إحدى الصور النادرة لمن يسميه الجزائريون الجنرال توفيق القائد المهاب لمديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية منذ خمسة عشر سنة والذي يخوض صراع نفوذ شرس مع الرئيس بوتفليقة.

 

تاريخ من السرية و الغموض

لقد أصبح غموض النظام الجزائري أهم سمة مميزة و ليس أدل عليها من أن الجزائريين غدًا سينتخبون رئيسًا لهم مرشحًا مختفيًا لم يظهر – لأسباب صحية – طيلة الحملة الانتخابية.

يعيش الجزائريون منذ الاستقلال تحت الوصاية الثقيلة لجهاز المخابرات الذي لا يعرفون أسماء قادته ولا وجوههم. كان هذا الأمر صحيحًا بالنسبة لـ”قاصدي مرباح” الرجل القوي للأمن العسكري.

SM

التسمية السابقة للمخابرات في ذلك الوقت، وقت الرئيس هواري بومدين الذي لم يتعرف الناس على شخصه إلا عشية تكليفه برئاسة الوزارة أواسط الثمانينات.

كما يبقى هذا الأمر صحيحًا بالنسبة للجنرال محمد مدين المدعو توفيق الذي يقود منذ سبتمبر 1990 مديرية الأمن والاستعلامات الذي خلف الأمن العسكري.

DRS

شكل هذا الجهاز لمدة طويلة الحكومة الفعلية تحت واجهة الحكومات المدنية المتعاقبة.

 

غموض وسرية النظام الجزائري لم تكن يومًا رغبة شخصية لأفراده و إنما تضرب جذورها في عمق تاريخه منذ الرئيس بومدين أو بالأصح في حرب الاستقلال في معاقل المقاومة.

كان يحلو لبومدين ثاني رئيس حكم البلاد ترديد عبارة نظام لا يزول بزوال الرجال. من هنا نشأ و بصورة مستدامة الغموض الذي يشوب آليات اتخاذ القرار السياسي الذي يكون في الغالب جماعيًا داخل المؤسسة العسكرية – قوات مسلحة و أجهزة استخبارات – لما يتعلق الأمر بالقضايا الحيوية.

طريقة العمل هذه حيرت في أحيان كثيرة المتابعين للشأن الجزائري الذين يعجزون في غالب الأحيان عن الإجابة عن سؤال من يسير الجزائر، بهذا الصدد نقلت أسبوعية جون أفريك جواب وزير جزائري لنيكولا ساركوزي لما سأله لماذا يشوب بلدكم كل هذا الغموض؟ فكان رد الوزير لأن الغموض تحديدًا هو ما يصنع قوة النظام.

 

دفعة السجاد الأحمر

في رأس هرم هذا النظام الغريب يجلس محمد الأمين مدين رئيس مديرية الأمن والاستعلامات، إنه أقوى رجل في الجزائر وأقلهم شهرة. الأحرف الثلاثة للجهاز الذي يحكمه تثير شتى أنواع الإشاعات والأساطير.

لا يوجد لدينا إلا صورة أو اثنتين للجنرال توفيق، وهو أمر من شأنه أن يزيد من غرابة هذه الشخصية وهيبتها .

قبل سنوات قليلة كان الجزائريون يخفضون أصواتهم لما يأتون على ذكر هذا الاسم، فماذا نعرف عنه؟

ولد سنة 1939 في منظقة القبائل الصغرى في ولاية سطيف وقضى طفولته في حي بولوغين غرب الجزائر العاصمة.

التحق و هو شاب في فترة حرب الاستقلال بصفوف جيش التحرير، إنه أحد آخر أربع ضباط في الخدمة في الجيش الجزائري قاتلوا في حرب الاستقلال.

بعد 1962 – سنة الاستقلال – بقي في الخدمة وكان ضمن من يسمون في الجزائر دفعة السجاد الأحمر وهم دفعة تخرجت في مدارس الكي جي بي ومختلف أجهزة الأمن السوفييتية.

بعد عودته كان مستقبله مرسومًا، فشغل عدة مهام:

– رئيس شعبة الاستخبارات في الناحية العسكرية الثانية في الغرب الجزائري، والتي سيصبح رئيسها لاحقا رئيسا للجمهورية الشاذلي بن جديد.

– ملحق عسكري في ليبيا.

– مسؤول الأمن الرئاسي تحت الرئيس الشاذلي بن جديد

– ثم شغل بعدها أحد أهم المناصب في جهاز المخابرات وهو مدير أمن الجيش لما كان على رأس الجهاز محمد بتشين.

في سبتمبر 1990 غادر محمد بتشين رئاسة الأمن العسكري ليخلفه على رأسه برتبة جنرال محمد مدين بصورة مؤقتة لكن بعد أربع وعشرين سنة لازال على رأس هذا الجهاز الذي غير اسمه إلى مديرية الأمن والاستعلامات و تم إلحاقه مباشرة برئاسة الجمهورية.

عند بداية تأسيس الأمن العسكري الذي كان يخشاه بومدين كما كان يخشى سلفه في حرب التحرير أراد صرفه عن سيطرة قيادة الأركان ليستطيع مراقبتهم جميعًا: الجيش والمخابرات.

في ديسمبر 1991 لما كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على وشك الفوز بالانتخابات البرلمانية كان الجنرال مدين من ضمن مجموعة من القادة العسكريين ضمت قائد الأركان الجنرال خالد نزار ((الاستئصاليون)) – نسبة إلى استئصال الحركة الإسلامية – نظمت الانقلاب ضد الرئيس الشاذلي بن جديد. تم إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات و تم اعتقال عشرات الآلاف من الإسلاميين وتم تعيين واجهة مدنية للنظام أطلق عليها المجلس الأعلى للدولة رئاسة جماعية يتداول عليها بصورة دورية أعضاء المجلس. أمسك ((الاستئصاليون)) بخيوط القرار السياسي طيلة سنوات الدم التي عرفتها البلاد.

لم تنته الحرب الأهلية إلا مع وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم، لقد طلب منه العسكريون الترشح ليصبح أول رئيس مدني يحكم البلاد.

 

حيوان من ذوي الدم البارد

خلال سنوات الحرب الأهلية حوّل توفيق مديرية الأمن والاستعلامات إلى دولة داخل الدولة. احتل الجهاز دورًا رائدًا في الحملة على الإسلاميين خلال العشرية السوداء، في التسعينات قام الجهاز باختراق والتلاعب في عدة جماعات إسلامية مسلحة. كما عارض بشدة كل محسوب على النظام أو المعارضة سعى لحل تفاوضي مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

كما قام الجهاز بالتحكم في الإعلام و زرع أعضائه في مختلف المناصب العليا في الإدارة والشركات الكبرى وحتى الأحزاب السياسية. حسب بعض الإحصائيات فإن عدد منتسبي الجهاز يبلغ مئة ألف عميل.

يتمتع الجنرال مدين بشبكات في شتى الأوساط و في كافة أنحاء البلاد. متابع نهم لكرة القدم ومحب للسيجار قليل الكلام ونفور من المناسبات الاجتماعية، مشهور عنه هدوؤه وانطوائيته. حيوان من ذوي الدم البارد محبوب لدى مساعديه الذين يدينون له بالوفاء. قوته و نفوذه جعلا علاقته بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة معقدة، رجل يريد استرجاع صلاحيات الرئاسة و الانفراد أحيانًا بالقرار.

بالنسبة لمديرية الأمن و الاستعلام فإن سلطة أول رئيس مدني يجب أن تبقى تحت رقابة المؤسسة العسكرية وألا تتجاوز قصر المرادية – قصر الرئاسة – عدة مرات قام عبد العزيز بوتفليقة بالحد من سلطة الجيش ورده إلى ثكناته و فرض الرقابة السياسية عليه.

في سنة 2004 لما اعترض رئيس أركان الجيش بصورة شبه علنية على ترشح بوتفليقة مجددًا و دعم منافسه علي بن فليس – حينها مثل يومنا هذا – طالب بوتفليقة باستقالة محمد العماري الذي تم استبداله برجل محل ثقة الجنرال محمد قايد صالح الذي مازال يشغل منصبه إلى الآن.

بقيت مديرية الأمن والاستعلامات، بقي الجنرال مدين محتفظًا بكل مظاهر الولاء للرئاسة. في المقابل حاول الرئيس عدة مرات عزله عن مهامه لكن دون جدوى، وفي المقابل رد الجهاز بسلسلة من التحريات بحجة مكافحة الفساد طالت المقربين من الرئيس مثل المدير العام السابق لشركة النفط الحكومية ووزير الطاقة شكيب خليل. تم اعتقال بعض المسؤولين.

لكن يبقى بوتفليقة وتوفيق يمسكان بعضهما بعضا في مواضع الألم، لا يمكن لأحدهما أن يستمر دون الثاني.

سنة 2004 دعم توفيق ترشح بوتفليقة ثم بعدها في 2009 كما دعم في 2008 التعديل الدستوري الذي سمح له بالترشح مجددًا.

 

من سيموت أولًا

في الأشهر الأخيرة – نهاية 2013 – كان يبدو أن الجنرال مدين لا يرغب في ترشح الرئيس في حالته الصحية تلك لعهدة رابعة. بداية الصيف الماضي بدأت حرب مبطنة بين مديرية الأمن و قيادة أركان الجيش الموالية للرئيس – ليس هذا حال كل الجيش – وحملت قيادة الأركان المديرية مسؤولية الفشل الذريع المتعلق بالتنبؤ و التعامل مع الهجوم الإرهابي على إحدى أكبر المنشآت الغازية في عين أمناس في الجنوب الجزائري.

خلفت عملية خطف الرهائن هذه موت العشرات من العمال. لقد اتهمت مديرية الأمن و الاستعلام بعدم تتبع حركات الجماعات الإرهابية و التنبؤ بالهجوم.

كان الجنرال قايد صالح يقصد بنقده هذا أن يركز الجهاز عمله في جوهر مهامه وهي الاستخبارات و أمن البلاد و ألا يتدخل في ألاعيب السياسة.

يلعب بوتفليقة على المنافسة بين المؤسستين التين يهدف إلى فرض الرقابة عليهما. في سبتمبر 2013 تمت إعادة هيكلة الجهاز بحل بعض المصالح و نقل أخرى إلى وصاية قيادة الأركان.

 

في يناير 2014 وصل الوضع لحافة الهاوية عندما كان الرئيس بوتفليقة يستعد للإعلان عن ترشحه لعهدة رئاسية رابعة أصدر الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني – الموالي للرئيس – تصريحات نارية في الصحافة يتهم فيها مديرية الأمن و الاستعلام بالحيدة عن مهامها واشتغالها بالسياسة مع ذكر اسم رئيس الجهاز ومحملا إياه مسؤولية أي عمل عدائي يطاله، أمر لم يسبق له نظير في السياسة الجزائرية. انتشر الخوف و القلق بين الجزائريين الذين لم يتعودوا على انتشار مثل هذا الجدل في هرم السلطة في الصحف.

في فبراير عقد اجتماع للضباط السامين للجيش تقرر بعده إحالة عدد من مسؤولي مديرية الأمن و الاستعلام للتقاعد، من بينهم أقرب مساعدي الجنرال توفيق، بعدها عادت المياه إلى مجاريها.

ماذا سيحدث غدًا بين الرجال الثلاثة الأقوياء في النظام الجزائري؟ ثلاثتهم ينتمون لنفس الجيل، سبعينيون عليهم أن يسلموا مهامهم مهما طال الأمد. سيتم إعادة انتخاب عبد العزيز بوتفليقة بينما تضج العاصمة الجزائر بإشاعات مفادها تقاعد قايد صالح من على رأس الجيش الذي لا ينوي التقاعد بمفرده – نحن الآن في أكتوبر 2014 لم تتحقق هذه الإشاعة – من سيذهب أولًا؟ من سيخلفهم؟ يريد الجزائريون أن يعلموا هل سينتج التغيير في الرجال تغييرًا في النظام؟ لكن لا يصدقون هذا كثيرًا.

نظام لا يزول بزوال الرجال، هكذا كان يردد بومدين.

المصادر

عرض التعليقات