بالرغم من إطلاق وصف «صفقة القرن» على خطة السلام التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهدف تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن ما ظهر من تفاصيل الصفقة يجعلها أقرب إلى «تصفية» للقضية الفلسطينية، منها إلى تسويتها؛ إذ تنحاز الصفقة انحيازًا كاملًا لإسرائيل، مع تجاهلها التام لجميع الالتزامات الإسرائيلية والأمريكية الخاصة بقضايا الحل النهائي.

ولا تعمل الصفقة على «تصفية» أحلام الفلسطينيين بحق عودة اللاجئين وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس وفقط، بل تستهدف بشكل مباشر تصفية وتهميش المؤسسات السياسية والمالية والحقوقية التي من المفترض أن تساعد على تحقيق أحلام الفلسطينيين.

1. مؤسسة الأونروا

انطلقت الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على وكالة «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)» مع شيوع الحديث عن «صفقة القرن» لحل القضية الفلسطينية في عام 2018، وبالفعل بدأت واشنطن في إجراءات تصفية «الأونروا» قبل حتى أن تعلن صفقة القرن بشكل رسمي؛ إذ قررت إدارة ترامب يوم 31 أغسطس (آب) 2018، وقف تمويل «الأونروا» بشكل كلي، وبعد أمريكا توالى اعتذار دول أوروبية منها سويسرا وهولندا عن تمويل الوكالة.

التمويل الأمريكي للوكالة كان يبلغ 365 مليون دولار بما يعادل ثلث ميزانيتها السنوية البالغة 1.24 مليار دولار، وهو ما يعتبر قرارًا سياسيًا بحتًا يهدف لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين المعتمدين على خدمات الوكالة في الضفة الغربية، وقطاع غزة، والأردن، وسوريا، ولبنان.

وتأسست وكالة «الأونروا» في ديسمبر (كانون الأول) 1949 لتصبح منظمة دولية مسؤولة عن تشغيل وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين. وتستهدف صفقة القرن إنهاء خدمات الوكالة وتصفية كينونتها القانونية في ضوء الاتهامات التي توجهها إسرائيل لها وتعتبرها المشكلة، وليست الحل، بزعم أنها تسعى للمطالبة بعودة اللاجئين إلى أراضيهم وبيوتهم التي طردتهم قوات الاحتلال منها.

ويبلغ عدد اللاجئين المسجلين في الأونروا نحو 6 مليون فلسطيني، يقيم أكثر من 41% منهم في الأراضي الفلسطينية، والباقون موزعون على سوريا، ولبنان، والأردن.

وتعتمد إستراتيجية الإدارة الأمريكية تجاه الأونروا على سياسة الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين للقبول بصفقة القرن المتوافقة مع أفكار وأحلام اليمين الإسرائيلي المتطرف، ولا تعطي الفلسطينيين أي شيء من حقوقهم.

 2. حق عودة اللاجئين الفلسطينيين

بتصفية الأونروا يكون ترامب قد خطا خطوة كبيرة في إبعاد ملف اللاجئين عن تسوية القضية الفلسطينية، وذلك بعد إبعاده ملف القدس بنقله السفارة الأمريكية إليها واعترافه بها عاصمة موحدة لإسرائيل.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 5 شهور
من هو اللاجئ الفلسطيني الذي تحاربه صفقة القرن؟

وكالة «الأونروا» من ناحيتها تقول: «إن واشنطن لا يمكنها تقرير مصيرها بمفردها؛ إذ تشكلت الوكالة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 302 لعام 1949، وتجدد مهامها بشكل دوري، كما أنها تحصل على الدعم عبر تبرعات طوعية لعدد من الدول التي تخدم اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا جراء عمليات التهجير القسري التي شنتها العصابات الصهيونية».

ومنذ عام 1948 بدأت موجات اللاجئين تتدفق على الدول العربية المجاورة، وبعد عام 1967 تواجد 10 مخيمات للاجئين الفلسطينيين في الأردن يعيش بها 2.2 مليون لاجئ، ويوجد في الضفة 19 مخيمًا للاجئين الفلسطينيين يسكنها حوالى 500 ألف لاجئ.

وتعتمد الإدارة الأمريكية ضمن جهودها لتذويب قضية اللاجئين على التشكيك في أعدادهم تماشيًا مع سياسة إسرائيل لإلغاء حق عودة اللاجئين، وأكدت وسائل إعلام أمريكية أن إدارة ترامب تسعى للاعتراف بحوالى 10% فقط من عدد اللاجئين المعترف بهم حاليًا، أي نصف مليون فلسطيني، بما يعني تصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

3. حركة المقاطعة العالمية

هناك أيضًا حركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل»، والمعروفة اختصارًا باسم حركة (بي دي إس) BDS»، رغم أنها حركة تطوعية سلمية، فإن «صفقة القرن» استهدفتها استهدافًا مباشرًا في نَص خطة ترامب، ووصفتها بأنها «حركة مدمرة للسلام».
وبررت خطة ترامب استهدافها لهذه الحركة المدنية بأن «الواقع الجديد الذي تفرضه الصفقة يتطلب تغييرًا جوهريًّا في السياسة الدولية، لاسيما في المجال الدبلوماسي، ويتوقع من الدول العربية أن تتوقف عن دعم المبادرات المعادية لإسرائيل في الأمم المتحدة وفي الهيئات الأخرى»، مضيفة أنه «يجب ألا يُقدم العرب دعمهم لأي جهود تهدف إلى نزع الشرعية عن دولة إسرائيل. والعمل على إنهاء أي مقاطعة لإسرائيل، ومعارضة حركة «BDS» وأي محاولة أخرى لمقاطعة الدولة اليهودية».
وأضافت الخطة التي قدمها ترامب دون موافقة الجانب الفلسطيني أن «الولايات المتحدة تنظر إلى حركة «BDS» على أنها حركة تدمر عملية السلام، وأنها ستعارض أي نشاط يقدّم للمقاطعة التي تستهدف إسرائيل».
وتأتي معارضة خطة ترامب لحركة «BDS» بسبب تعاظم دورها خلال الفترة الأخيرة بعدما باتت حركة عالمية تستهدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بطريقة غير عنيفة، وتسعى للكشف عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وفضح عنصريته، ووقف كل أشكال التطبيع معه، وتعمل بجدية على مقاطعة المنتجات والشركات والجامعات الإسرائيلية.
وتأسست الحركة سنة 2005، على يد قوى مدنية فلسطينية، وتصف نفسها بأنها مؤسسة تسمح للفعل الشعبي بأن يساهم بدور إيجابي في معركة الفلسطينيين من أجل الكرامة والعدل.
وفي مقابل أنشطة الحركة التي تتصاعد يومًا بعد آخر، برزت شخصيات وحركات في إسرائيل وأمريكا تتصدى لأنشطة «BDS» وتبذل جهودًا لسن قوانين تستهدف الحد من نشاطاتها في الولايات المتحدة، خشية من الآثار السلبية لحركة المقاطعة في إسرائيل.

4. المؤسسات الفلسطينية في القدس

كان إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر 2017 خطوة كبيرة في طريق إعلان صفقة القرن التي أبعدت كل ما هو فلسطيني عن زهرة المدائن، وذلك على وقع مخطط تهويد محموم لمدينة القدس قبل وبعد إعلان تلك الصفقة.

وفي هذا الإطار تعمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق المؤسسات الفلسطينية بالقدس في محاولة لإلغاء أي تواجد فلسطيني وتهويد المدينة التي يعتبرها عاصمة مزعومة له، ومن ذلك ما قامت به قوات الاحتلال في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 من إغلاق مكاتب مؤسسات فلسطينية عدة عاملة في القدس، مثل مؤسسة بيت الشرق والغرفة التجارية، والمجلس الأعلى للسياحة، والمركز الفلسطيني للدراسات، ونادي الأسير ومكتب الدراسات الاجتماعية والإحصائية، بالإضافة إلى مكتب «تلفزيون فلسطين» في القدس الشرقية، وذلك بأمر من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي جلعاد أردان.

وبذلك تنضم هذه المؤسسات إلى قائمة طويلة من المؤسسات المغلقة بقرار إسرائيلي، إذ أغلق الاحتلال الإسرائيلي على مدار السنوات الماضية أكثر من 88 مؤسسة تعليمية، واجتماعية، وثقافية فلسطينية في القدس، وهو ما يكشف خطة الاحتلال الرامية لتغيير هوية المدينة العربية والإسلامية وفرض واقع يهودي جديد بها.

ليست إسرائيل فقط هي من تغلق المؤسسات الفلسطينية في القدس، بل تعمل أمريكا على ذلك أيضًا عبر طرق عدة منها وقف التمويل وتسمية هذه المؤسسات بـ«الإرهابية» فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 7 سبتمبر (أيلول) 2018 عن حجبها 25 مليون دولار، كان من المقرر أن تقدمها مساعدة للمستشفيات الفلسطينية في القدس، وعددها ست مستشفيات، وهي: مستشفى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، ومستشفى الهلال الأحمر، ومستشفى سانت جون للعيون، ومؤسسة الأميرة بسمة، ومستشفى مار يوسف، ومستشفى الأوغستا فكتوريا.

5. منظمة التحرير

لعوامل عديدة تتصاعد هواجس الفلسطينيين على مستقبل «منظمة التحرير الفلسطينية»، التي تُعتبر المرجعية الوطنية الأساسية لهم والتي يحرصون على أن تبقى ممثلًا شرعيًا فاعلًا يجمع في إطاره جميع مكونات الشعب الفلسطيني.

وبعيدًا عن الخلافات الداخلية والاتهامات الموجهة للمنظمة بابتعادها عن الأسس والأهداف التي قامت على أساسها في عام 1964، فإن إسرائيل والولايات المتحدة باتت تستهدف تهميش المنظمة تمهيدًا لتصفيتها ضمن التطورات الجارية بالتزامن مع صفقة القرن.

ففي يوم الاثنين 10 سبتمبر 2018 أغلقت الإدارة الأمريكية مكتب المنظمة في واشنطن «عقابًا على مواصلة عمل المنظمة مع المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، وستقوم بإنزال علم فلسطين في واشنطن العاصمة». وفق تصريح سابق لصائب عريقات.

وجاء في مشروع القرار الأمريكي أن «الولايات المتحدة ستقف دائمًا مع صديقتها وحليفتها إسرائيل»، وأن «المكتب لن يبقى مفتوحًا طالما يواصل الفلسطينيون رفض البدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل».

وفي اليوم ذاته أغلقت واشنطن الحسابات المصرفية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتعقيبًا على ذلك استنكرت الجامعة العربية قرار الإدارة الأمريكية إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن، واعتبرت أنه يأتي في إطار هدف تصفية القضية الفلسطينية.

إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في الثامن والعشرين من مايو (أيار) 1964 يعتبره كثيرون من أهم الإنجازات الوطنية للشعب الفلسطيني، وتُعدّ منذ قيامها بمثابة «البيت المعنوي» للشعب الفلسطيني، ولكن بعد 56 عامًا من إنشائها تعرضت المنظمة لتغييرات كبيرة وضربات عديدة جعلت البعض يتساءل عن مستقبلها.

6. السلطة الفلسطينية

باارغم من تماهي السلطة الفلسطينية بشكل كبير مع السياسات الإسرائيلية وخاصة عبر التنسيق الأمني وإجهاض حركات المقاومة في الضفة والمشاركة في الحصار على غزة، إلا أن الفترة الأخيرة تراجعت أسهم السلطة لدى واشنطن وتل أبيب وحتى لدى بعض العواصم العربية.

Embed from Getty Images

فبسبب الموقف الرافض للسلطة الفلسطينية لصفقة القرن قطعت الإدارة الأمريكية كامل المساعدات المقدمة للسلطة في 2 أغسطس 2018، ويشمل ذلك «المساعدات المباشرة للخزينة وغير المباشرة، التي تأتي لصالح مشروعات بنية تحتية ومشروعات تنموية».

ووفقًا لبيانات الميزانية الفلسطينية، كان الدعم الأمريكي للموازنة للفلسطينيين يتراوح بين 250 – 300 مليون دولار حتى عام 2012، ثم أخذ هذا الرقم يتناقص شيئًا فشيئًا حتى بلغ قرابة 100 مليون دولار في 2015، و80 مليون دولار في 2016، و75 مليون دولار في عام 2017، ثم ألغيت المساعدات بشكل تام في 2018.

ومنذ قرار إدارة ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، يرفض عباس التعاطي مع واشنطن، وأعلن مرارًا رفض «صفقة القرن» الأمريكية، التي يقول إنها «تسقط القدس واللاجئين وتبقي المستوطنات الإسرائيلية، وتعطي إسرائيل هيمنة أمنية».

دولي

منذ 5 شهور
«الباشا».. رجل المخابرات الأول في فلسطين الذي قد يُمرر «صفقة القرن»

المصادر

تحميل المزيد