من منا لا يعاني من الأرق؟ ذلك الإحساس بعدم القدرة على النوم بسهولة في بعض الليالي. تقريبًا يعاني معظم البشر من هذه المشكلة، بعضنا يعرف أنها بسبب كثرة التفكير والضغوط الحياتية، لكن البعض الآخر من المصابين بالأرق لا يعرف السبب في ذلك؛ إذ لا يجد سببًا واضحًا يشغل عقله ويصرف عنه النوم.

حسنًا، ربما علينا ألا نضع اللوم كله على أنفسنا، وإن كان كل شخص يتحمل جزءًا من المسؤولية في ذلك، لكن الجزء الأكبر من هذه المشكلة التي تصيب غالبيتنا تتمثل في العالم من حولنا، عالم القرن الحادي والعشرين نفسه، بكل التقدم التكنولوجي الذي نفخر بتحقيقه؛ مما جعل البعض يصف القرن الحادي والعشرين بأنه «عصر وباء الأرق».

القرن 21: عصر الأرق الذهبي

نستطيع هنا أن نصف هذا العصر الذي نحيا فيه بأنه «العصر الذهبي للأرق». فمصابيح الشوارع المضاءة طوال الليل، وثرثرة مذيعي الأخبار على مدار 24 ساعة، وتنبيهات هواتفنا التي لا تتوقف، ورسائل مواقع التواصل الاجتماعي تتواصل في أي وقت، كل ذلك أدى إلى بناء عالم معادٍ للنوم، عالم مثالي للأرق كي ينمو وينتشر بلا حدود.

Embed from Getty Images

في بريطانيا على سبيل المثال، الدولة التي شهدت الثورة الصناعية وأدخلتنا إلى العصر الحديث؛ يقدر أن ثلث البالغين البريطانيين يعانون من الأرق المزمن. ويعرف الأرق المزمن بأنه أن تملك الفرصة للنوم لكنك تكون غير قادر على النوم أو أخذ كفايتك من النوم لمدة ستة أشهر على الأقل.

بكلمات أبسط، أنت لديك الإمكانية على ترتيب سريرك وإغلاق الستائر وإطفاء الأنوار، لكن عندما تضع رأسك على الوسادة، لا يمكنك النوم وتظل مستيقظًا ضد رغبتك. وإذا ما عدنا إلى بريطانيا، سنلاحظ أنه بين عامي 1993 و2007، تضاعف عدد الأشخاص الذين زاروا طبيبهم للشكوى من الأرق. وتظهر البيانات، في العقد الماضي، زيادة بمقدار 10 أضعاف في عدد الوصفات الطبية المكتوبة للميلاتونين، الهرمون الذي ينظم النوم.

هذا الأمر دفع مراكز منع العدوى والتحكم فيها الأمريكية (cdc) لإعلان مشكلات النوم بأنها وباء صحة عامة. وهو ما يعني أنه مشكلة عامة منتشرة على نطاق واسع في البلاد.

دائرة متصلة من المشاغل تؤثر في النوم بدعوى عدم كفاية الوقت!

في هذا العصر الذي نعيش فيه، لم يعد هناك تحديد واضح يميز الليل عن النهار، ولم تعد غرفة النوم ملاذًا بعيدًا عن المكتب والعمل. في السابق، كانت هناك حدود مادية ونفسية واضحة تفصل بين العمل والحياة الاجتماعية والراحة. لكن الآن، تلاشت هذه الحدود وامتزجت كل هذه الأمور حتى بات عقل الإنسان غير قادر على أن يفصل بين واجباته.

من هنا، أصبح الأرق هو العرض الحتمي لعصر نشجع فيه على أن نكون مستهلكين بلا توقف، وأن نكون أيضًا مبدعين في عملنا بشكل لا ينقطع. أصبحت كثير من الأعمال تتطلب أن يتأخر الموظف لساعات متأخرة في مقر الشركة مثلًا، أو أن يضطر للعودة بجزء من عمله إلى المنزل لإتمامه كما ينبغي. مثل هذه الأمور لم تعد هي الاستثناء الذي يتكرر على فترات طويلة، بل أصبح أمرًا مألوفًا.

زادت ساعات العمل بدءًا من النصف الثاني من القرن العشرين، إلى جانب النمو الحاد في الإنتاجية والازدهار في العديد من الدول. كان من الممكن أن تترجم مضاعفة الإنتاجية هذه إلى زيادة في الدخل وانخفاض في ساعات العمل، ومع ذلك نادرًا ما يكون للموظفين اليوم فرصة اختيار للعمل الأقل مع عدم تأثر رواتبهم وقدراتهم الشرائية.

Embed from Getty Images

كذلك، وهذا أمر ملاحظ في الولايات المتحدة، كون نظام العمل هناك يعتمد على الساعة، نلاحظ أن الأمريكيين يعملون – مقارنة بالماضي – أكثر، ويكسبون أكثر، وينفقون أكثر. وأدى هذا التركيز على العمل والاستهلاك خلال ما يفترض أن تكون «أوقات فراغ» إلى زيادة ضيق الوقت، والشعور بأن الإنسان لا يملك الوقت.

علاوة على ذلك، أدى النمو السريع في الوسائط الرقمية والهواتف الذكية إلى رفع توقعات الإنتاجية بشكل كبير، وطمس الخط الفاصل بين العمل والحياة الشخصية، فهاتف ذكي في يدك على مدار الساعة جعل البشر متاحين للعمل والتواصل مع المديرين طوال الوقت.

أدى هذا الانخفاض في وقت الفراغ وزيادة وتيرة الحياة والتوتر إلى انخفاض النوم، على سبيل المثال، في الستينيات من القرن العشرين، كان متوسط ​​الوقت الذي يقضيه الأمريكيون في النوم بين 7 و8.5 ساعة في الليلة، في حين أن متوسط ​​الوقت الحالي لـ50% من السكان هو أقل من سبع ساعات. ووفقًا لمسح أجري عام 2008، ظهر أن واحدًا من كل ثلاثة أمريكيين يحصلون على نوم جيد ليلًا لبضع ليالٍ فقط في الشهر أو أقل.

المراهقون أيضًا في خطر.. وتيرة اليوم تدفعهم نحو الأرق

طبيعة مجتمع القرن الحادي والعشرين، خصوصًا في المدن، تجعل من الصعب على المراهقين الحصول على قسط كافٍ من النوم ليلًا. إذ غالبًا ما تمنع الأوقات المبكرة لبدء الدراسة المراهقين من الحصول على النوم الذي يحتاجونه، خصوصًا وأنهم يعانون بسهولة من تحول في ساعتهم الداخلية لا يسمح لهم بالنوم حتى وقت متأخر من الليل.

هذا التحول يأتي بسبب الضغوط المختلفة المرتبطة بالتلفاز والبرامج المفضلة الليلية، كما أنهم عرضة للاستسلام لضغط الأصدقاء واتخاذ قرارات سيئة، مثل البقاء في الخارج لوقت متأخر من الليل، والتدخين، وشرب الكحوليات، وتعاطي المخدرات، وكلها أمور يمكن أن تعطل النوم.

لكن النوم ليس مجرد وقت للراحة

النوم ليس مجرد وقت للابتعاد عن الحياة اليومية، وليس مجرد وقت للراحة. بل إنه حالة نشطة مهمة لتجديد صحتنا العقلية والبدنية كل يوم. فكما يحتاج الجسم إلى الماء والغذاء لإتمام عملياته الحيوية، فإنه يحتاج أيضًا للنوم، الذي لا يقل أهمية عن الماء والغذاء لأجسامنا. فالنوم مثل الطعام والماء، الكميات الكافية منه ضرورية للصحة الجسدية والعقلية، ويمكن أن يؤدي الحرمان منه إلى موت الكائن الحي.

Embed from Getty Images

هناك عدة عوامل تؤثر أو يمكن أن تسبب النعاس. فجسمنا لديه ساعة داخلية تشير إلينا أن نشعر بالنعاس مرتين في اليوم، في المساء عند وقت النوم، وبعد نحو اثنتي عشرة ساعة خلال فترة الظهيرة. تساعد دورة ضوء الشمس والظلام أجسامنا على تنسيق الساعة الداخلية مع البيئة الخارجية.

وعلى الرغم من أن احتياجات وأوقات نوم كل شخص تختلف، يحتاج الشخص البالغ العادي نحو ثماني ساعات من النوم المريح كل ليلة. فإذا لم تحصل على قسط كافٍ من النوم، فإنك تشعر بالنعاس. وكلما طالت فترة الحرمان من النوم، كان الشخص أكثر نعاسًا، وهو ما ينعكس على صحتك العقلية والجسدية.

وآثار كارثية لانتشار الأرق ربما لا تعرفها!

يمكن أن تكون آثار الأرق مدمرة. لأن قلة القدرة على النوم في جميع أنحاء الدول الصناعية له تأثير كارثي في صحتنا، ومتوسط ​​العمر المتوقع، وسلامتنا العقلية، وإنتاجيتنا. يتحدث تقرير صدر عام 2016 عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (cdc)، عن أن الأرق يزيد من مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والسرطان والسمنة.

كما أن الأشخاص المصابين بالأرق هم الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب المزمن من الأشخاص الذين ينامون نومًا سليمًا. كما يرتبط الأرق بجميع الحالات النفسية الرئيسية، من بينها مخاطر الانتحار. فكل عام في الولايات المتحدة، يمكن أن يعود ما يصل إلى 100 ألف حادثة سيارة إلى السائقين المتعبين (السبب الرئيسي للتعب يكون عدم الحصول على مقدار كافٍ من النوم)، وهو ما يسبب وفاة 1550 شخص وإصابة نحو 71 ألفًا آخرين.

صحة

منذ شهر
فيلم «Awake».. علميًّا ما الذي سيحدث لجسدك لو امتنعت عن النوم لـ96 ساعة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد