بحلول فصل الصيف؛ يتحول هذا الأزيز إلى خلفية مصاحبة لحياتنا، وغالبًا ما يكون حول رؤوسنا، إذ يتسابق الذباب ليقف على أجساد البشر خاصة الوجوه، وكلما حاولت قتله، لا تستطيع يدك أن تصل إليه قبل أن يفر هاربًا عكس الناموس الذي يمكنك قتله ببعض من التركيز بيديك العاريتين.

قد تستيقظ من النوم على صوت تلك الذبابة التي حاولت الدخول لأنفك؟ وتسأل نفسك: الناموس يقف على البشر للحصول على الدم باعتباره غذاء، فلماذا يقف الذباب على وجوه البشر؟ ولماذا لا أستطيع قتل الذبابة كما أقتل الناموسة بسهولة؟ الحقيقة أن الذباب لا يفعل تلك الأمور لإغاظتك، فهناك أسباب مقنعة وتفسيرات لتصرفات الذباب خاصة في فصل الصيف، وفي هذا التقرير نخبرك تلك المعلومات عن أصدقاء أغسطس (آب) الذين لا يفارقوننا؛ الذباب.

«إني جائعة».. موسم الصيد للذباب

سواء كانت واقفة على وجهك، أو على طعامك، أو انضمت لواحد من الأنشطة الصيفية خارج المنزل لتفسده على أصحابه، فهي موجودة في حياتنا اليومية، وربما تتذكر هذا الجرح في قدمك وأنت صغير تلعب مع أصدقائك، الذي استهدفته تلك الذبابة بإصرار حتى تقف عليه وتصيبك بالإزعاج والاشمئزاز، والذبابة ليست نوعًا واحدًا متمثلًا في ذلك الذي عادة ما نراه في المنزل، بل هناك ما يقرب من 150 ألف نوع من الذباب في أنحاء العالم.

وسواء كانت الذبابة من النوع الذي يقرص أم لا، فإن الهدف الرئيسي من وقوفها على وجوه البشر أو الجروح هو الحصول على الغذاء، وهذا لأن الزيوت الموجودة على جلد البشر خاصة أصحاب البشرة الدهنية، والجلد الميت، والأملاح الموجودة في قطرات العرق، والكربوهيدرات والسكريات والمواد الكيميائية الأخرى المتجمعة في كل تلك العناصر على جسم الإنسان؛ تعد من المصادر الأساسية لغذاء الذبابة.

كما أن الذباب يبحث عن الثغرات في الأجسام التي تقف عليها؛ لإدراكهم أنها تحتوي على كمية أكبر من السوائل ولذلك تستهدف عيون الحيوانات، والجروح سواء في البشر أو الحيوان، والأهم؛ وجهك وأنت نائم، خاصة وأن ثاني أكسيد الكربون الذي تفرزه في عملية التنفس، يكون عامل جذب فعال للذباب.

ولهذا يكون الذباب أكثر نشاطًا في فصل الصيف، لأنه يعلم أن هذا هو الموسم بالنسبة له، فهناك الكثير من العرق، والأملاح، والأجساد العارية بما يعني المزيد من الثغرات في الجسد التي يمكن الوصول لسوائلها، ولذلك عندما تأتي الذبابة وتقف على وجهك أو جسدك وأنت نائم لا يكون غرضها هو إزعاجك في المطلق، فهي مثلها مثل الناموسة تبحث عن الغذاء.

ويتناول الذباب طعامه من على جسدك عن طريق فمه الذي يشبه الإسفنج، إذ يخرجون خليطًا من الإنزيمات الهاضمة على سطح الجلد الذي وجدوا عليه غذاء مناسبًا، ثم يقومون بجمع المادة الهاضمة مع الغذاء، وهو ما ينطبق على الذباب الذي تقابله يوميًا في منزلك، والذي لا يعض أو يقرص البشر.

لماذا يصعب علينا ضرب الذبابة بأيدينا؟

كلما حاولت أن تكون دقيقًا أو سريعًا، فدائمًا ما تكون الذبابة أسرع وأكثر دقة؛ فكيف يمكن لهذا الكائن الصغير أن يكون أمهر من الناموسة، ومنك أنت شخصيًا، وكيف يستطيع الهروب منك في كل مرة؟ الحقيقة أن هذا السؤال لم يشغلك وحدك، بل كان محط اهتمام الكثير من علماء الحشرات، والذين اكتشفوا أن الأمر لا يتعلق بمهارة الذبابة، بل يتعلق بطبيعة رؤيتها للعالم من حولها.

الإجابة التي وصل لها العلماء هي أن الذباب يرى العالم بصورة أبطأ من البشر، ولمعظم أنواع الذباب فإن الأجسام تتحرك أربعة مرات أبطأ في مجال رؤيتها من مجال رؤية البشر، ولذلك يدك التي تراها أنت تتحرك سريعة لتقتل الذبابة، تراها الذبابة وهي قادمة ببطء شديد، وكأنه مشهد تصوير بطيء في أحد الأفلام السينمائية.

على سبيل المثال إذا كان المشهد الذي تراه بوصفك إنسانًا يصل إليك بمعدل 60 كادرًا في الثانية، فهو يصل للذبابة على 250 كادرًا في الثانية، ولذلك تستطيع الهروب منك في كل مرة، ويطلق على تلك الطريقة في الرؤية اسم «حد اندماج الوميض»، وكلما كان الكائن الحي أصغر، كان حد اندماج الوميض لديه أبطأ حتى يمكنه من التعامل مع الكائنات الأكبر حجمًا منه؛ باعتبار ذلك وسيلة من وسائل البقاء.

وهناك أكثر من نوع من الذباب يمكن أن تقابله في منزلك، فالذبابة الأصغر من المعتاد غالبًا ما تكون ذبابة الفاكهة، وغالبًا تلك الذبابة لا تجذبها رائحة البشر بل رائحة الخميرة، ولذلك قد ينجذبون إلى أي شيء متخمر في منزلك، مثل السكر والفاكهة والخميرة، أو حتى الصابون ومستحضرات التنظيف التي تتضمن رائحة الفواكه.

هناك ذباب آخر أكبر قليلًا من الذبابة العادية وله أجسام صلبة بعض الشيء ويكون لونه أخضر أو أزرق ويكون أزيزه عاليًا، وتستطيع أن تسمع صوت اصطدامه بالنافذة، وهذا الذباب له خطورة على الحيوانات في منزلك، لأنه يضع بيضه على الحيوانات، ويعتبر واحدًا من أهم أسباب تواجد اليرقات في أجسام الحيوانات، والتي تتسبب في نقلهم إلى المستشفى.

لماذا لا يجب أن تسمح للذباب بالوقوف على طعامك؟

كما ذكرنا سابقًا؛ الذباب يقف على الأجسام أو على الطعام للحصول على وجبة غنية بالكربوهيدرات والأملاح، وطريقة تناوله للطعام تتطلب منه أن يخرج من جسده السائل الهاضم الذي تحدثنا عنه سابقًا والذي يصفه بعض العلماء باسم «قيء الذباب»، وعندما تقف الذبابة على الطعام، وتراها وكأنها تفرك يديها، فما تفعله في هذا الوقت هو إخراج هذا السائل ليسهل عليها تناول الطعام الذي تقف عليه.

يعد الذباب حاملًا للجراثيم على قدميه، والتي يمكن أن ينقلها للإنسان بسهولة، وأنت لا تريد أن تصل الجراثيم الموجودة على أقدام الذباب إليك، فما بالك بالجراثيم الموجودة داخل أمعائها، والتي قد تفرزها على طعامك ليكون أسهل للذبابة في تناوله، خاصة وأن الذباب المتواجد في منزلك، لا يملك أسنانًا يمضغ بها الطعام.

المكان الذي يقف فيه الذباب يتحول حرفيًا إلى دورة مياه بالنسبة له، يتغوط فيه ويضع البيض ويتقيأ أيضًا، ولذلك يجب ألا تترك الطعام عاريًا في منزلك، وإذا كان لديك حيوان أليف، تأكد أن مكان قضاء حاجته بعيد عن متناول الذباب، لأنه سيكون المكان الأفضل للذبابة لوضع بيضها، ومن ثم لا تترك طعام حيوانك الأليف في وعاء على الأرض.

ولحماية نفسك من أضرار الذباب، عليك أيضًا التأكد أن سلة القمامة في منزلك نظيفة من الخارج، لأنه واحد من الأماكن المفضلة للذباب نظرًا لتراكم بواقي الطعام عليه، تأكد أيضًا من عدم وجود أي ثقوب بجوار النوافذ المغلقة لأن الذباب يستغلها للدخول إلى منزلك.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فالذباب – بجميع أنواعه – يمكنه نقل بعض أنواع العدوى المعوية مثل الإسهال، والزحار، والتيفود، والكوليرا، وبعض أنواع العدوى بالديدان الطفيلية، بجانب التهابات العين، وبعض أنواع العدوى الجلدية مثل الداء العليقي، والدفتيريا الجلدية والجذام.

هل هناك فوائد للذباب؟

مثله مثل أي كائن حي على كوكب الأرض، يحتل الذباب مكانة في النظام البيئي، فهو فريسة ومفترس، ويقوم بدور مهم في السلسلة الغذائية، إذ يُعد مصدرًا غذائيًّا مهمًّا للعديد من الطيور والأسماك والثدييات والحشرات الأخرى مثل العناكب، كما تتغذى أنواع الذباب على بعض أنواع اليرقات، وبالإضافة إلى دورها في السلسلة الغذائية، فإن الذبابة لها دور أيضًا في تلقيح العديد من أنواع النباتات، مثل الكاكاو والنعناع، والزنجبيل. 

الذباب أيضًا يعمل في الطبيعة واحدًا من أفراد طاقم التنظيف الطبيعي، على سبيل المثال؛ الذباب يضع بيضه في الجثث المتحللة، حيث تتغذى يرقاته على اللحم المتحلل، ما يساعد على تكسير المواد العضوية في الجثة وهذا السلوك قد ساعد البشر في مجال الطب الجنائي، فمن خلال تحليل عمر اليرقات الموجودة في الجثة، يمكن التنبؤ بوقت وفاتها.

ولكن تلك الفوائد التي يقدمها الذباب للطبيعة، لا تتطلب منك أن تحتفظ به في منزلك، فالتخلص من الذباب المنزلي هو الأكثر أمانًا لصحتك وصحة أسرتك، وترك الطعام غير مكشوف أمر مهم في حالة تسلل ذبابة إلى منزلك ولم تلاحظها، كما يمكنك استخدام المبيدات التي تتخلص من الحشرات، مع الحرص على عدم تعريض طعامك وشرابك لهذه المبيدات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد