هل الديمقراطية كافية؟

قبل عدة سنوات، زرتُ نُصُبًا حجريًّا صغيرًا جنوب غرب الولايات المتحدة، يرتكز على منصة معدنية معدنية مصقولة، ويمثل نقطة التقاء أربع ولاياتٍ، ويمكنكَ الدوران حول النصُب في بضع ثوانٍ، وبذلك تكون وقفتَ في الولايات الأربع: أريزونا ونيو مكسيكو وكولورادو ويوتا، ويصطَفُّ الناس للقيام بذلك، بينما يلتقط أقاربهم المتحمسون صورًا لهم وهم يقومون بهذه التجربة، وتنبع الإثارة من كون كل ولاية من هذه الأربع تمتلك تقليدًا غنيًّا وهُوية منحت لهذه الحدود معنى حقيقيًّا، وحتى الآن، ليست هناك حاجة لجوازات سفر أو شرطة جمارك للانتقال من ولاية لأخرى.

حسنًا، ربما تقول: بالطبع هذا صحيح، لكنها تظل مجرد ولايات، وليست دولاً، وحقًا ملاحظتي مألوفة لدرجة الإملال، لكن هذا لا يجعل الأمر أقل دهشة على الإطلاق، بل- بالتأكيد- أكثر إذهالاً، فعبقرية النظام الأمريكي تكمن أكثر في مؤسساته، وأقل في ديمقراطيته، حسبما أشار بروفيسور هارفارد، صامويل هنتنجتون، يومًا. كما أن النظام الفيدرالي والولاياتيّ، الذي يضم 50 هُوية وبيروقراطية منفصلة، لكل منها حدود بريّة محددة – ومع ذلك لا تتعارض مع بعضها -؛ فريد من نوعه في التاريخ السياسي، ناهيك عن آلاف المقاطعات والبلديات التي تتمتع بسيادة قضائية خاصة، وهذا الترتيب المؤسسي الأصليّ لإدارة قارة بأكملها يثير غَيرة كثير من الدول المضطربة والنامية التي مزقتها الحروب وغطيتُها كمراسل صحفي.

في الواقع، يمكن لملاحظة هنتنجتون أن تتسع لتشمل المزيد: فعبقرية الحضارة الغربية بصفة عامة تكمن في المؤسسات بالتأكيد، الديمقراطية هي الأساس، لكنها – مع ذلك – عامل مستقل، فبينما بَنَت الدكتاتوريات المستنيرة في آسيا مؤسسات تتسم بالقوة والجدارة، تأخرت الديمقراطيات الضعيفة في إفريقيا عن الركب.

إن المؤسسات هي هذا العنصر الدنيوي من الحضارة الغربية التي نميل إلى أخذه باعتباره أمرًا مفروغًا منه، لكن كما أشرتُ سلفًا، ليس الحال هكذا في كثير من الأماكن التي عملتُ وعشتُ فيها، فاستخراج تصريح أو وثيقة بسيطة ليست مسألة تتعلق بالانتظار في طابور لبضع دقائق، بل بدفع رشاوى وتوظيف دليل، نحن نتعامل مع مياهنا الجارية وتيارنا الكهربائي باعتبارها أشياء بديهية، لكنها تعتبر وسائل راحة تفتقدها بلدان ومناطق كثيرة بسبب غياب مؤسسات متخصصة لإدارة مثل هذه البنى التحتية، فوجود صديق أو قريبٍ يعمل في مصلحة الضرائب لن يعفيكَ من دفع الضرائب، لكن مثل هذه الحالة نادرة في أماكن أخرى، فالمؤسسات الناجحة تعامل الجميع على قدم المساواة دون شخصنة، لكن هذا ليس الحال في روسيا أو باكستان أو نيجيريا.

بطبيعة الحال، قد يشكو الأمريكيون من سوء خدمة السكك الحديدية وتدهور البنية التحتية والبيروقراطية، خاصة في المدن الداخلية، لكن من المهم أن شكوانا – برغم ذلك – تنطلق من أساسٍ ذي مستوى مرتفع جدًّا، مقارنة بكثير من بلدان العالم النامي.

إن وجود المؤسسات، أو نقصها، يشرح كثيرًا مما حدث في العالم خلال العقود الأخيرة، فبعد انهيار سور برلين، اتجهت أوروبا الوسطى إلى بناء ديمقراطيات واقتصاديات فعالة، ومع كل مشكلاتها وتحدياتها، لم يكن أداء دول البلطيق (بولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر) سيئًا، وفي بعض الحالات سطرت قصص نجاح مثيرة، ويرجع ذلك إلى أن هذه المجتمعات تفخر بارتفاع معدلات التعليم، في أوساط الرجال والنساء، وامتلاكها تقاليد الثقافة البرجوازية قبل الحرب العالمية الثانية والشيوعية، إن محو الأمية وثقافة الطبقة المتوسطة هي لبنات بناء المؤسسات الناجحة، فالمؤسسات – برغم كل شيء – تتطلب بيروقراطيين، يجب في المقابل أن يكونوا متعلمين وذوي دراية بالأعمال المتجردة للمنظمات الحديثة.

لكن منطقة البلقان كانت أقل حظًّا؛ حيث ابتليت بحكومة سيئة ونمو متواضع في رومانيا منذ عام 1989، وأطلت شبه الفوضى بوجهها في ألبانيا وبلغاريا، ونشبت حرب بين الطوائف العرقية دمرت الاتحاد اليوغوسلافي في تسعينيات القرن الماضي، هنا أيضًا يرصد التاريخ معدلات أمية مرتفعة، وضعف الطبقة المتوسطة، أو اختفائها في بعض الأحيان، ودين أرثوذكسي شرقي، لا يشجع المعايير الشخصية، على الأقل لدرجة البروتستانتية أو حتى الكاثوليكية؛ لأنه أكثر تأملاً، وجميعها عوامل تسهم في بناء قاعدة مؤسسية لنمو اقتصادي، واستقرار سياسي أضعف.

روسيا أيضًا تلائم هذه الفئة؛ فنظامها الأوليجارشيّ يشير إلى ضعف المؤسسات؛ حيث يدل الفساد على وجود مسار بديل لإنجاز الأمور حينما تعجز القوانين وبيروقراطيات الدولة.

ثم هناك منطقة الشرق الأوسط الكبير؛ حيث فشل ما يسمى الربيع العربي؛ لأن العالم العربي لم يكن يشبه أوروبا الوسطى أو الشرقية، بل كان مبتلى بأمية مرتفعة، خاصة في أوساط النساء، ولا يحظى بالقدر الكافي من – أو يفتقر إلى – النمط البرجوازي الحديث، رغم وجود الطبقات التجارية في بعض الدول، ومن ثمَّ لا يمكن للمؤسسات الفاعلة أن تتراجع مرة واحدة بمجرد انهيار الديكتاتوريات. وبالتالي، ما تبقى من شمال إفريقيا وبلاد الشام بعد الاستبداد كان قبائل وطوائف، على عكس المجتمع المدني ما بعد الشيوعية الذي شجع على الاستقرار في أوروبا الوسطى، ولكن تركيا وإيران، باعتبارهما دولتين حقيقيتين تتمتعان بتحضر أكثر نجاحًا، ومعدلات تعليم مرتفعة، تقعان في فئة وسط بين جنوب أوروبا والعالم العربي، بل إن التمييز واضح حتى في قلب العالم العربي ذاته، فمؤسسات الدولة المصرية تمثل حقيقة واضحة لدرجة أن نظيرتها الموجودة في سوريا والعراق ليست كذلك، فمصر قابلة للحكم، حتى إذا تمَّ ذلك مؤقتًا عبر وسائل استبدادية، بينما تبدو سوريا والعراق عصيَّة على فعل الشيء ذاته.

أخيرًا، هناك إفريقيا؛ ففي العديد من البلدان الإفريقية، بمجرد مغادرتك العاصمة، سرعان ما تختفي الدولة ذاتها؛ حيث يصبح الطريق ترابيًّا غامضًا، وتُسلَّم مقاليد الأمور للقبائل وأمراء الحرب. في هذا العالم، بسبب ضآلة التعليم والطبقة المتوسطة (وإن كان ثمة تحسن)، لا تزال المؤسسات موجودة بالكاد، وقياس التنمية في إفريقيا لا يتم باستعراض أنواع المجتمع المدني في العواصم، لكن بالذهاب إلى الوزارات والمؤسسات البيروقراطية الأخرى والانتظار في الصف لترى كيف تسير الأمور، هذا إذا سارت!

في الواقع، يكذب الناس على أنفسهم، ثم يكذبون على الصحفيين والسفراء. لذا، لا تستمع إلى ما يقوله الناس (خاصة النخب)، بل شاهِد كيف يتصرفون؛ هل يدفعون الضرائب؟ أين يخبئون نقودهم؟ هل ينتظرون دورهم للحصول على سيارة أجرة؟ وهكذا؛ فالسلوك – وليس الخطاب – هو ما يشير إلى وجود المؤسسات أو غيابها.

من السهل إجراء انتخابات، لكن دلالتها أقل مما يعتقده الصحفيون وعلماء السياسة، فالانتخابات عملية تستغرق 24 – 48 ساعة، وتُنظَّم في كثير من الأحيان بمساعدة مراقبين أجانب، لكن الوزارة المؤهلة جيدًا يجب أن تعمل 356 يومًا في السنة، وما أصبح لي كوان يو، في مصاف عظماء القرن العشرين؛ إلا لأنه بنى المؤسسات وبالتالي الدولة في سنغافورة، فبدون ترتيب الأساس لا يمكن أن يكون هناك حرية ذات معنى، والمؤسسات هي الأدوات الأكثر أهمية للنظام.

ولأن المؤسسات تتطور عضويًّا وببطء – حتى في ظل أفضل الظروف – فإن نموها يخدع الصحفيين الذين يرغبون في الأحداث المثيرة، وبالتالي توفر القصص الإٌعلامية في كثير من الأحيان مؤشرًا ضعيفًا لمستقبل بلد معين، وعليه فالدرس الذي ينبغي أن يتعلمه رجال الأعمال ومتنبئو الاستخبارات، هو: اقتفوا أثر المؤسسات، لا الأشخاص.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد