أجساد ضئيلة مسجاة على أسرَّة المشفى، لا تقوى على الحراك، وكأنما فقدت خلاياها كل مفاتيح الطاقة. يحيط بها ذووها يرقبون شبح الموت المنتظر؛ إذ لا شفاء كان يرجى لـ«طفل» بوله سكري. فما الذي حدث وكيف تغيرت هذه النهاية المحتومة؟

ترياق الحياة.. ما قبل اكتشاف الإنسولين

منذ 100 عام وقبل اكتشاف الإنسولين، كان المصير الوحيد المنتظر للأطفال الذين شُخصوا بسكر النوع الأول هو الموت، ففي النوع الأول من مرض السكري يتلف البنكرياس ويختفي الإنسولين تدريجيًّا من أجساد الأطفال.

والإنسولين هو الهرمون المسئول عن دخول الجلوكوز لخلايا الجسم، وفي حال غيابه يدخل الجسم فيما يشبه المجاعة مهما تناول من طعام، بل كلما تناول طعامًا – خاصة النشويات والسكريات – يتراكم الجلوكوز في دمائه مسببًا العديد من المشكلات.

Embed from Getty Images

وتبعًا لهذه المجاعة الافتراضية، يبحث الجسم عن مصادر أخرى للطاقة بخلاف الجلوكوز، فيتجه للدهون المختزنة ويحولها إلى عملة طاقة، لكنها تنتج أيضًا أجسامًا كيتونية تؤثر سلبًا في المخ، ومع تفاقم الأمر ترتفع حموضة الدم ويدخل الطفل في غيبوبة كيتونية قد تؤدي إلى الوفاة.

وفي محاولة لتأجيل الموت، لم يكن بيد الأطباء وقتها سوى تأجيل موعد الموت بتقليل كميات الطعام بشدة، ومنع كل أنواع السكر والنشويات، أو ما عُرف بـ«حمية آلن» نسبة للطبيب الأمريكي فريدريك آلن. وعلى الرغم من قسوة الفكرة فإن الأمر كان يُفلح مؤقتًا في منح الصغار المصابين بالسكري بضعة أشهر من الحياة.

اكتشاف الإنسولين.. الحياة تعود من جديد

لدينا الآن العديد من الأدوية لعلاج السكري، لكن جميعها لا يصلح لعلاج سكر النوع الأول الذي عادة ما يصيب الأطفال، ونادرًا ما يصيب الكبار. في النوع الأول من السكر لا بديل عن الإنسولين الخارجي تعويضًا هرمونيًّا عن إنسولين الجسم المفقود.

ليس هذا فحسب، بل هناك عدة حالات أخرى يحتاج فيها مرضى السكري لاستخدام الإنسولين، فمثلًا:

1 – مرضى السكر من النوع الثاني قد يحتاجونه إذا أُنهك البنكرياس في أجسادهم من طول مدة الإصابة؛ فيستخدم الإنسولين بوصفه علاجًا تعويضيًّا بجانب الأدوية الأخرى.

2 – إذا خرجت معدلات سكر الدم عن السيطرة وصاحبها بعض المضاعفات، فنلجأ للإنسولين مؤقتًا حتى تعود الأمور لنصابها ونرجع لأدوية السكر مرة أخرى.

3 – وقت العمليات أو التدخلات الجراحية.

4 – الأمهات الحوامل المصابات بالسكري، سواء ظهر لأول مرة أثناء الحمل، أو كان موجودًا من قبل، فعلاجهن الأساسي هو الإنسولين حتى ينتهي الحمل بسلام.

لكن.. كيف بدأت الرحلة؟

في أكتوبر (تشرين الثاني) 1920 كان الطبيب الكندي، فريدريك بانتنج، يعمل على تحضير واحدة من محاضراته، عندما قفزت إلى ذهنه طريقة لاستخراج الإنسولين من خلايا البنكرياس، ولكونه جراحًا؛ فكر في الطريقة الجراحية لاستخلاصه من خلايا البنكرياس دون أن يتلف.

لم يكن لدى بانتينج الإمكانات ولا الخبرة اللازمة ليبدأ تجربته، فاتجه إلى جون ماكلويد، أستاذ الفسيولوجيا ووظائف الأعضاء في جامعة تورنتو بكندا، وأحد كبار المتخصصين في التمثيل الغذائي للكربوهيدرات، فقرر ماكلويد أن يمنح بانتينج معملًا يختبر فيه نظريته، وأشرف على وضع برتوكولات التجربة بنفسه.

لم يبدأ العمل إلا في مايو (أيار) 1921، وانضم للفريق تشارليز بيست، طالب الطب الأمريكي الذي صار مساعدًا ملازمًا لبانتينج. تضافرت خبرة ماكلويد العلمية مع مهارة بانتينج الجراحية في إيجاد طريقة لاستخلاص الإنسولين من بنكرياس الكلاب، ثم إعادة حقنه في كلاب أخرى بعد أن استُئصل البنكرياس منها تمامًا فأصبحت مصابة بالسكري.

حقنوا الكلاب المصابة بالمادة المستخلصة، وتابعوا قراءات سكر الدم، واستمرت المحاولات حتى سبتمبر (أيلول) 1921 عندما اكتشفوا أنهم بحاجة إلى خبرة جديدة.

العلماء يتضافرون معًا من أجل استخلاص إنسولين نقي

كانت الصعوبة الكبري تكمن في استخلاص الإنسولين نقيًّا خاليًا من الشوائب، لكن كل الطرق أفضت إلى استخلاصه مخلوطًا بالعديد من الشوائب البيولوجية والكيميائية التي سببت آثارًا جانبية شديدة للكلاب، بشكل يخبر بأن أثرها في البشر سيكون أسوأ بمراحل. وهنا ظهر الكيميائي البارع جيمس كوليب، الذي استدعوه للمشاركة في التجربة وبدأ في ديسمبر (كانون الأول) 1921.

استخدم كوليب طريقة لاستخلاص الإنسولين تعتمد على كحول تركيزه 90%، فترسبت الشوائب وذاب الإنسولين وحده، وبهذا نجح كوليب في تحضير أول جرعة صالحة للاستخدام الآدمي في 23 يناير (كانون الثاني) 1922، وكانت من نصيب الطفل ليونارد تومبسون ذي الأربعة عشر عامًا، ونجحت في خفض السكر في دمه.

الإنسولين يقلب العالم رأسًا على عقب ويفوز بـ«نوبل»

بمجرد أن شارك العلماء نتائجهم البحثية انقلب المجتمع العلمي رأسًا على عقب ولم يعد كما كان، وعلى الفور قامت جامعة تورنتو الكندية بالاشتراك مع شركة «إيلي لي لي» للأدوية في إنتاج كميات من الإنسولين تصلح للاستخدام على نطاق واسع.

لم يكد يمر العام حتى جاء التقدير الأكبر في أكتوبر 1923 بمنح جائزة نوبل إلى بانتينج وماكلويد، وما كان منهما إلا أن شاركا حصتيهما من الجائزة مع كلٍّ من بيست وكوليب.

من وقتها صار لبانتينج شأن عظيم في كندا، وتلقى دعمًا كاملًا من الحكومة الكندية لاستكمال أبحاثه، حتى توفي في الحرب العالمية الثانية، فتحول منزله إلى متحف تاريخي حتى الآن. بينما عاد ماكلويد إلى المملكة المتحدة ليعمل بجامعة إبردين حتى وفاته عام 1935، وصار بيست رئيسًا لقسم الفسيولوجيا في جامعة تورنتو.

أما كوليب فقد أبدع في علوم الهرمونات والغدد الصماء، واستكمل مسيرته في استخلاص عدد من الهرمونات، مثل هرمون الغدة الدرقية والغدة الجاردرقية وغيرها من الهرمونات، ثم صار عميدًا لكلية الطب بجامعة غرب أونتاريو في كندا، وتوفي عام 1965.

لكن.. من هم أبطال الإنسولين المنسيون؟

لم يكن هؤلاء العلماء الأربعة هم أول من فكروا وحاولوا استخلاص الإنسولين من البنكرياس، بل سبقتهم بعض المحاولات، منها:

1. العالمان الألمانيان أوسكار مينكوسكي وجوزيف فون ميرينج

اكتشفا في عام 1889 أن إزالة البنكرياس من أجساد الكلاب تصيبهم بأعراض السكري وسرعان ما يموتون، فخلُصا إلى أن البنكرياس ينتج موادًا مجهولة يتسبب غيابها في مرض السكري.

2. سير إدوارد ألبرت شافير

طرح في 1910 فكرة أن المادة الكيميائية المفقودة تخرج من جزء معين في البنكرياس، وهو جزر لانجرهانز، ومنحها اسم إنسولين اشتقاقًا من الكلمة اللاتينية «insula» والتي تعني الجزيرة.

3. موسى بارون

صاحب التقرير الطبي الذي قرأه بانتنج وأوحى له بفكرة استخلاص الإنسولين من البنكرياس. فقد نشر بارون ملاحظاته عن مريض أصيب بانسداد بحصوة في قناة البنكرياس؛ فتلفت معظم خلاياه لكن جزر لانجرهانز بقيت؛ فلم يُصب المريض بالسكري، وربط بين هذه المشاهدة وبين تجارب على الحيوانات التي كانت تصاب بالسكري إذا جرى ربط قناة البنكرياس بشكل يُتلف البنكرياس بالكامل، فاستنتج أن جزر لانجرهانز هي المسئولة عن تخليق الإنسولين.

4. نيقولاي بوليسكو

في 1916 نجح نيقولاي بوليسكو  في الحصول على مستخلص مائي للبنكرياس وحقن به كلبًا مصابًا بالسكري، ولاحظ انضباط معدل السكر في دمه، فاستنتج أن البنكرياس ينتج مادة تتحكم في سكر الدم وأسماها بانكرياتين. لكن هذه التجارب لم يرد ذكرها في أوراق بانتينج البحثية، ربما لأنها كانت بالفرنسية فلم تصل إليه.

5. بول لانجرهانز

ترجع تسمية جزر لانجرهانز – وهي الخلايا المفرزة للإنسولين في البنكرياس – إلى بول لانجرهانز الذي توفي عام 1888، وكان أول من سجل الوصف التفصيلي لشكلها المميز لها دون أن يعرف وظيفتها.

كان للعديد من العلماء حول العالم دورهم في دفع العجلة وخلق تراكمية المعلومات التي أفضت في النهاية إلى نتائج، منهم جورج زولزير الألماني، وإيرنست سكوت الأمريكي، وإسرائيل كلينير وصامويل ميلتزر، وجون مورلين وبينيامين كرامر.

فكل هؤلاء سجلوا تركيبات تحتوى على الإنسولين وخفضت معدلات السكر في الدم في الحيوانات، لكن الأمر احتاج الكثير من الجمع الدؤوب وتضافر الخبرات؛ حتى يتمكن العلم من الوصول إلى جرعة إنسولين صافية يمكنها رد الحياة لطفل صغير، وأن تُغيِّر تاريخ الطب.

صحة

منذ 6 شهور
قد تحترق قدمه ولا يشعر.. معلومات يجب على مريض القدم السكرية أن يعرفها

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد