«ها أنا ذا من سيحمي المريض من أعدائه، سيكون «تحوت» مرشده، هو من ينطق الكلمات، ويؤلف الوصفات الطبية، ويمنح القدرة للسحرة، الذين يعلمون بواطن الأشياء، ويمنحها أيضًا للأطباء، فهم أتباعه حتى يبرئوا المرضى من أسقامهم..» *بردية إيبرس

بلغ الطب في مصر الفرعونية منزلةً رفيعة، وترك المصريون القدماء بصمةً تشهد لهم في كل تخصصاته، إلى الحد الذي جعل البعض يعتقد أن مفهوم الصحة والرعاية الطبية بدأ مع نشأة الحضارة الفرعونية. الأمر الذي يجعلنا نتساءل: مما تكونت تلك المنظومة الطبية العريقة؟

تأخذنا السطور التالية في جولة تاريخية تتوغل داخل منظومة الطب المصري القديم، وتحلل هيكلها وعمادها، وتستكشف الحياة اليومية لأبطالها، أفراد الأطقم الطبية الذين شكلوا نظامًا عريقًا أشاد به كل من لحقوهم، وأخذوا عنه الكثير، إذ نستعرض هذا من خلال مرافقة طبيبة خلال رحلتها المهنية، بدايةً من التحاقها بمدرسة الطب، وحتى تخرجها وممارستها للمهنة.

رحلة التعلم تبدأ من «بيوت الحياة» إلى مدارس الطب

في صباح يوم مشمس من أيام مدينة منف الفرعونية القديمة، استعدت بيسشيت لأول أيامها في المدرسة التي ستؤهلها لتصبح طبيبة، تلك المدرسة التي لم تكن لتلتحق بها لولا أنها ولدت في عائلة من الأطباء، إذ كان الأبناء يتوارثون مهنة الطب عن الآباء. عدا ذلك فإنه من الصعب جدًا على الفتيان، وربما من المستحيل على الفتيات، أن يتلقوا تعليمًا طبيًا.

انطلقت بيسشيت في حماس نحو «بيت الحياة» أو «مدارس الكتبة»، حيث كان يجري تأهيل الأطباء، وكان ذلك المبنى أشبه بالكُتّاب، إذ كان دائم الازدحام بالنُسّاخ، والتلاميذ، والكهنة، والأطباء، الذين يعملون على التأليف والنسخ والتعليق أيضًا على اتفاقيات الأدوية، كذلك عملوا على حفظ نصوص قديمة جدًا في البرديات التي ضمت معلومات طبية وغيرها من كافة أنواع المخطوطات؛ فنحن هنا بصدد مؤسسة خُصصت كليةً للحفاظ على ثقافة تقليدية.

وقبل أن تتعلم الطب، كان على بيسشيت أن تعمل هناك في البداية في النسخ، مثلما عمل والدها من قبلها، وكما سيعمل ابنها من بعدها، وبعد أن تخرجت منها، بدأت تتلمذ على أيدي أطباء مهرة، لتتعلم منهم تعاليم الطب نظريًا وعمليًا، في مدارس خاصة لتمرين طلبة الطب مُلحقة بالمعابد.

فضلًا عن ذلك تعلمت بيسشيت التعاويذ السحرية وترانيم الآلهة، إذ امتزج الطب والسحر وارتبطا معًا برباط وثيق في مصر الفرعونية، حيث استخدمت الترانيم والتعاويذ علاجًا مساعدًا للعلاج التقليدي، وكانت هناك أيضًا طائفة أخرى من المعالجين، يسمون كهنة «خرب سرقت»، الذين كانوا يمارسون السحر ضد لدغات العقارب، ولسعات الثعابين السامة، إلى جانب بعض العلاجات الدوائية، حسبما توضح بردية بروكلين.  

علاج وتعاويذ وصلوات.. هكذا تعامل الطبيب المصري القديم مع مرضاه

رافقت بيسشيت مجموعة من الأطباء للتعلم منهم، وخلال عدة أشهر استطاعت الإلمام بقدر جيد من المعلومات التي تؤهلها للعمل ممارسًا عامًا، وبينما هي تسير في إحدى الطرقات ذات يوم، صادفها عامل بناء أصيب في ذراعه خلال عمله في موقع بناء أحد المعابد، وبعد الفحص وجدت بيسشيت أن ذراع العامل كانت مكسورة كسرًا مفتتًا مع العديد من شظايا العظام؛ فربطت بيسشيت الذراع المصابة وثبتتها.

شكرها العامل، ومضت في طريقها حتى صادفتها سيدة تستنجد بها أن تنقذ ابنها الصغير، الذي تعرض للدغة عقرب للتو. لحسن الحظ شهدت بيسشيت مثل هذه اللدغات من قبل، وتعرف جيًدا كيف تتعامل معها. أولًا عليها أن تلقي تعويذة لإخراج السم؛ فبدأت بترتيل التعويذة التي تستحضر «سيركيت»، راعية الأطباء وآلهة المخلوقات السامة في العقيدة المصرية القديمة، وبعد أن أنهت التعويذة، حاولت عزل السم وإخراجه بسكين؛ ليكون القطع دقيقًا.

وقبل أن تجمع أغراضها لترحل، طلبت منها السيدة شيئًا آخر، وسألتها كيف تعلم إذا كانت حاملًا، فشرحت لها بيسشيت كيف تجري اختبار الحمل قائلةً: ازرعي بذرتين، إحداهما شعير، والأخرى قمح، ثم تبولي عليهما يوميًا، وإذا ما نبتت بذرة الشعير، تكونين حاملًا بطفل ذكر، أما إذا نبتت بذرة القمح تكونين حاملًا في أنثى. كذلك نصحتها بيسشيت بالصلاة لـ«هاثور» آلهة الخصوبة. 

بعد ذلك تابعت بيسشيت سيرها حتى وصلت إلى «بيت الحياة»، وهناك قابلتها سيدة شاحبة نحيلة قرب الباب، ترجوها أن تفحصها، وكان لديها ورم متقرح ضخم تحت ذراعها، وبعد أن فحصته بيسشيت باللمس وجدته باردًا ومتصلبًا مثل ثمرة غير ناضجة، وتذكرت بيسشيت ما قرأته في المخطوطات حول هذا الورم، وهو أنه لا يوجد علاج له، طبيًا كان أو سحريًا. 

كانت جميع المخطوطات توصي بعدم فعل شيء في تلك الحالة، فأخبرت بيسشيت السيدة بتلك الأخبار السيئة وغادرت وهي تشعر بالأسى حيالها، وحيال المرضى الذين تعلم أنه لن تستطيع مساعدتهم مهما بذلت من جهد، وتحاول تقبل تلك الحقيقة المرة.

طبقات وتخصصات الأطباء في مصر القديمة

كان هذا جانبًا من الحالات اليومية التي تعاملت معها بيسشيت، خلال عملها طبيبًا عامًا؛ إذ كان الأطباء مقسمين إلى أربع درجات هي: الطبيب العام غير المتخصص، وكبير الأطباء، ومفتش الأطباء، ورئيس الأطباء، بالإضافة إلى وظيفة «الطبيب الكبير» الذي ترأس طائفة أطباء السراي، الذي خدموا في بلاط الملوك والأمراء، وكان هناك أيضًا منصب «الرئيس الأعلى لأطباء الوجه البحري والقبلي»، الذي ظهر منذ عهد الأهرام إلى الأسرة الثلاثينية.

وإلى جانب الممارسة العامة، كانت هناك تخصصات عديدة، احتارت بيسشيت فيما بينها؛ فقد كان هناك أطباء للعيون، وأطباء للرأس، وآخرون للأسنان، وأمراض الباطنة، وغيرهم للأمراض الغامضة، وكان الطبيب المصري القديم يُدعى «سونو»، وظهر كذلك الطبيب المتخصص في منطقة الحوض «سونو خيت»، أي متخصص الجهاز الهضمي، ومتخصص العيون «سونو إيرتي»، وبرز أيضًا الطبيب متخصص أمراض الشرج، الذي كان يُعرف بـ«حارس المؤخرة».

وقد جمع الدكتور يونكر في كتابه «أطباء مصر الفرعونية (les médecins de l’Egypte Pharaonique)» طبعة عام 1955، قائمة بأسماء 82 طبيبًا مصريًا قديمًا من جميع العصور، ممن ورد ذكرهم على الآثار المصرية، ومن ذُكروا بالقصص القديمة.

وذكر يونكر أنه من بين أشهر الأطباء العموميين، لمع اسم الطبيب «متن» الذي ينتمي للأسرة الرابعة (2730 – 2560 ق.م)، وتوجد مسطبته بسقارة، إلى جانب الطبيب «تخت»، الذي ينتمي لعهد المملكة الوسطى (2100 – 1700 ق.م)، وذُكر بمقبرة «خنوم حتب» في بني حسن بمحافظة المنيا في صعيد مصر، أما عن أشهر الأطباء المتخصصين، نجد الطبيب «واح دواو» رئيس أطباء العيون بالسراي الملكية، في عهد المملكة القديمة (3200 – 2270 ق.م)، وطبيب الأسنان «مورع» في عهد الملك ساحورع (2560 – 2430 ق.م).

وقد حظي الأطباء المصريون على شهرة واسعة في الخارج، إذ تدلنا إحدى المراسلات بين الملك رمسيس الثاني وبلاط الحيثيين أن الفرعون أرسل إلى خاتوسيل، أحد ملوك الحيثيين، طبيبًا بارعًا يدعى باريماكو؛ لعلاج أحد أتباع الملك، وهو الأمير كورونتا.

أما عن بيسشيت، فهي تعد الطبيبة الوحيدة التي لدينا معلومات عنها من العصر الفرعوني، وأول طبيبة من المملكة القديمة، تنتمي إلى الأسرة الرابعة والخامسة، ومارست الطب في عهد الملكة نفيريريكا رع، وقد ظهرت بيسشيت على إحدى اللوحات بمقبرة «آخت حتب» بالجيزة، ولُقبت «إيمي إر سونت»، التي تعني «ناظرة الطبيبات»؛ وذلك لأنها كانت تُشرف على كافة الطبيبات الإناث والطبيبات المتدربات في منف.

الأطباء VS الكهنة والسحرة

كانت حالة المريض هي ما تحدد ما إذا كان بحاجة للطبيب أو الكاهن، فإن عانى من هلوسة أو جنون، لجأ أهل المريض إلى السحرة أو الكهنة لاعتقادهم أن مثل هذه الأعراض روحانية الأصل، أما إذا ظهرت عليه أعراض واضحة مثل خراج، أو التهاب، أو ورم، كانوا يستشيرون الطبيب، وفضلًا عن ذلك، كان أهل المريض يوازنون بين أجر الطبيب وأجر الكاهن أو الساحر، فيقصدون من هو أوفق لميزانيتهم.

وحيث إنه لم تكن هناك عملات مالية أو نقود في مصر القديمة، جرى التعامل المالي عن طريق المبادلة أو نظير خدمة، وأما عن أطباء السراي، فكانوا ينالون الهدايا كل بحسب درجته ورضا الفرعون عنه، وكانوا يُمنحون أيضًا السكن والغذاء، وكذلك تقاضى الطبيب المصري القديم أجره عن طريق كادر حكومي مثل أطباء البلاط الملكي، أو عن طريق العطايا مثل قلائد الذهب التي يمنحها الحاكم، ومن ناحية أخرى كان هناك أطباء ملحقون بالمعابد ينالون أجورهم من ميزانية تلك المعابد.

وبالإضافة للأطباء، كان هناك كهنة يمارسون الطب، ويمثلون دور الوسيط بين الآلهة والمرضى، ومنهم من كان طبيبًا وكاهنًا في الوقت نفسه، مثل «ونن نفر» الذي ظهر في الأسرة الخامسة، وكان كاهن «سمخت» ومفتشًا للأطباء، حيث كان يُعتقد أن للإلهة سمخت (الإلهة القوية) القدرة على الشفاء، وكان مركز عبادتها في مدينة منف، حيث عُبدت زوجة للإله بتاح، وصورت على شكل أنثى بجسد لبؤة.

علوم

منذ 4 سنوات
ممارسات طبية حديثة توصّل إليها القدماء المصريون قبل الجميع!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد