وهكذا قُدِّمت محاكم التفتيش على أنها بشكلٍ أو بآخر، مؤسسة القانون الإلهي التي تظلّ فوق كل المؤسسات البشرية

وهكذا قُدِّمت محاكم التفتيش على أنها بشكلٍ أو بآخر، مؤسسة القانون الإلهي التي تظلّ فوق كل المؤسسات البشرية

*جوزيف بيريز، مؤلف كتاب التاريخ الوجيز لمحاكم التفتيش في إسبانيا

  1. في منتصف القرن الثالث عشر قُدِّمت امرأة فاتنة إلى المحاكمة، كانت تهمتُها أنَّها ساحرة، تُضاجعُ الشَّيطانَ وتقومُ على تحقيقِ مخطَّطاته. كانت التحقيقات تتمّ بلا أية رحمة، كانت المرأة جميلة، اجتذبت عيون المحقِّقِينَ وقبل هذا اجتذبت شهواتهم الجنسيَّة، ولمعاقبتها على أنَّها جميلة وأنَّها أثارت شهوتهم بدأوا في تعذيبها من خلال تمزيق بعض أعضائها الجنسيَّة. في النهاية حلقوا شَعرَ جَسَدِهَا ورأسها جميعًا وبحثوا عن علامة الشَّيطان في جَسدِهَا، لينتهي أمرها بحرقها لأنَّها تَعَاونَتْ مَعَ الشَّيطان. كانت هذه أبرز محاكمُ التَّفتِيشِ التي رعتها الكنسية الكاثوليكية في أوروبا.
  2. في نهايات القرن الخامس عشر، كان الملك فيرناندو الثاني وزوجته الملكةإيزابيلا الأولى ملكا إسبانيا، قد قرَّرَا ثلاثة قرارات متكاملة وفقًا للفرنسيّ جوزيف بيريز، فأولًا: سيقومون بإنشاء محكمة تفتيش في إسبانيا بموافقة البابا. ثانيًا: سيطردون اليهود من إسبانيا، وثالثًا: سيجبرون مسلمي إسبانيا على اعتناق الكاثوليكيَّة. بالطبع كانت محكمة التفتيش هي يدُّ المَلِكَان الطُّولى لتعذيب وقتل وحرق اليهود والمسلمين، ثمّ طردهم بعد ذلك فقط لأنَّهم لم يعتنقوا المسيحيَّة عن ظهر قلب وظَهَرَ منهم أنهم لا زالوا يهودًا ومسلمين. وبالطبع كانت محكمة التفتيش هي المنوطة فقط بالتحقيقات وبالحكم النهائيّ.

إحدى محاكمات الساحرات


الهرطقة

استُخدم مصطلح الهرطقة لوصم بعض الأفكار أو المعتقدات التي تُزَعِزع معتقدات أخرى ثابتة ومستقرَّة، أو تفسيرات أخرى في الدين. استخدمت اللَّفظة في المجال الدينيّ تحديدًا، وتعتبر وصمًا كما سنرى، حيث تُقَرِّرُ السلطة الثيوقراطية في أية دولةٍ كانت أن تحاكم «الأغيار» وبعض المعارضين بتهمة الهرطقة في الدين والمعتقد. استخدم المصطلح تحديدًا في السياق التاريخيّ للمسيحية أكثر منهُ في غيرها من الأديان والثقافات. فقد كانت التُّهمة الرئيسية في محاكم التفتيش هي الهرطقة (أو الارتداد عن المسيحيَّة). في هذا التقرير سنعرض لثلاثة نماذج من محاكم التفتيش.

1. السَّاحرات يضاجعنَ الشَّيطان ويخرِّبن مملكة الربّ

عرفت أوروبا في القرون الوسطى ذُعرَ الكنسية الكاثوليكيَّة من السَّحر والشعوذة. في القرن الخامس عشر الميلادي أقرَّت الكيسة وجود السحر وأوجبت محاربته باعتبارهِ هرطقة، وباعتبارهِ صوت الشيطان. جرت العادة في هذه العصور أنه كلما حدثت مصائب وكوارث طبيعيَّة كانت أصابع الاتهام تشير بالضرورة إلى السِّحر والشعوذة، كان أغلب المتهمين بالسحر هنّ النساء، لذلك كنّ هن اللاتي يضاجعنَ الشيطان ويتواصلنَ معهُ ويرضعن أولاده السريين منها.

لم تكن الاتهامات تخضع للتحقيقات بأيّ شكلٍ من الأشكال، فيمكن للجيران أن يتهموا بعضهم وسيأتي المحققون دون أن يحققوا ليقيموا عدالة السماء في هذا المهرطق أو تلك المهرطقة. كان التأكُّد من ضُلُوع المتَّهم في السِّحر من عدمه يتمّ بطريقة غريبة هي الأخرى. فكانت المحكمة تقوم بإغراق المتهمة في الماء فإن طفت فوق سطح الماء فهي كافرة ومهرطقة، لأنّ الماء طاهرٌ وسيلفُظُ الشيطانَ من داخِلِهِ بالطبع.

استُخدمت أبشع آلات التعذيب التي كانت تُجبِرُ المتهمات على الاعتراف بما لم يقمن به من شدَّة التعذيب. كان المحققون يشتهُّون النساء المعذَّبات، وكان عقابهم للنساء قاسيًا باعتبار أن هذه الشهوة إنما تسلطها الساحرات المهرطقات عليهم فيزدادون قسوةً في التنكيلِ بهنّ. وقد استُعمِلت آلات للتعذيب كثيرة للغاية. أحدها – والمفضلة لديهم في التعذيب – تسمَّى “كمثرى العذاب The Pear of Anguish“. كانت هذه الأداة تُشبِهُ الكمّثرى ولها أربعة أضلاع قابلة للفتح بالتدريج البطئ. يتمّ إدخالها في شرج أو مِهبَل الضَّحية إلى مسافة مناسبة ثم يقوم المحقق بفتحها داخل الشرج أو المهبل فتنشُبُ الأسنان الحادة لهذه الأداة داخل الجسد ويقوم بسحبها ببطءٍ وهي مفتوحة لتمزِّقَ الجدار الداخلي في طريق خروجها لعضو المتَّهمة. لم يكن هذا التعذيب الجنسيّ سوى نوعٍ واحد من أنواعٍ أخرى عديدة. هل يمكن بعد هذه المعلومات أن نسأل إن كان هناك سحرٌ بالفعل يقوم بكل هذه الأشياء المريعة في مملكة الرَّب؟ وهل يستدعي كلّ هذه الاتِّهامات والتعذيب؟ أم أنّ التعذيب والمبالغة فيه جعل الضحايا يعترفون بما لم يقترفوه؟

آلة كمثرى العذاب

خلال الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى الثامن عشر تمّ حرق ما بين 30 إلى 60 ألف شخص في أوروبا بتهمة ممارسة السحر والشعوذة. كانت نسبة الضحايا النساء من هذه الحملات 70%. وفي عام 1782 في مدينة غلاروس تم حرق المتهمة أنا غولدي لتصبح بهذا آخر من يُنفَّذ عليهِ الحكم في سويسرا وأوروبا. وتم رد اعتبارها المعنويّ عام 2008 في سويسرا.

2. الإمبراطور يتخلَّص من فُرسان المعبد بتهمة الهرطقة

في عام 1129 صدَّقت الكنسية الكاثوليكية في أوروبا على تأسيس تنظيم «فُرسان الهيكل»، كان التَّنظيم رُهبانيًّا يهدُف لحماية الحجيج المسيحيين الذاهبين إلى الأراضي المقدَّسة «القدس». وافق ملك القدس حينها «بلدوين الثاني» على الاقتراح الذي قدَّمه الفارس هيوجز دي بانز، وأعطى التنظيم مقرًّا له بجواره، في جناحٍ خاصّ بالقصر الملكيّ في جبل الهيكل بالقدس، ومن هنا اشتهر التنظيم باسم «فرسان الهيكل». وجودهم بالقدس واستيطانهم على جبل الهيكل جعلهم يستلهمون اسمهم «الجنود الفقراء للمسيح ومعبد سليمان»، لكن الجنود الفقراء لم يكونوا أبدًا فقراء.

طارت شهرة الفرسان، خصوصًا أنَّهُم كانوا ذوي قوَّة ونفوذ كونهم شاركوا في الحملات الصَّليبيَّة بقوَّة وساعدوا الجُيُوشَ النِّظامية في الانتصار عدة مرات، حيث كان فرسانهم الذين يرتدون زيًّا ودروعًا بيضاء إشارةً للنقاء والصليب الأحمر هم القوة الضاربة في العديد من المعارك التي خاضتها أوروبا في الشرق (على سبيل المثال معركة الرملة التي انتصروا فيها على صلاح الدين). هذه الشهرة توازت مع قوَّةٍ اقتصاديَّةٍ هائلة، فبعد صُدُور مرسوم بابوي يجعلهم لا يخضعون للقانون المحليّ بأيِّ شكلٍ من الأشكال ولا يخضعهم إلى رقابة استطاعوا تطوير نماذج اقتصادية أدرَّت عليهم أرباحًا خياليَّة ما جعل الملك فيليب الرابع يستدين منهم في حروبه مع بريطانيا.

لوحة لقائد فرسان المعبد

مع دخول صلاح الدين القدس نقل فرسان المعبد مقرَّهم إلى مناطق مختلفة من عكا إلى قبرص، وحاولوا تنظيم قوة غازية جديدة مع المغول لكنّ المماليك في مصر استطاعوا هزيمتهم من جديد. هنا سرت إشاعات بأن التنظيم يسعى لإنشاء دولة خاصة به على غرار فرسان الإسبتارية وفرسان تيوتون، وهنا كان النبلاء والملك لهم بالمرصاد.

في 13 أكتوبر 1307 أمر ملك فرنسا فيليب الرابع
باعتقال جاك دي مولاي القائد الأعلى للتنظيم ومعه العديد من فرسان التنظيم. مذكرة الاعتقال احتوت على هذه الكلمات:

إنّ الربّ ساخطٌ علينا، بلادنا تؤوي أعداء الدين.

وأدينَ فرسانُ التَّنظيم بعدَّة تُهم هرطوقيَّة، كالإلحاد وعبادة الأصنام وممارسة الدَّعارة والشذوذ الجنسي في طقوسهم، كما اتهموا بالاحتيال وبالفساد المالي. كما كان من ضمن تهمهم أنهم تم إغراؤهم باعتناق الإسلام، وتمّ تعذيبهم بمعرفة الملك للاعتراف بكل هذا وقد اعترف بعضهم بالفعل بهذا. أذعن البابا كليمنت الخامس في النهاية إلى رغبة الملك فيليب الرابع «الذي لُقِّبَ بفيليب العادل». وأصدر مرسومًا باباويًا يأمر جميع الملوك المسيحيين باعتقال فرسان الهيكل، استجوبت محاكم التفتيش الفرسان من جديد، وأنكر الفرسان التهم التي اعترفوا بها سابقًا، لكنّ يد الملك فيليب كانت أقوى من الأيادي الأخرى. وصدر الحكم بإعدام عدد كبير من قادة التنظيم حرقًا. وتمّ حلّ التنظيم عام 1312 في مجمع فيينا بمرسوم من البابا. في بداية القرن الحالي أعلن الفاتيكان أنّ فرسان الهيكل لم يكونوا مُهرطقين أبدًا!

لوحة لحرق الفرسان

 

3. محاكم التفتيش الإسبانية: طالت اليهود قبل المسلمين!

ما بين عام 1480 و 1500 لقيَ أكثر من ألفي متهوِّد حتفهم بإعدامات محرقة محاكم التفتيش في إسبانيا.

اقترن اسم محاكم التفتيش في المخيِّلة العربية بالفترة التي تمّ إجلاء المسلمين فيها من الأندلس، بعد سقوط غرناطة عام 1492 وتسليمها إلى ملكي أراغون وقشتالة فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى. لكنّ الذي لا يعرفه الكثيرون أنّ اليهود في إسبانيا قد عانوا من محاكم التفتيش قبيل إجلاء المسلمين منها. بعد توحيد مملكتي قشتالة وأراغون عام 1478 وضع فرناندو وزوجته إيزابيلا الأولى هدفًا أمام أعينهم تمثل في إجلاء كلّ الديانات الأخرى من إسبانيا وأن تظلّ إسبانيا المملكة الكاثوليكية الأعظم في أوروبا بعد أن غزت البروتستانتية أماكن أخرى من أوروبا.

عام 1492 كانا على موعد مع إجلاء المسلمين من غرناطة عبر تسليمهم مفاتيحها بشروطٍ تحفظ حقوق المسلمين، لكنّ الوثائق ليست هي كلّ شيء بالنهاية. وعلى الرغم من أنّ المسلمين لم يتمّ إجلاؤهم إلا عام 1609 إلا أنهم عانوا من محاكم التفتيش خلال هذا القرن الفاصل ما بين تسليمهم غرناطة وبين ترحيلهم قسريًا بشكلٍ نهائي من شبه الجزيرة الأيبرية «إسبانيا». وبعيد سقوط غرناطة في يناير 1492، تحديدًا في مارس 1492 كان مرسوم الحمراء الذي يقضي بطرد جميع اليهود من إسبانيا. إذن كان العداء في إسبانيا حينها لكلّ ما هو غير كاثوليكي، حتَّى البروتستانتية التي حوربت بشكلٍ شرس في إسبانيا.

لوحة تمثل حرق المذنبين

  • اليهود قَتَلة المسيح!

كان الأمر هكذا؛ سيتمّ التضييق على اليهود تمامًا، ومع التضييق عليهم سيعتنق البعض منهم المسيحيَّة لارتباطه بالأرض والعائلة والأعمال وخلاف ذلك، ولكنّ هؤلاء المسيحيين الجدد ليسوا على خُطى الكنيسة، إذ أنَّه من المعلوم أنهم مسيحيون بالاسم فقط، ولكنَّهم يُضمرون اليهوديَّة. وفي وقتٍ كانت الحروب قائمة بين ملك غرناطة أبو عبد الله وبين إيزابيلا وزوجها فرناندو كان اليهود يخضعون لنيران محرقة محاكم التفتيش. ففي عام 1481 تم تنظيم أوَّل عمليَّة إعدام في المحرقة، ثمّ أصدرت بعد ذلك محكمة إشبيلية ما يقارب 700 حكم بالإعدام وآلاف العقوبات الأخرى التي كان أغلبها عقوبة السجن المؤبد في الفترة من 1481 و1488. وفقًا لما ذكرة المؤرخ جوزيف بيريز في كتابه التاريخ الوجيز لمحاكم التفتيش في إسبانيا.

كان من بين المتنصِّرين رئيس الجالية اليهوديَّة بقشتالة أبراهام سينيور الذي تمّ تعميده هو وصهره الحاخام ماير في حفل تعميد كبير حضرهُ الملكان. لكنّ اليهود سيظلون يهودًا، وستزيد أعداد المتنصِّرين، وهكذا اعتمد الملكان مرسومًا يقضي بطرد اليهود تمامًا للخلاص منهم. يأتي هذا الطرد بعد تسليم آخر مملكة للمسلمين بشهرين، لتصبح المسيحية الكاثوليكيَّة هي الديانة الرسميَّة في إسبانيا، والكاثوليكيَّة فقط.

  • توركيمادا: المُفتِّش الأعظم

الراهب القويّ جدًّا، توماس دي توركيمادا، الذي حظيَ بثقة الملكين تمامًا، ليس لأنَّهُ فقط أوَّل محقِّق عام في محاكم التفتيش التي طبَّقت بالحرف ما أرادهُ الملكان، وإنما لكونِهِ أيضًا الرَّاهب الذي كان فرناندو وزوجته إيزابيلا يعترفانِ أمامه بآثامهما. هذا الراهب كان صاحب مرسوم الحمراء الذي قضى بطرد اليهود من إسبانيا بعد أن أحرق منهم من أحرق، سُلطة هذا الرَّاهب لم تكن تخضع لأحدٍ قطّ!

خلال عصره أحرق ما يُقارب – أو يزيد عن – ألفي شخص بتهمة الهرطقة.

بعض من آلات التعذيب

  • الموريسكيون: مأساة المسلمين في الأندلس

حين سلَّم الأمير أبو عبد الله غرناطة لملكي قشتالة وأراغون، كانت شروط التسليم مريحة للرعايا المسلمين، لكنّ ما حدث كان أمرًا في غاية القسوة، فقد عملت محاكم التفتيش على تنصير ما تبقَّى من المسلمين بالإكراه (سُمِّي هؤلاء المسلمون بالموريسكيين)، المشكلة لم تكن في التنصير بقدر ما كنت في «التفتيش» عليهم بعد تحولهم الدينيّ، فقد كانت الكنيسة متشكِّكة دومًا من انتمائهم الدينيّ، فقامت بفرض بعض الأمور عليهم مثل أن يأخذوا أولادهم للكنيسة وأن يحضروا الصلوات فرضًا، وأن يفتحوا أبواب بيوتهم احترازًا من إقامتهم الصلاة داخل بيوتهم! بشكلٍ عام حاول البابا سيكيستوس الرابع أن يضمن بعض حقوق المدانين المسيحيين أمام محاكم التفتيش بأن يستأنفوا أحكامهم أمام محكمة روما، على أن يُقدِّم محققو المحكمة تقاريرهم للأساقفة وليس للملك، لتخضع محاكم التفتيش للكنيسة بشكلٍ أساسيّ، لكنّ الملكان لم يوافقا وأصر الملك على تعيين المفتشين بنفسه، كما أصر على أن يكون استئناف المدانين على الأحكام الصادرة بحقهم أمام مُطران إشبيلية فقط!

استمرّ الأمر مع المسلمين قرنًا من الزَّمان، تنصَّر منهم من تنصَّر غصبًا، وأصرّ البعض على دينه، قامت بعض الجماعات بتنظيم نفسها في الجبال ومحاربة الدولة الإسبانية الجديدة، لكنَّها لم تُفلح في ذلك. وتمّ الطرد بمرسومٍ ملكيّ عام 1609. واختلفت أرقام المورسكيين الذين تمّ طردهم من مؤرخٍ للآخر، إلا أنّ الرقم الذي يكاد يكون متفقًا عليه علميًّا وتاريخيًّا هو: 300 ألف موريسكيّ.

للاطلاع بشكلٍ أوسع على قصَّة تهجير الموريسكيين، اقرأ: هكذا طُرد الأندلسيون: القصة الكاملة لطرد أهل الأندلس من ديارهم.


عرض التعليقات
تحميل المزيد