بعد عودة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» إلى إسطنبول عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، أقام مؤتمرًا صحفيًا في مطار أتاتورك، وجه فيه أصابع الاتهام إلى جماعة «فتح الله كولن» قائلًا «إن منفذي المحاولة الانقلابية مجموعة ممن يكرهون تركيا ويتلقون أوامرهم من بنسلفانيا»، في إشارة إلى مكان المنفى الاختياري لـ «فتح الله كولن».

وبالرغم من دخول «فتح الله كولن» في تحالف سابق مع أردوغان لمواجهة منظمة «أرغينيكون» ذات التوجه العلماني المتطرف، إلا أن كثرة الخلافات بين الطرفين جعلت «كولن» ينفي في حوار صحفي عام 2014 وجود أية شراكة بين حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، وجماعته في السابق، مما يعكس وصول الصراع بينهما إلى نقطة اللاعودة. ويرجع سبب منفى كولن الاختياري من تركيا إلى بنسلفانيا عام 1999 إلى ظهور تسجيل فيديو يحدث فيه أنصاره عن خطته لتغيير المجتمع التركي، والنظام السياسي الجمهوري، بشكل تدريجي وبطء قائلًا لهم:

إن وجود إخواننا هو الضمان لمستقبل الإسلام، وجودهم في المحاكم أو في الخدمة المدنية أو في القطاعات الخدمية الأخرى لا يمكن تقييمه إلا كجزء من الالتزام الفردي، إن وجودهم هو ضمانة لمستقبلنا، وبدون تشكيل جبهة قوية في مؤسسات الدولة، فإن أي خطوة نقوم بها ستكون مبكرة للغاية.

وبالطبع نفى أتباع كولن صحة الفيديو بعد قيام قناة «ATV» التركية ببثه، ولكن ما قاله زعيمهم يؤكده الوضع التركي اليوم، وفقًا للكثير من المحللين والمتابعين، حيث يتركز منظور «كولن» السياسي على جعل كوادر الدولة ومؤسساتها تحت سيطرة جماعته، والتي يطلق عليها أردوغان ومسؤولو حكومته «الكيان الموازي».

واستغلت جماعة «كولن» جميع الفرص التي أتيحت أمامهم للتغلغل في أجهزة الدولة التركية، وكانت أهمها في عام 2002 عندما كان حزب «العدالة والتنمية» يبحث عمن يدعمه ويمنع سقوطه في الانتخابات البرلمانية، وحينها وجه «كولن» أفراد جماعته إلى تقديم الدعم الاقتصادي والإعلامي للحزب ومساندته عبر أذرع الجماعة داخل جهاز القضاء وباقي أجهزة الدولة، وفي المقابل قامت حكومة «العدالة والتنمية» بتسهيل تغلغلهم بشكل أكبر داخل أجهزة الدولة وفي مقدمتها:

1-وزارة الداخلية: نفوذ أتباع «كولن» يفوق نفوذ الوزير

اتجهت جماعة «فتح الله كولن» في السنوات الأولى لحكم «العدالة والتنمية»، إلى تعزيز نفوذها داخل وزارة الداخلية من خلال مدارس الشرطة والتي وقع جزء كبير منها تحت سيطرة أفراد محسوبين على الجماعة قاموا لسنوات بانتقاء الطلاب المؤيدين للجماعة، وتمكينهم من التخرج من هذه المدارس، ومن ثم توجيههم إلى الوظائف التي يرغبون فيها، والتي كانت معظمها داخل جهاز المخابرات الأكثر تأثيرا في جهاز الأمن الداخلي، مما جعل الجماعة توصف بأنها أكثر نفوذًا داخل وزارة الداخلية من الوزير نفسه.

مدير الأمن السابق حنفي أفجي

وفي سبيل إنجاح تلك المهمة أطاحت الجماعة بكل من يعترض طريقها، مثل مدير الأمن «حنفي أفجي» الذي بدأ في إفشاء أسرار شبكة نفوذ الجماعة داخل وزارة الداخلية، فلفقت له تهم جنائية وسجن بتهمة «الانتماء إلى تنظيم إرهابي يساري»، وأيضًا قائد أركان الجيش السابق «إلكر باشبوغ» والذي لفقت له تهم بالتخطيط لانقلاب عسكري بعد أن قام بتسليم قائمة تضم أهم أسماء أفراد الجماعة الذين اخترقوا الأجهزة الأمنية.

ويصف أحد ضباط الشرطة الذي عمل في شرطة إسطنبول لمدة سبع سنوات جماعة «كولن» بأنها غامضة وخطيرة وتقوم بالتمييز ضد من لا يشاركونها الرأي وطريقة الحياة، بدليل أنه قدم خلال خدمته أكثر من طلب للانتقال إلى وحدات أمنية أخرى، مثل مكافحة الإرهاب أو الجريمة المنظمة أو الاستخبارات، ولكن عدم انتمائه للجماعة منعه من ذلك، وطُلب منه مرارًا أن يحصل على توصية من أحد رجال الجماعة.

وبعد وقوع أحداث 17 ديسمبر (كانون الأول) 2013، شنت الحكومة التركية هجمات منظمة ضد الأمنيين المشتبه في انتمائهم لجماعة «كولن»، وذلك عبر مرحلتين: أولا: تحويل أماكن عمل هؤلاء الأمنيين إلى محافظات ثانية وخارج المحافظات المركزية التي عينوا فيها قبل 17 ديسمبر (كانون الأول)، وثانيًا: إحالة ملفات هؤلاء الأمنيين للقضاء حتى ينظر فيها ويقرر براءتهم وبقاءهم في مناصبهم الجديدة، أو إدانتهم ومعاقبتهم إداريًا أو جنائيًا.

ولم تقف جهود حكومة «أردوغان» عند هذا الحد ففي أبريل (نيسان) 2015 تمت إحالة 1150 ضابط شرطة إلى التقاعد، بعد اجتماع رفيع المستوى لمسؤولين في جهاز الشرطة التركية لبحث إحالة 3500 ضابط يشتبه في ارتباطهم بجماعة «كولن». وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة أعلنت وزارة الداخلية التركية عن إيقاف 8777 من منتسبيها عن العمل، وذكرت الوزارة أن عدد الموقوفين توزع كالآتي: 7899 ضابطًا في الشرطة، إضافة إلى 614 ضابطًا من قوات الدرك، و30 محافظًا للمدن، و47 محافظًا للبلدات.

2-القضاء: من يعارضنا سيذهب للسجن بالقانون

تهدف الجماعة من وراء نفوذها داخل السلطة القضائية إلى عدم إتاحة فرصة الطعن في تجاوزات أعضائها، والأدلة على ذلك كثيرة ففي إحدى القضايا التي وثقت بشكل جيد تم ضبط أحد ضباط الصف في قاعدة عسكرية وهو يزرع بتكليف من جماعة «كولن» بعض المستندات بهدف إحراج ضباط عسكريين، ولكن الذي حدث هو أن القضية انقلبت على النائب العسكري الذي حقق في القضية، فسرعان ما وجد نفسه في السجن باتهامات ملفقة، في حين أعيد الجاني إلى مركزه السابق.

هاكان فيدان

نجحت جماعة «كولن» من خلال الهيئة العليا للقضاة والمدعين في تشكيل دوائر قضائية منفصلة بشكل كامل عن باقي المؤسسة القضائية، واستخدمتها فيما بعد لإصدار آلاف أوامر التنصت على شخصيات بارزة في الحكومة، وفي أهم مؤسسات الدولة بما في ذلك رئيس جهاز الاستخبارات المستشار «هاكان فيدان».

وحتى قبل أحداث 17 ديسمبر (كانون الأول) 2013 كانت الجماعة تسيطر بشكل شبه كامل على الهيئة العليا للقضاء في تركيا، وكان حجر الأساس في «عملية 17 ديسمبر» التي قامت بها الجماعة هو تمرير قضايا ضد شخصيات بارزة في حكومة العدالة والتنمية، معتمدة على أدلة ثبت فيما بعد أن معظمها تم تلفيقها بناء على معلومات جُمعت بشكل غير قانوني، وبأوامر قضائية استخرجها القضاة التابعون للجماعة.

ولم يستمر هذا الأمر كثيرًا ففي انتخابات الهيئة العليا للقضاء في أكتوبر 2014 فازت القائمة المدعومة من حزب العدالة والتنمية بـ 8 مقاعد من أصل 10 مقاعد دائمة، ومقعدين من أصل 12 مقعدًا احتياطيًا، وفي أول تعليق رسمي من الحكومة على هذه النتائج قال وزير العدل « بكير بوزداغ» أن «التصويت الذي جرى كان ديموقراطيًا وأتاح تشكيل هيئة تعددية».

ولكن يبدو أن تلك الخطوة لم تكن كافية لتطهير القضاء من أتباع «كولن»، فبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي حدثت مؤخرًا، أسقط المجلس الأعلى للقضاة عضوية خمسة قضاة، وأعفى 2745 قاضيا من مهامهم مؤقتًا، وجميعهم ينتمون إلى «الكيان الموازي»، وأفادت محطة تلفزيون «سي.إن.إن.تورك» بأن الشرطة التركية اعتقلت السبت الماضي «ألب أرسلان ألطان» عضو المحكمة الدستورية، وهي أعلى محكمة في البلاد.

3-الاقتصاد: شراء ولاء رجال الأعمال بصفقات مغرية

بنك آسيا التابع لجماعة كولن

لا يمكن إغفال القوة الاقتصادية لجماعة «فتح الله كولن» والتي نجحت في صناعتها باستقطابها لرجال الأعمال وتجميعها لهم تحت مظلات جمعيات رجال الأعمال مثل جمعية «توسكون»، والتي تضم أكثر من 5000 عضو ما بين رجل أعمال ومؤسسة اقتصادية.

ونجحت الجماعة في إغراء رجال الأعمال من خلال تمكينهم من الحصول على استثمارات داخلية ضخمة، وأيضًا تقديما فرصة الاستثمار خارج تركيا عبر صفقات تحصل عليها الجماعة من الحكومات الصديقة لها في الخارج، وبشكل خاص في إفريقيا ودول القوقاز التي دخلتها الجماعة، عبر مؤسساتها التعليمية، تحت غطاء تعليم اللغة التركية، وتدريس الأتراك المقيمين هناك.

وتوجد مكالمة هاتفية مسربة لـ «فتح الله كولن» مع أحد كبار مسؤولي الجماعة في تركيا، كان «كولن» يملي عليه فيها تعليمات بتوزيع الصفقات التي حصلت عليها الجماعة في دول إفريقية على رجال الأعمال الذين ترغب الجماعة في استقطابهم.

وبعد فشل الانقلاب الأخير ظهر اسم بنك «آسيا» التابع لجماعة «كولن» في عناوين الأخبار، بعد قرار السلطات التركية بإيقاف عمله مؤقتًا، وذكرت وسائل الإعلام التركية، أن بنك «آسيا» مرتبط بشكل وثيق بـ«كولن»، الذي تتهمه السلطات التركية بالضلوع في التحريض على انقلاب عسكري ضد نظام الحكم.

ويرجع تاريخ تأسيس البنك إلى عام 1996، ولديه أكثر من 180 فرعًا في مختلف أنحاء البلاد، ومنذ عام 2014 أصبح غير مرغوبًا فيه من قبل السلطات التركية، بعد وضع أنقرة أتباع «كولن» في قائمة التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي التركي، مما أدى إلى تقلص أرباح البنك بنسبة 81% وانخفاض تصنيفه الائتماني من قبل وكالات التصنيف الدولي.

ومن الدلائل على نفوذ جماعة «كولن» في أجهزة الدولة ما دار في المكالمة المسربة التي جرت في 25 ديسمبر 2013، بين أحد المسؤولين في البنك و«فتح الله كولن» حيث أخبره المسئول بوجود احتمال كبير بأن تقوم شركة الخطوط الجوية التركية المملوكة للدولة بسحب أرصدتها الموجودة في البنك والتي تقدر بحوالي 300 مليون دولار، بعد توجيه أصابع الاتهام لجماعة «كولن» في أحداث «17 ديسمبر (كانون الأول)».

وبعد نقاش حول مدى الضرر الذي قد يلحق بالبنك أمره «كولن» بأن يسارع إلى الترتيب مع عدد من رجال الأعمال التابعين للجماعة حتى يقوموا بضخ مبلغ 250 مليون دولار، وطلب منه أن يخفي هذا الأمر عن رئيس الوزراء، ويبقى هذا الإجراء الاحتياطي سريًا، وأمره أيضًا أن يرتب مع شخصين من أعضاء مجلس إدارة الهيئة الحكومية للإشراف على البنوك؛ بهدف تجنب قيام الحكومة بحملات تفتيش مالي ضد البنك، وأن يخبروه بالإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها تجاه البنك.

4-التعليم: «الدرسخانة» تتسبب في أزمة بين «كولن» و«أردوغان»

تدير جماعة «فتح الله كولن» شبكة عالمية من المدارس منها 140 في الولايات المتحدة، وأكثر من 10 في ألمانيا حيث يوجد الكثير من المهاجرين الأتراك، و29 في كازاخستان، و13 في تركمانستان، و12 في أذربيجان، و12 في قرغزستان، بالإضافة إلى مدارس عدة في عشرات الدول حول العالم في أوربا وإفريقيا وآسيا، وأهم ملامح التعليم هذه المدارس أنها تتفق مع علمانية تركيا، ولا تطبق برامج تحمل مواصفات دينية.

وإلى جانب المدارس تمتلك الحركة في تركيا ما يفوق الخمسمائة مدرسة تقوية خاصة «درسخانة» على أقل تقدير، وهي تهدف إلى إعداد الطلاب لامتحانات القبول الجامعي والحصول على درجات أعلى، ويتقاضى العاملون في هذه المدارس راتبًا أقل من راتب معلم المدرسة. وتسببت مدارس التقوية في حدوث نزاع بين جماعة «كولن» وحكومة «أردوغان» عندما اتخذت الحكومة قرارًا بإغلاقها تدريجيًا، واشتدت الأزمة بعد تصريح رئيس الوزراء في سبتمبر (أيلول) 2012 بأن مدارس التقوية ستغلق، أو ستحول إلى مدارس خاصة قبل السنة الدراسية 2013- 2014.

وفي مارس (أذار) 2014 صدق البرلمان التركي على قرار بإغلاق جميع مدارس «الدرسخانة» قبل حلول الأول من سبتمبر 2015، وعلق «أردوغان» على هذا القرار بأن اغلاق هذه المدارس يأتي في سياق إصلاح نظام تعليمي وصفه «بغير الصحي» جعل تركيا تتخلف عن ركب الدول المتقدمة. ولكن جماعة «كولن» لم تستسلم لهذا القرار، وقامت برفع العديد من الدعاوى القضائية ضده، وانتهى الأمر بإلغاء المحكمة الدستورية التركية لقانون إغلاق معاهد التقوية التعليمية، مما جعل أعضاء البرلمان يقومون بالعديد من التعديلات عليه تقضي بتحويل هذه المدارس إلى مدارس خاصة بحول نهاية العام الدراسي 2018/2019.

5-الإعلام: كيف تلاعبت جماعة «كولن» بالحقائق لتقضي على خصومها؟

صحيفة زمان التابع لجماعة كولن

سعت جماعة «كولن» منذ الثمانينات التي امتلاك العديد من وسائل الإعلام والتي من خلالها تستطيع التسويق لنفسها، أو مهاجمة خصومها في بعض الأحيان، وفي مقدمة هذه الوسائل صحيفة «زمان» والتي تعد من أكثر الصحف انتشارًا في تركيا، وتعرف بتوجهها الإسلامي المعتدل.

وفي عام 1993 انطلقت قناة «سامانيولو» والتي لاقت نجاحًا كبيرًا، وصنفت كقناة محافظة اجتماعيًا بالمقارنة مع القنوات التركية الأخرى، وبمرور الوقت ظهرت العديد من النسخ منها مثل النسخة الإخبارية، والنسخة الموجهة لإفريقيا وأوروبا وأمريكا، كما تمتلك الحركة أيضًا محطتي راديو تحت اسم «بورج»، و«سامانيولو خبر».

وساعدت وسائل الإعلام السابقة الجماعة في تحقيق أهدافها، ففي سنة 2009 حركت الجماعة أذرعها الإعلامية والأمنية والقضائية والدعوية بشكل متوازٍ ومنظم للضغط على الدولة وإجبارها على التصادم مع إحدى الجماعات الإسلامية التركية المنتمية للطريقة النورسية – نفس الطريقة التي تنتمي لها «جماعة فتح الله كولن» والمسماة بجماعة «الملا محمد»، فبدأ فتح الله كولن بمهاجمة الجماعة، ثم تبعته الوسائل الإعلامية التابعة له عبر نشرات إخبارية، وبرامج حوارية، ومسلسلات درامية، روجت جميعها لأن جماعة «الملا أحمد» جماعة إرهابية متطرفة، ليتم في سنة 2010 إصدار أوامر باعتقال أبرز قيادات جماعة «الملا محمد» بما في ذلك «الملا محمد» نفسه، من قبل قضاة تحقيق محسوبين على جماعة «كولن».

واشتهرت صحيفة «زمان» بانتقادها للرئيس رجب طيب أردوغان، مما دعا محكمة إسطنبول إلى تعيين لجنة وصاية قضائية على الصحيفة في مارس (أذار) 2016، ولم تعط المحكمة أسبابًا لقرارها، مما دفع مؤيدي الصحيفة إلى التجمع خارج مكاتبها للاحتجاج على سيطرة الدولة عليها، ومنع تنفيذ قرار الوصاية، ولكن انتهى الأمر بتفريق الشرطة للمحتجين باستخدام قنابل الغاز.

عرض التعليقات
تحميل المزيد