود

تقول الباحثة كريستال راف – الخبيرة في التكنولوجيا الحيوية والمتخصصة في استخدام الخلايا الجذعية في علاج الأمراض العصبية – بالرغم من أن الخلايا الجذعية تمتاز بقدرتها على تجديد الخلايا وتحولها من خلايا خام إلى خلايا متخصصة، إلا أن هناك بعض المشاكل في استخدام هذه الخلايا والتي تُعرف بـ«الورم المسخي».  

والورم المسخي هو مزيج يحتوي على مجموعة مختلفة من الأنسجة مثل الشعر والعضلات والأسنان والأمعاء والعظام تتجمع بشكل مشوه، والتي تنشأ بسبب عدم القدرة على التحكم فيما ستتحول إليه هذه الخلايا إذ قد تتحول إلى أي نوع من الخلايا، والتي قد تنمو في أحد أعضاء الجسم مسببةً مشاكل خطيرة، وهذا أحد مشاكل زراعة الخلايا الجذعية الخطيرة، إلا أن الأبحاث تعمل على التحكم في هذه المشكلات. 

من أجل ذلك صرحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية أن خدمات بعض مقدمي العلاج بالخلايا الجذعية – والتي وصفتهم بـ«عديمي الضمير» – غير معتمدة وغير مثبتة، وحذرت من إجراء مثل تلك العلاجات التي يُحتمل أن تكون خطرة والتي تصنفها الإدارة بأنها غير قانونية. 

كما صرحت الإدارة أنها تزيد من عمليات المراقبة والتدقيق لإنفاذ القانون وحماية الناس من مثل تلك العيادات «غير النزيهة»، وأردفت أنها «تشجع الابتكار حتى تتمكن الصناعة الطبية من تسخير إمكانات علاجات الخلايا الجذعية بشكل صحيح».

وفي المملكة العربية السعودية، صنفت وزارة الصحة السعودية العلاج بالخلايا الجذعية على أنه «إجراء طبي عالي المخاطر». وأضافت الوزارة أن العلاج القائم على زرع هذه الخلايا لم يثبت نجاعته إلا في مجموعة أمراض محددة، وهي: «سرطان الدم الحاد وفشل نخاع العظم وأورام الغدد اللمفاوية والسرطان النقوي المتعدد». 

كما أوضحت الوزارة أن الخلايا الجذعية لا تستخدم في علاج «السكري أو الشيخوخة أو أمراض القلب والجلطات والتهاب المفاصل أو الزهايمر أو الشلل بأنواعه» كما هو شائع بين الناس ومعروف لدى العامة، وبهذا الصدد حذرت الوزارة من الانجرار وراء الدعوات التي تدعو علاج هذه الأمراض بالخلايا والانسياق لتلقي مثل هذه العلاجات المضرة.

الخلايا الجذعية في مواجهة كورونا 

في الوقت الذي يصارع فيه العالم فيروس كورونا، أعلن فريق بحثي في ​​كلية الطب بجامعة ميامي في 26 أغسطس (آب) الماضي أنه سيجري المرحلة الثالثة – قبل الأخيرة – من التجارب السريرية لتقييم فعالية زراعة خلايا جذعية في الرئتين لعلاج المصابين بفيروس كورونا خاصة متلازمة الضائقة التنفسية الحادة.

وعلق كاميلو ريكوردي أستاذ الجراحة ومدير معهد أبحاث السكري ومركز زراعة الخلايا؛ أنه يأمل «أن يؤدي استخدام الخلايا الجذعية إلى تسريع عملية تجديد أنسجة الرئة السليمة». فيما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بإجراء المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهو ما قد يعني توافر علاج جذري للضائقة التنفسية المصاحبة للإصابة بالفيروس، وهو ما قد يشكل حلًا كبيرًا لأزمة كورونا. 

إن العلاج بالخلايا الجذعية الذي يُعد عصب الطب التجديدي؛ يَعِد بثورة وطفرة في طريقة العلاج وإصلاح وترميم التالف من أنسجة جسم الإنسان، إلا أن الحصول على مثل هذه العلاجات يحتاج إلى الانتظار لحين ثبات فاعلية هذه العلاجات عن طريق نجاح التجارب السريرية التي لم تزل تُجرى إلى الآن، وهو ما يجب أن يجعلنا ننتظر لحين التأكد. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد