610

انظر إلى الصورة أدناه، قد تتصور أنك  تنظر إلى إحدى المؤثرين (ممن يعرفون بـ influencers) ممن يروجون لنفسهم على موقع التواصل الاجتماعي «إنستجرام»، ولكن انظر عن كثب، دقق النظر  في العيون، لربما ترى سرها، فبرين هي أحدث ابتكار مصور الأزياء كاميرون جايمس ويلسون. برين هي مجرد شخصية وهمية وليدة جهاز الكمبيوتر وليست شخصية حقيقية على الإطلاق.

وكان ويلسون قد أنتج نموذجًا رقميًا في وقت سابق من العام الماضي تسمى «شودو جرام»، اشتهرت بأنها أول عارضة أزياء رقمية في العالم. وبلغ متابعو حسابها على «إنستجرام» أكثر من 130 ألف  ودائمًا ما تعطيك الانطباع بأنها بشرية كغيرها من عارضي الأزياء بسبب دقة ملامحها، لدرجة أن عددًا من العلامات التجارية على غرار شركة «تي شيرت»، و«سولسكي» طلبت منها الترويج لمنتجاتها.

وأفصح ويلسون فيما بعد عن حقيقة أن «شودو» مجرد «بكسل» على الشاشة، ردًّا على مشاركة شركة مستحضرات تجميل المغنية ريهانا، «فنتي بيوتي»، صورة لشودو على حسابها على «إنستجرام» التي بدت للشركة وكأنها تضع ظلًا من أحمر الشفاه التابع لعلامتها.

ويعتبر براين وشودو من بين عدد متزايد من النماذج التي أنشأها الكمبيوتر، والتي بدأت تنافس بعض نظيراتها في العالم الحقيقي. وتملك «ليل ميكالا»، وهي إحدى هذه النماذج التي ابتدعتها شركة «برود» الناشئة في لوس أنجلوس، أكثر من مليون متابع على «إنستجرام» على قدم المساواة مع نماذج حقيقية مثل ديفون ويندسور وبيلا لوسيا، وهو ما دفع ويلسون لإطلاق وكالة متخصصة في تمثيل إبداعاته الرقمية. يسميها «ديجيتالز».

ويحظى بعض هؤلاء المؤثرين الرقميين بعدد كبير من المتابعة وصل بعضها إلى أكثر من مليون متابع، ويتلقون كذلك العديد من عروض الترويج لمنتجات علامات تجارية عالمية في مجال الموضة ومواد التجميل.

وتتنبأ الدراسات الحديثة بأن المساحة التسويقية للتأثير على مواقع التواصل الاجتماعي ستكون صناعة بقيمة ملياري دولار بحلول عام 2020. وإن الهدف من هذه الشركات المصممة لهذه النماذج اللابشرية على الكمبيوتر هو جعلك تشتري المنتجات أو الخبرات، لكن المنتقدين يخشون من إمكانية خداعك من خلال صورة زائفة لا تمت للواقع بصلة خاصة عند فئة النساء التي غالبًا ما تسعى للتشبه بهاته العارضات والوصول إلى نفس درجة كمال الصورة.

لماذا تفضل العلامات التجارية العارضات «الافتراضيات»؟

لا تعد هذه المرة الأولى التي استعملت فيها النماذج غير البشرية للترويج؛  إذ اعترفت سلسلة الأزياء السويدية «إتش آند إم»، أواخر عام 2011 باستخدام النماذج مصممة بواسطة الكمبيوتر لعرض مجموعة من ملابسها على موقعها الإلكتروني. تبدو النماذج الافتراضية إنسانية تمامًا، لكن إذا نظرت عن قرب ويتمعن أكثر، فكلها لها نفس شكل الجسم ونفس الوقفة، فقط جرى تثبيت رأس النموذج الحقيقي على الجسم مع تغيير لون الجلد رقميًّا ليتناسب مع لون بشرتها.

وأكد المتحدث باسم الشركة وقتها، هاكون آندرسون، ذلك عندما قال: «إنه ليس جسدًا حقيقيًا، إنه افتراضي تمامًا. فنحن نلتقط صورًا لملابس على دمية موجودة في المتجر، ثم ننتج المظهر البشري باستخدام برنامج على الكمبيوتر».

وقد خلقت هذه الطريقة بعض الجدل بين مستخدمي الإنترنت الذين انتقدوا  «إتش آند إم» لأنهم خلقوا حقيقة زائفة لعملائها، وخلقوا صورة جسدية غير واقعية للنساء.

جادل أندرسون بأن الاختيار قد تم إجراؤه؛ لأنه بسط عملية التقاط الصور، وكذلك يمكن للعملاء التركيز على الملابس بدلاً من النماذج. وأوضح: «النتيجة غريبة للنظر، لكن الرسالة واضحة: شراء ملابسنا، وليس نماذجنا» .

وتلقى هذه النماذج الرقمية استحسان العلامات التجارية، لأن المؤثرات الظاهرية لافتة ومتقنة جدًا بشكل لا يدع مجالًا للشك من أنها حقيقة،  كما أنها أقل خطورة وبأقل عيوب بفضل ميزة التحكم المطلق في الصورة.

كما أن سرعة التصميم تلعب دورًا مهمًا كذلك في استقطاب الشركات الكبرى للترويج بالإضافة إلى قدرة فريق التصميم على توفير نموذج في الوقت المناسب بالزاوية الصحيحة التي تريدها العلامة التجارية.

وعادة ما يعطي المعلنون أهمية كبيرة لماضي عارضي الأزياء، وتجنبًا لهذا الإشكال، تعد النماذج بديلًا جيدًا فلا تاريخ إجرامي لها ولا هفوات أخلاقية ولا غير ذلك مما قد يفسد سمعة الشركة ويسبب الاحراج لها.

إنها أيضًا طريقة لإظهار الشركات أنها مبدعة ومواكبة لأحدث التقنيات التكنولوجية.

ومن جهة أخرى، تبحث الشركات المعلنة عمن يصلها بأكبر عدد من العملاء المنتظرين ومن ثم توجيه الرسائل الإعلانية لجمهورها المحدد مسبقًا؛ إذ  يميل البشر إلى الثقة في التوصيات المقدمة من الأشخاص أكثر مما يثقون في العلامات التجارية أو الإعلانات التجارية. وهو ما توفره لها هذه النماذج بغض النظر عن إذا ما كانت حقيقية أم مزيفة، فالغاية الأساسية هي التأثير على الفئة المستهدفة وبالتالي الربح المادي أو حتى المعنوي.

ولكن الأسئلة المطروحة في هذا السياق هي: كيف يمكنهم الترويج لمنتجات لا يمكنهم تجربتها؟ هل يجب أن تكون الشركات والعلامات التجارية شفافة حول إنشاء المؤثرات الظاهرية أو استخدامها؟

قد لا تصدق أنهم روبوتات.. ماذا تعرف عن مشاهير الواقع الافتراضي من غير البشر؟

هل استخدام العارضات «الافتراضيات» أمر أخلاقي؟

بالنسبة إلى المصممين الأوائل لهذه النماذج، مثل المصور كاميرون جيمس ويلسون، لم يكن عدم التصريح حول الهوية الحقيقية لابتكاره «شودو» جزءًا من الغموض، أو مساهمة في دعاية ومؤامرات على البشرية مثلاً.

ولكن ويلسون لم يكشف على الفور حقيقة أنها ليست بشرية لأنه أراد أن يرى ما إذا كان الناس قد يعتقدون أنها إنسانية أم ستبعث صورتها على الشك. أما الآن، صفحة «شودو» الرسمية على «إنستجرام» تعرفها في خانة الوصف بأنها «عارضة الأزياء الرقمية الأولى».

وظهرت «شودو» وكأنها نابضة بالحياة، لدرجة أن سيمال نصر الدين – مبتكرة لمجموعة الملابس سولسكي – اعتقدت أن شودو كانت نموذجًا واعدًا من أفريقيا. ما دفعها للتواصل «معها» وأرسلت لها قميصًا مجانيًا للترويج له قبل أن يعترف لها ويلسون بحقيقتها، في العام الماضي.

وقالت سيمال: «اعتقدت أنها كانت شخصية ناشطة حقيقية تتمتع بقدرات هائلة. وكانت مفاجأة بالنسبة لي عندما اكتشفت هويتها. لقد بدت حقيقية للغاية، وهو ما يبرهن على مدى جودة أعماله الفنية و المدى الذي وصلت إليه التكنولوجيا».

ووفقًا للبعض، فلدى لجنة التجارة الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية مبادئ توجيهية لأصحاب النفوذ الاجتماعي الذين يؤيدون ويروجون للمنتجات. لكن هذه القواعد يجب أن تنطبق على هذه النماذج الافتراضية أيضًا.

ولا تملك اللجنة حاليًّا توجيهات محددة بشأن المؤثرين الرقميين، لكن يجب على المعلنين الذين يستخدمون المنشورات على شبكة الإنترنت التأكد من أن هذه المشاركات يمكن تعريفها بوضوح، كإعلان على سبيل المثال استخدام هذه الشعارات «إعلان» أو «ممول» إذا كان إعلانًا مدفوع الأجر.

لكن هناك مخاوف بشأن الأبعاد غير الواقعية لهذه النماذج التي أنشأها الكمبيوتر، والتي قد تغذي النقاش حول قضية صورة الجسد. مع حقيقة أن النساء البشريات من جميع الأشكال والأحجام والأعراق والألوان موجودات بالفعل. فما الذي يسمح للعلامات التجارية بتكوين نموذجها «المثالي» وما الذي ستفعله لصورة الجسد والنفس والتقدير وخاصة بين النساء.  

حينما يرسم الروبوت لوحة ويكتب شعرًا.. هل ينافس الذكاء الاصطناعي إبداعات البشر؟