8,545

رغم أن ارتفاع معدل التضخم في القاموس الاقتصادي معناه ببساطة، الزيادة في المستوى العام للأسعار، لكن العكس ليس صحيحًا، إذ إن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة تراجع مستوى الأسعار، إلا أنه مع إعلان الحكومات عن انخفاض التضخم وذلك باعتباره خبرًا إيجابيًا بالنسبة للمواطن، يظن البعض أن الأسعار ستنخفض مع هبوط معدل التضخم، وهو الأمر الذي يعتبر خدعة كبيرة للمواطنين، وخلال السطور القادمة سنوضح كيف يحدث ذلك.

كيف ينخفض التضخم ولا تنخفض الأسعار؟

تضع معظم الحكومات العربية تراجع معدل التضخم ضمن الإنجازات التي حققتها الحكومة خلال فترة ما، بالتالي يعتبر المواطنون أن الإعلان عن كون معدل التضخم تراجع بنسبة ما خبر يدعو للسعادة وذلك في انتظار تراجع الأسعار بهذه النسبة، ولكن المفاجأة أن الناس يجدون أن أسعار السلع لم تتراجع بل ربما ارتفعت، فهل معدل التضخم الذي كشفت عنه الحكومة غير حقيقي؟

في الواقع لا يتعلق الأمر في بعض الأحيان بمصداقية الرقم الذي تكشف عنه الحكومة، ولكن الأمر مرتبط أكثر بفهم معنى انخفاض معدل التضخم، فإذا أعلنت الحكومة مثلًا عن أن مستوى التضخم في بلادك خلال شهر ما سجل 5%، فإن هذا يعني أن المستوى العام للأسعار لكافة السلع الموجودة بالبلاد قد ارتفعت بهذه النسبة، وعندما تعلن الحكومة عن أن معدل التضخم في الشهر التالي قد سجل 2.5% فقط، فهذا يعني أن المستوى العام للأسعار لكافة السلع الموجودة بالبلاد قد ارتفعت بنسبة 2.5%.

في هذه الحالة فإنه بالنسبة للمواطن فإن الأسعار واصلت الارتفاع ولكن بنسبة أقل، وبالنسبة للحكومة فإن معدل التضخم قد تراجع بنسبة 50% مقارنة بالشهر السابق، ومن هنا تتضح فكرة أن التضخم ينخفض والأسعار ترتفع.

على الجانب الآخر، وكما ذكرنا فإن معدل التضخم يعبر عن الزيادة في المستوى العام للأسعار لجميع السلع، وليس سلعة بعينها، وهذه نقطة يحدث فيها لبس أيضًا، بمعنى أن سعر سلعة ما قد يرتفع بنسبة كبيرة جدًا ويظل معدل التضخم منخفضًا، لنضرب مثالًا على سلعتين مثل الأرز والسكر مثلا لكي نوضح الأمر، فقد ترتفع أسعار السكر بنسبة 20% مثلًا، وتنخفض أسعار الأرز بنسبة 10% في شهر ما، وبالرغم من ذلك يكون معدل التضخم في هذا الشهر 5% مثلًا.

وهنا فإن المستهلك الذي سيشتري السكر سيرى أن الأسعار ارتفعت جدًا وأن معدل التضخم غير واقعي، ونفس الأمر بالنسبة للمستهلك الذي يشتري الأرز، إذ سيظن أن معدل التضخم أعلى من الطبيعي وفي الحالتين لا تعبر أي من السلعتين عن الرقم الحقيقي لمعدل التضخم، لأن النظر إلى الرقم قاصر على زاوية واحدة فقط.

أمر آخر يجعل أرقام معدل التضخم تخدع المستهلك، وذلك عندما يكون انخفاض التضخم راجعًا إلى الهبوط في أسعار المواد الأولية والمواد الوسيطة المستخدمة في الإنتاج، وغالبًا لا تصل نتيجة هذا الهبوط إلى المستهلك النهائي سريعًا، لأن المنتجين للسلع النهائية لا يحسبون تكلفة السلع وفقًا لأسعارها الجديدة المنخفضة، إلا بعد الانتهاء من استهلاك ما لديهم من مواد حصلوا عليها بأسعار مرتفعة نسبيًا، وهو ما يؤخر وصول تراجع التضخم للمستهلكين.

كيف يُقاس معدل التضخم؟

يقاس التضخم عبر ما يسمى بـالرقم القياسي، وهو أداة إحصائية لقياس التغير النسبي في قيم ظاهرة أو مجموعة من الظواهر من زمان إلى آخر أو من مكان إلى آخر، وهناك العديد من الاستخدامات للأرقام القياسية أغلبها في الاقتصاد، إلا أنه يتم استخدامها في بقية فروع العلوم الاجتماعية والطبيعية، مثل قياس الأرقام القياسية لمقارنة مستوى ذكاء الطلاب في أماكن مختلفة أو على امتداد فترات زمنية مختلفة، على سبيل المثال.

الخطوة الأولى من خطوات قياس الرقم القياسي لأسعار المستهلك (التضخم)، تتم من خلال تحديد المواد التي ستدخل في حساب الرقم القياسي لأسعار المستهلك أو ما يعرف بسلة المستهلك، إذ يتم تصنيف المواد ضمن مجموعات إنفاق رئيسية مثل: (المواد الغذائية – الملابس – المسكن – الأثاث والمفروشات – النقل والمواصلات – الاتصالات – خدمات التعليم – الرعاية الصحية)، وبعد هذه الخطوة يتم تحديد نسبة لكل مجموعة من هذه السلع حسب إنفاق الأسر على هذه المجموعة، ومن المفترض أن تتغير هذه القائمة مع الزمن، وذلك لأن عادات البشر في الاستهلاك تتغير، كما أن موادًا كثيرة تحل محل مواد أخرى أو مواد مهمة تصبح غير مهمة، لهذا يجب مراجعة قائمة المواد كلما مضت فترة من الزمن.

الخطوة الثالثة هي تحديد المصادر التي ستجمع منها الأسعار مع مراعاة ضمان التمثيل الجغرافي والسلعي، فغالبًا ما يكون هناك فروق بين الأسعار من مدينة إلى أخرى أو من الريف إلى الحضر وتؤخذ متوسطات الأسعار من خلال أكبر عدد من المصادر.

الخطوة الرابعة، وهي التي يتم فيها حساب ما تسمى بـالأوزان الترجيحية، وهي تتعلق بطرق تقدير الكميات المستهلكة أو قيم الإنفاق عليها، إذ تمثل الأوزان الترجيحية الأهمية النسبية التي تعطى لكل سلعة من السلع عند احتساب التضخم، وتقاس الأهمية النسبية لكل سلعة بالكميات التي تستهلك منها خلال السنة أو بقيم تلك الكميات.

الخطوة الخامسة والأخيرة، هي تحديد سنة الأساس، وهي السنة التي ستنسب إليها التغيرات، بمعنى أن معدل التضخم يتم تحديده مقارنة بهذه السنة، ويجب أن تكون سنة الأساس عادية وخالية من المؤثرات العرضية على الأسعار ولا يوجد بها كساد أو رواج زائد أو حرب أو غير ذلك من المؤثرات غير الطبيعية، وعلى سبيل المثال إذ تم اختيار سنة الأساس وكان بها كساد فإن قيمة التضخم ستبدو وكأنها مرتفعة جدًا بالقياس مع سنة الأساس، وإما إذا كانت سنة رواج تتصف بالرخاء فان معدل التضخم سيكون منخفضًا مقارنة بسنة الأساس.

يتضح مما سبق أن خيارات قياس التضخم متغيرة وليست ثابتة وهو ما يمكن الحكومات من التحكم في معدل التضخم بصورة أو بأخرى، ليظهر على غير حقيقته، وذلك بمعنى أن الجهة المسئولة عن قياس معدل التضخم يمكن أن تختار مجموعات إنفاق رئيسية غير واقعية بعض الشيء أو بنسب أقل من الواقع يكون فيها الأولوية للسلع التي يكون فيها السعر مستقرًا، وبالتالي سيكون معدل التضخم النهائي غير حقيقي.

كذلك يسهل التلاعب بالمصادر التي يتم الاعتماد عليها في الحصول على الأسعار، ويمكن أيضًا تقدير الكميات المستهلكة على طبقات غنية فتكون هذه التقديرات غير معبرة عن الشريحة الأكبر في المجتمع، ناهيك عن اختيار سنة الأساس والتي غالبًا ما تكون أحد أهم الوسائل التي تلجأ إليها الحكومات ليظهر معدل التضخم أقل من الواقع.

كيف يُحسب التضخم في مصر؟

لتوضيح أكثر لفكرة التلاعب بمعدل التضخم يمكن التطبيق على مصر، إذ إن الجهة المسؤولة عن قياس معدل التضخم في البلاد هي الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ولكن ينتقد الكثيرون الطريقة المصرية لقياس معدل التضخم، ويرونه غير دقيق ولا يعبر عن الواقع الحقيقي للأسعار، فمعدل التضخم السنوي في مصر وفقًا لبيانات المركزي للإحصاء، 30.7% لعام 2017، ولكن مؤخرًا تشير التقديرات إلى أن هذه النسبة في تراجع رغم أن الأسعار ما زالت مستمرة في الارتفاع.

ويرفض الكثير من المصريين معدل التضخم المعلن لعدة أسباب سواء عدم دخول بعض السلع والخدمات في حساب معدل التضخم، ويوضح ممدوح الولي، الكاتب الاقتصادي، لـ«ساسة بوست»، أن هناك تباينًا واضحًا بين أرقام التضخم الحالية والسابقة، لعدة أسباب من بينها أن البيانات الرسمية تعتبر إنفاق المصريين على الطعام والشرب يمثل نسبة 34.4% فقط من إنفاقهم، وذلك يعني إعطاء الطعام والشراب وزنًا نسبيًا أقل، رغم أنّه يُمثّل حوالي 70% من إنفاق المصريين، وتزيد هذه النسبة كلما ازداد الفقر.

وتابع: «تدور طريقة حساب نسبة التضخم بالمركزي للإحصاء، اعتمادًا على 479 مجموعة سلعية وخدمية فقط، من إجمالي نحو ألف سلعة بالسوق المصري، وهو الأمر الذي يزيد من عدم دقة معدل التضخم الذي يتم الإعلان عنه، كما يقلل من تأثير التغييرات السعرية على النسبة المستخرجة للتضخم، لأن بعض هذه السلع تدخل تحت مظلة التسعير الجبري».

اقرأ أيضًا:

وعلى سبيل المثال يذكر «الولي» أن مؤشر الجهاز المركزي للإحصاء عندما يحسب التغير في الخبز، فإنّه يُركّز على الرغيف ذي الخمسة قروش الذي لم يحدث به تغير منذ سنوات وفي المقابل يترك الأنواع الأخرى من الخبز التي زادت أسعارها، وكذلك الأمر بالنسبة لأسعار السجائر الجبرية ولا يلتفت لأسعار السجائر في السوق السوداء، وفي مواسم الحصاد يزيد سعر السولار بالسوق السوداء بينما يعتمد الجهاز الأسعار الجبرية الحكومية للسولار، وكذا أسعار المواصلات التي يركز فيها على تذاكر المترو والنقل العام والسكة الحديد، التي تتغير كل عدة سنوات، بينما يهمل أسعار الميكروباصات التي يكثر استخدامها فتتغير بمعدل أعلى وهكذا.

على الجانب الآخر وتعقيبًا على الهبوط الكبير في معدل التضخم في مصر مؤخرًا، والذي تراجع في المدن إلى 21.9% في ديسمبر (كانون الأول) مقارنة بـ26% في الشهر السابق عليه، تفسر علياء ممدوح، كبيرة الخبراء الاقتصاديين لدى «بلتون» المالية، هذا الانخفاض بتغير سنة الأساس، قائلة إنه: «بعد نوفمبر 2016، كنت تقارن (التضخم) بالمعدلات المرتفعة للفترة التي أعقبت التعويم، لكن في ديسمبر (كانون الأول) اختلفت سنة الأساس»، وهو ما يفسر سبب هبوط المعدل.