مع دخول السنة الأخيرة للعهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة في حكم الجزائر؛ يتصاعد الصراع حول مسألة من سيخلف الرئيس الجزائري في الرئاسة؛ فما بين دعوات البعض للجيش الجزائري بالتدخل؛ وإعلان الجيش نفسه النأي بالنفس عن مسألة الخلافة؛ وإبقاء دوره في مسألة حماية الحدود الجزائرية من التهديدات الخارجية المحدقة بها؛ وما بين الأطروحات والتكهنات التي تطرح اسم قائد الأركان الجزائري الفريق «أحمد قائد صالح» باعتباره مرشحًا وخليفة محتملًا لبوتفليقة؛ تختلف أدوارُ الجيش الجزائري في الدائرة الضيقة الصانعة للقرار في الجزائر؛ لكن الأنباء المسربة مؤخرًا عن رفض القايد صالح لحركة محتملة لتغييرٍ واسعٍ في قيادة النواحي العسكرية التي يريد بوتفليقة بحكم منصبه وزيرًا للدفاع وقائدًا أعلى للقوات المسلحة أن يجريها؛ تعيد للساحة الجدل عن مؤسسة الجيش الجزائري وما الذي يحدث بها، وفي هذا التقرير نحاول وضعك في صورة الأحداث.

اقرأ أيضًا: 5 أسباب لاستمرار بوتفليقة في الحكم

القايد صالح.. ذراع بوتفليقة الأيمن الذي يريد الشقيق إزالته

في الوقت الذي كانت تعيش الجزائر فيه على وقع حربٍ أهليةٍ شربت من دماء الجزائريين حتى الثمالة؛ لمع شمسُ الفريق «أحمد قايد صالح» بعد أن تمّ تعيينه على رأس القوات البرية الجزائرية في ذروة الحرب سنة 1994، جعل هذ المنصب الذي مكث فيه الفريق قايد صالح أكثر نضجًا بالنسبة للرئيس بوتفليقة بحكم نجاحه رفقة الفريق «محمد العماري» قائد الأركان آنذاك في القضاء على الإرهاب وترسيخ مشروع الوئام المدني الذي جاء به بوتفليقة، هذا الأداء الرائع من قايد صالح جعل منه في ما بعد الذراع الأيمن لبوتفليقة وواحدًا من أقرب الشخصيات له.

الفريق أحمد قايد صالح رفقة السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس

اقرأ أيضًا: كيف تحولت الجزائر من بلد الموت إلى واحدة من أكثر 10 دول في العالم أمنًا؟

ولد الفريق أوّل «أحمد قايد صالح» يوم 13 يناير (كانون الثاني) من سنة 1940 ببلدة «عين ياقوت» بولاية باتنة شرقي الجزائر، وبحسب سيرته على بوابة الوزارة الأولى الجزائرية فقد التحق شابًا بصفوف جبهة التحرير،ليتمّ تعيينه قائد كتيبةٍ على التوالي بالفيالق 21 و29 و39 لجيش التحرير الوطني،وبعد الاستقلال تلقى تكوينًا عسكريًا بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يرقى لرتبة لواء سنة 1993، وبعده وفي عزّ الحرب بين الجيش الجزائري والمسلحين غداة إعلان الجيش توقيف المسار الانتخابي بعد فوز حزب «جبهة الإنقاذ» الإسلامية بالانتخابات؛ عين قائدًا للقوات البرية الجزائرية، ليواصل مهامه بنجاح وسط دعمٍ من كبار الجنرالات في الجزائر نظرًا لحساسية المرحلة والانتقادات التي كانت توجه للجيش الجزائري في ذلك الوقت لأرقام الضحايا الهائل الذي كان يسجل بعد كل عملية للجيش الجزائري ضد المسلحين.

 لكن الجنرال «خالد نزار» وزير الدفاع الأسبق وواحدٌ من أهمّ جنرالات الجيش في مرحلة العشرية السوداء، انتقد بشدة الفريق القايد صالح بسبب سنِّ الفريق القايد صالح لقانونٍ يمنع العسكري عن الإدلاء بأي تصريحٍ من شأنه أن يخلّ بسلطة المؤسسة العسكرية وسمعتها، وقال الجنرال نزار  عن خطوة القايد صالح بأنّ «قائد أركان الجيش يقوم بعكس ما تنص عليه مسودة هذا القانون، عندما قام بإقحام المؤسسة العسكرية في المعترك السياسي وهذا تناقض خطير يفقد كل شرعية عن مشروع القانون».

وبعد انتخاب بوتفليقة في ربيع سنة 1999 استمر القايد صالح في منصبه قائدًا للقوات البرية ومقربًا من بوتفليقة إلى أن تمت ترقيته قائدًا للأركان سنة 2004، بعد استقالة قائد الأركان السابق محمد العماري، ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم يستمر القائد صالح في منصبه باعتباره ذراعًا أيمن لبوتفليقة.

على جانب آخر، كان الجنرال محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق رئيس المخابرات الجزائرية السابق، من بين أكثر خصوم القايد صالح في دائرة السلطة؛ وبمجرد تعيينه من طرف بوتفليقة نائبًا لوزير الدفاع بدأ القايد صالح في توسيع مجال تدخله من خلال نشاط المديرية المركزية لأمن الجيش، التي تعتبر بمثابة جهاز مخابرات ثانٍ، ما أفضى إلى صراعٍ بينه وبين الجنرال توفيق أنهاه بوتفليقة بقراره إقالة الفريق مدين وحلّ جهاز المخابرات وإرفاقه بالجيش.

القايد صالح في زيارة إلى فرنسا سنة 2017

لم تخل سيرة الفريق «أحمد قايد صالح» من الاتهامات بالفساد، فقد نشر موقع «ويكيليكس» الشهير عام 2010 وثائق سريةٍ تخص الدبلوماسية الأمريكية، تحدثت عن فساد في المؤسسة العسكرية الجزائرية. وقالت الوثائق «إن رئيس أركان القوات المسلحة الفريق «أحمد قايد صالح» ربما يكون أكثر المسؤولين فسادًا في الجهاز العسكري».

اقرأ أيضًا: الجزائر كانت أولهم.. هذه الدول قد تشهد انقلابات قبل نهاية 2017

الجيش الجزائري.. توبةٌ نصوحٌ عن السياسة والانقلاب

مثّل ترشّح وفوز الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» رغم مرضه بالعهدة الرابعة رئيسًا للجزائر النقطة التي أفاضت الكأس، فخرجت وقتها مسيراتٌ ومظاهرات مناهضة لبوتفليقة لأول مرةٍ تجوبُ العاصمة الجزائرية وسط قمعٍ واعتقالاتٍ شنتها السلطات الأمنية الجزائرية، لتتوسّع بذلك حملات المطالبة بالاستنجاد بالجيش الجزائري ومطالبته بالتدخل والانقلاب على بوتفليقة، جاءت تلك المطالبات على شكل مناشدات من أحزابٍ وشخصياتٍ سياسيةٍ وتنظيماتٍ مدنيةٍ، مثل حزب «جيل جديد» بقيادة المعارض «جيلالي سفيان»، و«طلائع الحريات» بقيادة رئيس الحكومة الأسبق «علي بن فليس»، ووزير التجارة السابق «نور الدين بوكروح» والكاتب الإعلامي «أحميدة العياشي»، الذين طالبوا الجيش الجزائري بالتدخل لتفعيل مطلب تطبيق بند المادة 102 من الدستور والتي تنص صراحة على أنه: «إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبًا، وبعد أن يتثبّت من حقيقة هذا المانع بكلّ الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التّصريح بثبوت المانع».

ردُّ الجيش الجزائري على هذه المطالبات جاء على لسان الفريق أحمد قايد صالح بأنّ مؤسسة الجيش «لن تحيد عن مهامها الدستورية»، وأكدت مجلة «الجيش» الصادرة عن المؤسسة العسكرية في  افتتاحيتها لشهر سبتمبر الماضي: «لكل من يطالب سرًا أو جهارًا أو ضمنيًّا بالانقلابات العسكرية، نذكره بما قاله الفريق نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح، خلال زياراته الأخيرة لكل من الناحية العسكرية الثانية (غرب) والخامسة (شرق)؛ سيظل جيشنا جمهوريًّا، ملتزمًا بالدفاع عن السيادة الوطنية، وحرمة التراب الوطني، وحافظًا للاستقلال ولن يحيد عن مهامه الدستورية».

جديرٌ بالذكر انّ الجيش الجزائري قام بإلغاء النتائج البرلمانية سنة 1991؛ والتي عرفت فوز الإسلاميين بغالبية المقاعد في البرلمان، قبل أن يعلن بسط سيطرته على الحكم مشكلًا مجلسًا أعلى للحكم بقيادة وزير الدفاع الجنرال خالد نزار، كما كانت المؤسسة العسكرية طيلة الفترة من الاستقلال إلى سنة فوز بوتفليقة بالرئاسة تعرف بصانعة الرؤساء، نتيجة أنّ جلّ الرؤساء في الجزائر قدموا من المؤسسة العسكرية.

اقرأ أيضًا: كيف انتهى «صانع الرؤساء»؟ 5 أسئلة تشرح لك ما يقع في الجزائر

أبو بكر البغدادي.. الرجل الذي يمنع الجيش من التفكير في السياسة

في تقريرٍ لها ذكرت صحيفة «ذا صن» البريطانية إن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، «أبوبكر البغدادي»، غادر العراق ويحتمل جدًا تواجده على الحدود بين الجزائر والنيجر؛ وأوردت الصحيفة، نقلًا عن خبراء أمنيين، أن البغدادي غادر قارة آسيا بالكامل وتوجه إلى أفريقيا «لإعادة إحياء ثروات تنظيمه»، مشيرة إلى أن «البغدادي هرب من العراق بعد أن انهزمت داعش في كلٍ من الرقة والموصل»، لافتةً: «يُعتقد أنه يختبئ في الصحراء الأفريقية، وبالمثلث الحدودي بين الجزائر وليبيا والنيجر»؛ وعززت الصحيفة البريطانية تقريرها بتصريح لـ«ناجح إبراهيم»، الزعيم السابق للجماعة الإسلامية في مصر، بقوله «إن البغدادي يمكن أن يكون في مكان ما مثل شمال تشاد أو المنطقة الحدودية بين الجزائر والنيجر».

البغدادي على حدود الجزائر

وبهذا التطور الذي يعتبر تهديدًا خطيرًا على أمن الجزائر، يكون الجيش الجزائري بقيادة الفريق «أحمد قايد صالح» الذي وضع الدفاع عن الحدود الجزائرية أولوية لقيادته في وضعٍ متأهبٍ تجنبًا لأي هجماتٍ عنيفة قد يشنها البغدادي وأعوانه على الجزائر، وكانت قيادة الجيش الجزائري تمكنت مطلع سنة 2013؛ من صدّ هجومٍ إرهابي على منشأة تيقنتورين النفطية بعد أن سعى «تنظيم القاعدة في  بلاد المغرب الإسلامي» من خلالها  إلى احتجاز رهائن، لتردّ قيادة الجيش الجزائري بالهجوم الذي قضى على المهاجمين. جديرٌ بالذكر أنّ الجزائر رفضت طلبًا أمريكيًا العام الماضي من أجل مشاركة وحدات عسكرية جزائرية في عمليات ملاحقة لمجموعة مسلحة بايعت في 2015 تنظيم «داعش» على الأراضي النيجيرية.

اقرأ أيضًا: الجزائر.. هل الرئيس بوتفليقة موجود فعلًا؟

القايد صالح يجهض تغييرات أرادتها الرئاسة في الجيش.. هل اقتربت النهاية؟

ذكر موقع «سهم الجزائر Algerie Part» الناطق بالفرنسية في تقريرٍ له أن مصالح الرئاسة الجزائرية أعدت قائمةً باسم قيادات النواحي العسكرية الستة (وهران، قسنطينة، بشار، البليدة ، ورقلة، تمنراست) ليتم تغييرهم بقيادات جديدة، غير أن هذا التغيير تم منعه من طرف الفريق قايد صالح في آخر لحظة، وبحسب التقرير؛ فإن مصادر موثوقة أكدت إن الفريق قايد صالح عارض بشدة قائمة التعيينات الجديدة التي أرادتها مصالح الرئاسة، في وقتٍ أرجعت فيه مصادر أمنية اعتراض القايد صالح عن هذه التعيينات إلى الصراع الخفي بين القايد صالح وشقيق الرئيس «السعيد بوتفليقة» الذي يتّهمُ من طرف البعض بأنه يختطف قرارات الرئيس، والتي كان آخرها قرار إلغاء قانون الخوصصة الذي أقره الوزير الأوّل أحمد أويحي.

وأضاف التقرير أن مصادر أخرى لم يسمها أكدت أنّ هذه التوترات بين القايد صالح والسعيد بوتفليقة الممثلين مؤسسة الجيش والرئاسة على التوالي هي محادثات لازمة للتوصل إلى توافقٍ في الآراء بين بشأن قرار يحدد مهمّة الجيش، العمود الفقري للدولة الجزائرية.

في وقتٍ ختم فيه التقرير بأن مسألة خلافة القايد صالح هي لبُّ الخلافِ بين مؤسستي الرئاسة والجيش، إذ طرح اسم «الحبيب شنتوف» قائد الناحية العسكرية الأولى باعتباره خليفةٍ للقايد صالح في مصلحة الأركان، جديرٌ بالذكر أن المرحلة الأخيرة شهدت ترويج شائعاتٍ عن قرب إقالة بوتفليقة لذراعه الأيمن الفريق القايد صالح؛ في وقتٍ ذكر فيه تقريرٌ برلمانيٌ فرنسي أن الفريق القايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني وقائد أركان الجيش الجزائري، «يعتبر المرشح المحتمل لخلافة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة؛ على رأس البلاد».

اقرأ أيضًا: لماذا لم ينقلب الجيش الجزائري على بوتفليقة رغم عجزه؟ هذه الأسباب تشرح لك!

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد