قد يقول البعض إن التوتر أو الاكتئاب أو الضغط النفسي هي أمراض العصر الحديث، وذلك كونها أصبحت ذات انتشار عال نتيجة لطبيعة الزمن المليء بالصراعات والإحباطات الذي نحيا فيه. ورغم أن هذه الأمراض منتشرة بالفعل، فإن هناك آفة كبيرة تضرب مجتمعاتنا ربما تكون أخطر كونها تمثل نتيجة سلبية لكل ما سبق، إنها الالتهابات.

فالأمور التي نمر بها في حياتنا بشكل يومي وتسبب لنا الإجهاد البدني والنفسي، أصبحت بمثابة محفزات رئيسية لهذه الآفة الحديثة، التي ربطها العلماء مؤخرًا بكل من أمراض القلب والاكتئاب والألم المزمن وصولًا إلى الأمراض التنكسية العصبية. الأمر المثير للدهشة هنا أن الالتهابات يفترض أن تكون رد فعل مناعي طبيعي لأجسامنا تجاه الأخطار الخارجية، لكن يبدو أن كثرة التعرض لهذه المخاطر جعلت الالتهابات تنقلب ضدنا. والسؤال: ما هي الالتهابات وكيف تحولت إلى آفة العصر الحديث؟ وكيف يمكننا الكشف عنها في أجسامنا؟ وماذا نفعل لمعالجتها إذا وجدت؟ أو ربما ما يجب فعله للوقاية منها؟

ما هو الالتهاب؟

الالتهاب هو استجابة دفاعية يطلقها جهاز جسم الإنسان المناعي، وهو يظهر لنا بشكل نموذجي على هيئة احمرار الجلد أو ارتفاع الحرارة أو الألم أو التورم، ويعد الالتهاب جزءًا طبيعيًا وضروريًا من عملية شفاء جسم الإنسان باعتباره استجابة قصيرة الأمد لغزو بكتيري أو فيروسي أو الإصابات المختلفة.

ببساطة، إذا أصبت بفيروس البرد، فإن أحد الاستجابات الرئيسية لجهاز المناعة تكمن في إحداث التهاب بالجسم استجابة لإفراز الخلايا المصابة لمواد كيميائية، يتمثل في ارتفاع الحرارة وتحسس الأنف والرشح وألم المفاصل، ورغم أنها أعراض مؤلمة، لكنها ضرورية لزيادة توارد الدم إلى المناطق المصابة بالعدوى من أجل ضخ كميات كبيرة من كريات الدم البيضاء التي تهاجم وتقتل الفيروسات، وبالتالي، فإن الالتهاب هو خط الدفاع الأول للجسم، وبدونه سنكون تحت رحمة كل أنواع الأمراض المعدية.

يصبح الالتهاب مشكلة إذا لم يتوقف، وهو ما يسبب تلفًا في أجزاء من الجسم. هذا يتسبب في تحفيز الاستجابة المناعية للجسم ضد الالتهاب نفسه، فيحدث التهاب جديد، وتلف جديد بالجسم، فتحدث استجابة مناعية، وهكذا ندور في حلقة مفرغة، مما يزيد من قابليتنا للإصابة بالأمراض المزمنة.

في سيناريوهات نادرة لكنها الأسوأ، مثل ما يحدث عند الإصابة بفيروس كورونا، يؤدي الالتهاب إلى ردود فعل مناعية تهدد الحياة. حتى نفهم أهمية الحديث عن هذا الموضوع، ربما علينا الإشارة لما يقوله بعض اختصاصي المناعة الذين يصفون الالتهاب بأنه الطموح التالي للعلم في حقبة ما بعد اكتشاف الجينوم البشري والتلاعب به.

كيف أصبحت الالتهابات آفة العصر الحديث؟

لنتخيل اليوم الطبيعي في حياتنا، سنجده مليئًا بالحديث عن العمل وضغوطه، والأطفال ومشاكلهم، والأسرة ومتطلباتها، وهموم القروض والديون وكيفية تسديدها، والفواتير وشراء ما يحتاجه البيت من البقالة، والأعمال المنزلية وغيرها الكثير. أصبح تعاملنا مع الحياة العصرية أحيانًا وكأننا نسير في حلقة مفرغة لا ترحم. بالطبع، ينتهي الأمر بنا ونحن نشعر بالكثير من الإرهاق مع شعور غامض بأن كل هذا الضغط لا يمكن أن يفيدنا بأي شيء في النهاية.

لكن في النهاية، نحن مضطرون للاستمرار في هذه الحلقة من الضغوط، على أمل أن تتحسن الأمور يومًا ما، لكن يبدو أن ما نفعله هو في الحقيقة خطأ فادح، إذ إن الإجهاد البدني والنفسي هما محفزات رئيسية للالتهابات، وبسبب انتشار هذا الإجهاد بين قطاع كبير من الناس، انتشرت آفة الالتهابات مثل الوباء بين البشر.

أبحاث ودراسات

منذ 7 شهور
هل كان «الإنسان البدائي» أسعد منا في العصر الحديث؟

طوال تاريخنا التطوري، كان الالتهاب يعمل بشكل جيد، يظهر ويعالج المشكلة ثم يموت عند زوال الخطر، لكن الحياة الحديثة الآن مكدسة ضد هذا التوازن الدقيق، إذ يمكن أن تدفعنا السمنة والتوتر والتلوث والنظام الغذائي السيئ والشيخوخة إلى حالة منخفضة القوة من الالتهاب محصورة في نسيج معين، لكنها، تبقي الجسم بأكمله في حالة استعداد دائم لتهديد لا يأتي أبدًا. تخيل أن يكون جسمك مستنفرًا طوال الوقت بلا راحة.

مخاطر الالتهابات على الصحة

قد لا يجعلنا هذا الالتهاب المستمر نشعر دائمًا بالمرض بشكل واضح، لكنه قد يخزن ويراكم مشاكل معينة في المستقبل، بدءًا من أمراض القلب إلى مرض السكري من النوع الثاني ووصولًا حتى الأمراض التنكسية العصبية، مثل الزهايمر والشلل الرعاش. أطلق أحد علماء المناعة عام 2008 على هذا الالتهاب لقب «الالتهاب الجانبي» وقال إنه يأتي نتيجة لحياتنا الطويلة، والغنية بالسعرات الحرارية.

لاحقًا، ربط العلماء هذه الآفة بكل مرض من أمراض القلب والاكتئاب والألم المزمن أيضًا، كما اكتشفوا أن الالتهاب يزيد من خطر الإصابة بالسرطان، ويعطل أنظمة الهرمونات المهمة بما في ذلك هرمون الغدة الدرقية.

كيف نكشف عن الالتهابات؟

تكمن مشكلة الالتهاب في صعوبة التعرف عليه، إذ تمر معظم حالات الالتهاب دون أن يلاحظها أحد. غالبًا ما نلاحظ مصادر الالتهابات الكبيرة مثل آلام الظهر وآلام المفاصل، ولكن مصادر الالتهاب منخفضة الدرجة قد لا تشخص لسنوات وسنوات. لاحظ أن الالتهاب المنخفض الدرجة من التهابات اللثة يمكن أن يسبب مشاكل للجسم كله إذا لم نشعر به.

من هنا يجب علينا متابعة الطبيب ومعرفة تلك الاختبارات المعملية الضرورية والبسيطة لمعرفة وجود الالتهابات. أحد أبرز هذه الاختبارات هو اختبار (CRP) وهو اختصار لـ «C reactive protein». ببساطة، هذا البروتين هو أحد أوائل البروتينات التي يبدأ الكبد بإفرازها ردًّ فعل على وجود التهاب بالجسم.

هذا الاختبار هو اختبار «غير محدد»، أي أنه يخبرك بوجود التهاب لكنه لا يخبرك بمكان هذا الالتهاب في الجسم. هذا الأمر يحتاج لاحقًا إلى اختبارات إضافية يطلبها الطبيب. ومع ذلك، فإن ارتفاع مستوى هذا البروتين يكون غالبًا مرتبطًا بأمراض مهمة مثل أمراض القلب والأوعية الدموية (النوبات القلبية)، كما يمكن أن يرتفع مستوى البروتين في حالات أمراض المناعة الذاتية، والعدوى منخفضة الدرجة، والالتهابات عالية الدرجة (مثل تعفن الدم).

المعدل الطبيعي لاختبار (CRP) في البالغين الأصحاء أقل من 8 ملجم / لتر. وكلما زادت النتيجة كان الالتهاب أشد. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن هذا الاختبار متعلق بالالتهابات الحديثة التي لا يتعدى عمرها أشهر قليلة. لذلك، هناك اختبار آخر متطور عن هذا الاختبار يسمى اختبار (CRP) عالي الحساسية أو (hs-CRP) وهو اختبار حساس بدرجة أعلى للالتهابات منخفضة الدرجة، ويمكن استخدامه لتشخيص الالتهاب في وقت مبكر.

لكن يجب أن نكون حذرين عند التعامل مع هذا الاختبار، لأن الكثير من الظروف يمكن أن تتسبب في إعطاء نتيجة كاذبة. بعض الأدوية، مثل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) التي نتناولها كثيرًا مسكنات للألم مثل الإيبوبروفين، ستقلل بشكل خاطئ من مستويات (CRP)، ومن المعروف أيضًا أن الستاتينات تقلل مستويات الاختبار بشكل خاطئ، ويمكن أن تؤدي الإصابة أو مرض ما أصبت به مؤخرًا إلى رفع المستويات بشكل خاطئ، لا سيما عند استخدام هذا الاختبار لتصنيف مخاطر أمراض القلب. ويمكن أن تقلل مكملات المغنيسيوم أيضًا من مستويات هذا البروتين.

كما يمكن رؤية ارتفاعات طفيفة في مستويات هذا الاختبار دون أي أمراض التهابية. فالإناث والمرضى المسنين لديهم مستويات أعلى من البروتين بشكل طبيعي، ويمكن أن تساهم السمنة والأرق والاكتئاب والتدخين ومرض السكري في حدوث ارتفاعات طفيفة في مستويات البروتين. لذلك يجب تفسير النتائج بشكل دقيق من خلال الطبيب.

عوامل خطر أساسية يجب تجنبها

هناك عدة أسباب رئيسية تجعل جسم الإنسان قابلًا للإصابة بالالتهابات، وبالتالي فإن تجنب هذه العوامل قدر الإمكان أمر مهم لمنع الإصابة.

1- الإجهاد

الإجهاد مشكلة كبيرة. فهرمون الأدرينالين، الذي يفرزه الجسم تحسبًا لحالة وشيكة من التوتر أو الخطر، يتسبب في سلسلة أحداث شبيهة بتلك التي تنجم عن العدوى أو الإصابة. لذلك، الكثير منا في هذه الأيام يتجول في الحياة وبداخلة قنبلة موقوتة من الالتهاب الناجم عن الإجهاد والذي قد لا يختفي، وبالتالي، يجب اتباع الطرق والوسائل التي تقلل من حالة الإجهاد هذه قدر المستطاع.

2- السمنة

السمنة هي مرض آخر يسبب الالتهابات. تعتبر كمية صغيرة من الدهون في الجسم صحية، بل ضرورية لتنظيم جهاز المناعة والشهية والمزاج والتمثيل الغذائي. لكن بمجرد أن تتخطى الدهون 25-30% من الجسم يتغير هذا التوازن. فالدهون تخزن كميات كبيرة من المواد الكيميائية المسببة للالتهاب مثل تلك التي تطلقها الخلايا المصابة.

 3- السكريات

يمكن أن تؤدي النظم الغذائية الحديثة عالية السكر إلى أمراض اللثة، مما يدفع الجسم إلى حالة التهابية مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بتصلب الشرايين، والنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

4- التباطؤ في العلاج

كلما طالت مدة بقاء الالتهاب، زاد احتمال تسببها في حدوث مشكلات أكبر، فإذا أصبت بنزلة برد، عليك تناول العلاج في أسرع وقت وخصوصًا تلك المواد التي ترفع مستوى المناعة حتى تقلل من فترة تواجد الفيروسات والالتهابات في جسمك. الإصابة بالبرد الطويل والمتكرر ليس جيدًا.

من هنا، ينصح العلماء بخمس طرق للوقاية من الالتهاب. الأولى هي فقدان الوزن الزائد، والثانية عبر المواظبة على تناول زيوت أوميجا 3، التي يستخدمها الجسم لصنع المواد التي تساعد على إيقاف الالتهاب، والثالثة هي التمارين الرياضية، فكونك نشيطًا يطلق مواد كيميائية مضادة للالتهابات. ورابع هذه الطرق هي تمارين التمدد خصوصًا للعضلات الملتهبة، وأخيرًا، تناول جرعة منخفضة من الأسبرين، الدواء الوحيد المتاح حاليًا الذي يحفز وقف الالتهابات، لكن عليك استشارة الطبيب أولًا.

علوم

منذ 3 سنوات
شفاء لكل داء؟.. إليك حقيقة الفوائد الصحية لزيت السمك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد