بعد كل أزمة يتعرض لها المسلمون في أوروبا، تبرز الحاجة لفهم أفضل لواقع الجاليات المسلمة في أوروبا، ومدى نجاح الحكومات الأوروبية المختلفة في دمج المسلمين داخل مجتمعاتهم، ومن الصعوبة بمكان تعميم حكمٍ حول نجاح أو فشل دولة ما في دمج واستيعاب مواطنيها من المسلمين، لكن يمكن استخلاص بعض المؤشرات على النجاح والفشل من خلال ما يحدث في تلك الدول، والعلاقة التي تربط المواطنين المسلمين مع حكوماتهم ومجتمعاتهم التي يعيشون فيها.

فعلى خلاف فرنسا، التي تبرز فيها أزمة قديمة متجددة حول علاقة فرنسا بالإسلام والمسلمين وعجز الدولة عن استيعاب ودمج مواطنيها المسلمين عكسها نشر الرسوم المسيئة للرسول محمد وتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة عن الإسلام، هناك مؤشرات على تحقيق بعض دول الشمال الأوروبي وبعض دول أوروبا الغربية لبعض النجاحات في هذا الصدد، ليس من دون تحديات.

دمج المسلمين.. مسألة معقدة

قضية دمج واستيعاب المسلمين في المجتمعات الغربية تظل مسألة شائكة ومعقدة وترتبط بعوامل كثيرة ومتغيرات مستمرة؛ ما يجعل من الصعب الجزم بنجاح قاطع لدولة ما في دمج المسلمين دمجًا نموذجيًا، ولكن هناك دول حققت بعض النجاحات الملموسة في تعاملها مع مواطنيها المسلمين، وإن كانت لا تزال هناك تحديات تتصاعد حدتها، مثل: صعود وتنامي التيار الشعبوي في أوروبا في الآونة الأخيرة؛ إذ يكسب هذا التيار كل يوم أرضية وشعبية ونفوذًا حتى في الدول التي حققت بعض النجاحات في مسألة التعايش والتنوع الثقافي بين قاطنيها.

مصدر المعلومات: بي بي سي 

فشل النموذج الفرنسي

تبرز فرنسا نموذجًا للدول التي لم تعكس حالتها دمجًا ناجحًا للمسلمين في مجتمعها وتحقيق صورة من التعايش الأمثل بين مكونات المجتمع الفرنسي، وهو ما تعكسه المشاكل المتعاقبة التي يعيشها المسلمون في فرنسا مثل الأزمة الأخيرة بعد إعادة نشر رسوم مسيئة للنبي محمد، وتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الأزمة التي يواجهها الدين الإسلامي وما تبعها من أحداث.

وكذلك تسببت بعض التشريعات التي أصدرتها بعض البلديات الفرنسية في أزمات عمقت شعور المسلمين بالتمييز مثل قرار بعض البلديات حظر البوركيني الذي أثار الانقسام حول قضايا الهجرة والتمييز على أساس الجنس والدين والتطرف، وفي المقابل، انضم نحو 1910 مواطن فرنسي إلى «تنظيم الدولة الإسلامية»، وفقًا لإحصاءات من مركز صوفان جروب المتخصص في البحوث الأمنية. 

(مصدر المعلومات: المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات )

ومن المشاكل التي يعاني منها المسلمون في فرنسا أنهم يشعرون بالتمييز والتهميش، وبحسب تقرير لموقع ذي إنترسبت: «يشتكي العديد من المسلمين الفرنسيين من التمييز والتهميش الذي ساهم في فقرهم وعزلتهم داخل مجتمعاتهم، حيث يكافح المسلمون الفرنسيون مع جمهورية قننت تهميشهم».   

نجاحات بعض دول الشمال الأوروبي

وعلى النقيض من النموذج الفرنسي، يبرز نموذج بعض دول الشمال الأوروبي التي تمكنت بدرجات متفاوتة من دمج مواطنيها المسلمين في مجتمعاتها، كونها ركزت في أولوياتها على تحقيق المساواة بين مواطنيها داخل مجتمع متعدد الثقافات إلى حد ما.

وقد نقل تقرير نشره موقع «نورديكس» عن باحثين كنديين لم يسمهم أن السياسات الاسكندنافية لم تُركز على برنامج يدعم تنوع الثقافات ويغذي تقبل التنوع وتقبل الآخر بقدر ما ركزت على المساواة بدلًا من ذلك.

النرويج

النرويج هي إحدى دول الشمال الأوروبي التي ينص دستورها على أن «جميع السكان أحرار في أن يدينوا بالدين وأن يعبروا عنه»، كما يحدد قانون الحرية والانتماء الدينيين حق الأفراد في اختيار دينهم وتغييره وممارسته، ويحق لأي شخص يزيد عمره عن 15 عامًا الانضمام إلى مجموعة دينية أو مغادرتها، كذلك لم تفرض الحكومة حظرًا على ارتداء الملابس الدينية مثل الحجاب في المدارس، وقد مكَّنت تلك التشريعات المسلمين في النرويج من التعايش وممارسة عقيدتهم بحرية.

تحديد عدد المسلمين في النرويج بدقة ليس أمرًا بسيطًا، و ذلك لعدم وجود سجلات دينية في النرويج وفي الكثير من الدول الأوروبية، ورغم ذلك يُقدر عدد المسلمين في النرويج بنحو 200 ألف مسلم، أي 4% من السكان وفقًا للمكتب المركزي النرويجي للإحصاء في عام 2015.

ورغم التركيز الأكبر على سياسات المساواة في دول الشمال الأوروبي أكثر من سياسات التنوع الثقافي، قطعت الحكومة النرويجية شوطًا بالتركيز على عدة عناصر لتعزيز التعددية الثقافية لدمج المهاجرين على اختلاف عرقهم وديانتهم وتتحمل جميع الأجهزة الحكومية مسؤولية دمج المهاجرين، وتركز تلك الأجهزة على اللاجئين وعائلاتهم من خلال إعادة التوطين السريع والمشاركة المجتمعية والتحديث العمراني والمنح لمنظمات الهجرة الخاصة ودعم التوظيف والإسكان المستمر.

عام

منذ 3 سنوات
«فورين أفيرز»: التجربة النرويجية «الثورية».. النساء في الجيش 50/50

وأكدت الأكاديميّة المسلمة لينا لارسون مديرة مركز حوار الأديان بجامعة أوسلو النرويجية في حوارها مع شبكة «الإسلام اليوم» أن مسلمي النرويج «يتمتعون بقدر كبير من الحرية، لا يتمتع به نظراؤهم في الدول الأوروبية الأخرى؛ فالدولة النرويجية تعترف بالإسلام دينًا رسميًا منذ عام 1969، كما أنها تسمح بتدريس التربية الدينية الإسلامية، وتقدم دعمًا ماليًا للمدارس والمراكز الإسلامية، ولا تفرض أي نوع من القيود على حرية المسلمين في ممارسة الشعائر الإسلامية تكريسًا لمبدأ حرية الأديان الذي يقره الدستور النرويجي».

ورغم ذلك لا يزال بعض المسلمين المهاجرين في النرويج يرون أنهم يتعرضون لنوع ما من التمييز، فبحسب استطلاع نشرته هيئة الإحصاء النرويجية يواجه المسلمون مشاكل في الحصول على وظائف، إذ قال 35% من المستجيبين المسلمين في النرويج إنهم لم يحصلوا على وظيفة كانوا مؤهلين لها.

فنلندا 

تُعد فنلندا حالة مثيرة للاهتمام عند دراسة العلاقات بين الدول الأوروبية والإسلام وأتباعه، وفقًا لدراسة استعرضت العلاقات بين الدولة والإسلام في هذه الدولة، وقد أتيحت الفرصة لـ فنلندا لوضع تشريعات جديدة بعد الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من وجود كنائس مسيحية منحها الدستور وضعًا خاصًّا في البلاد، إلا أن الدساتير الجديدة تضمن حرية الدين لجميع مواطنيها ومنحتهم الحق في إنشاء المنظمات الدينية، وعمومًا، استفاد المسلمون من هذه اللوائح، وتتمتع المنظمات الدينية الإسلامية في فنلندا بامتيازات ضريبية، ويُسمح لها ببث برامجها الخاصة في وسائل الإعلام العامة، ولها الحق في التعليم الديني في المدارس العامة.

ووفقًا للدراسة، يوجد تعليم ديني إسلامي في المدارس العامة، وهناك مقابر للمسلمين ويسمح بالذبح الشعائري، وفي نظر السلطات لا توجد فروق بين المنظمات الإسلامية والمنظمات الأخرى، الأكثر تقليدية أو ديانات أكثر عددًا.

النجاحات لا تقتصر على دول الشمال الأوروبي

لم تقتصر النماذج التي نجحت بنسبة ما على دول الشمال الأوروبي، فهناك دول أوروبية أخرى حققت بعض النجاحات وإن كان الطريق لا يزال طويلًا أمام الوصول لحالة من العلاقة المُثلى بين الحكومات الأوروبية والمجتمعات المسلمة فيها.

النمسا

وهناك النمسا، التي يعيش فيها ما يقرب من 500 ألف مسلم، والتي اعترفت وفقًا لنتائج دراسة أصدرها معهد بيرتلسمان ستيفتانج الألماني بالمسلمين بوصفهم مجتمعًا دينيًّا، الأمر الذي أثمر وضعًا قانونيًا جيدًا نسبيًا للمجتمعات الدينية الإسلامية. على سبيل المثال، كانت النمسا أول دولة أوروبية توفر تعليم الدين الإسلامي في المدارس.

وقد مكَّن الاعتراف الرسمي مسلمي النمسا من التعايش في المجتمع بصورة تسمح لهم بالتمتع بحقوقهم باعتبارهم مواطنين وفي الوقت نفسه الحفاظ على خصوصيتهم وممارستهم الدينية وهويتهم الإسلامية، وكل ذلك بسبب ما وفرته الحكومات النمساوية من تشريعات أعطت المسلمين المجال للحفاظ على هويتهم والتعايش السلمي مع الآخرين.

بلجيكا

وفى بلجيكا يُعدّ الإسلام دينًا رسميًّا معترفًا به منذ عام 1968، وأدخلت الحكومة تعليم التربية الإسلامية في المدارس البلجيكية عام 1975، واستعرض تقرير لبرنامج «عين على العالم» على قناة دويتشه فيله، نموذجًا ناجحًا لتحقيق الاندماج والتعايش السلمي في إحدى المدن البلجيكية، حيث أصبحت مدينة «ميشلن» البلجيكية قدوة للمدن الأوروبية في الاندماج.

يعيش سكان المدينة النرويجيون مع المهاجرين من 135 جنسية ويبلغ عدد سكانها 87 ألفًا منهم 20% من المسلمين من دون أزمات عنصرية أو دينية كتلك التي تقع في مدن أوروبية مختلفة، وباتت المدينة مثالًا يُحتذى للاندماج والحياة المشتركة في أوروبا، ويرجع الفضل في هذا النجاح إلى سياسات عمدة المدينة «بارت سومرز» والجهود المبذولة مع الشباب لترسيخ روح المشاركة والاندماج من خلال الأنشطة الرياضية والاجتماعية المختلفة. 

ولعل هذا ما دفع بعض الكتاب في مواقع مقربة من اليمين مثل «معهد جيتستون» الأمريكي لإثارة القلق والمخاوف من تحول بلجيكا لدولة إسلامية في أوروبا وحذر الموقع من أن «العاصمة الأوروبية بروكسل ستصبح مدينة إسلامية في غضون 20 عامًا»، بحسب ما نقله الموقع عن صحيفة «لو فيجارو» الفرنسية، متسائلًا في نهاية تقريره: «فهل حان الوقت يا ترى كي تستيقظ بلجيكا النائمة؟»

بين الاندماج والشعور بالاغتراب

رغم الجهود المبذولة من بعض الحكومات الأوروبية لتعزيز دمج المسلمين وتحقيق المساواة بينهم وبين نظرائهم من سكان تلك الدول، لا تزال هناك عقبات كثيرة تحول دون تحقيق الاندماج الحقيقي دون الذوبان في ثقافة الآخر أو الصدام معها، ويأتي على رأس تلك المعوقات غياب الفرص الاقتصادية والاغتراب الثقافي وما ينتج عنهما من إحساس بالتمييز والتهميش.

يشير تقرير نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية» إلى أن المسلمين يواجهون عددًا من التحديات في الاندماج والاستيعاب، منها الفقر والفصل العنصري، ويقول الخبراء إن المسلمين في أوروبا هم أكثر عرضة من عامة سكان الاتحاد الأوروبي لأن يكونوا فقراء والعيش في أحياء منفصلة ومعرضة للجريمة، وفقًا لتقرير صدر عام 2007 عن مركز دراسات السياسة الأوروبية.

ومع ذلك، وبحسب التقرير، يجد محللون آخرون أن بعض المسلمين يعزلون أنفسهم أيضًا لأسباب مثل حواجز اللغة والأعراف الثقافية المختلفة، وتقول جوسلين سيزاري، الأستاذة بجامعة هارفارد، إن بعض المسلمين، وفي سعيهم لحماية أنفسهم، يسعون إلى مجتمعات مغلقة مماثلة لطائفة الأميش في الولايات المتحدة، وتقول إن على الأوروبيين أن يتعلموا التفريق بين «المحافظين والجهاديين».

كذلك تبرز بالمثل قضايا «الإرهاب» والأمن والتي يوظفها البعض لتأجيج مشاعر «الإسلاموفوبيا» باعتبارها مسائل شائكة تقف حجر عثرة بين المسلمين والمجتمعات التي يعيشون فيها، وقد دعا الدكتور قارئ عاصم مستشار الحكومة البريطانية المستقل لتعريف الإسلاموفوبيا، إلى ضرورة الإقرار بتفاقم الإسلاموفوبيا وتزايد مشاعر كراهية الإسلام، معربًا عن آسفه في خلط البعض بين الإسلام و«الأعمال الارهابية» إضافة الى وجود نوع من التمييز سياسيًا واجتماعيًا ضد المسلمين.

سياسة

منذ 3 سنوات
مترجم: 3500 اعتداء في 2016 وحدها.. كيف تُخفي أوروبا أعمال الإرهاب ضد المسلمين؟

يأتي هذا على النقيض من الوضع في دول أخرى مثل نيوزيلندا، التي يمكن رصد مؤشرات على نجاحها في دمج المسلمين. فقبل ما يزيد على عام ونصف تقريبًا استهدف هجوم شهير مسجدين في كرايست تشيرتش في نيوزيلندا راحَ ضحيته العشرات من المصلين، وعكس رد فعل رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أردرن، من حيث إدانتها الفورية للحادث على أنه إرهاب، وأسلوب تعاملها مع المجتمع المسلم في بلدها ملمحًا واضحًا لنجاح تلك الحكومة في دمج مواطنيها المسلمين، وهو موقف نال الإشادة داخل نيوزيلندا وخارجها.

إجمالًا يمكن القول إن هناك نقطة لحالات تمكنت فيها بعض الحكومات الأوروبية من اتخاذ خطوات ساهمت في التعايش السلمي بين مواطنيها المسلمين وغير مسلمين وتحقيق قدر ما من دمج واستيعاب المسلمين داخل مجتمعاتهم رغم التحديات الكثيرة والقضايا المعقدة، وبقدر ما تتبنى الحكومات من تشريعات وسياسات تستوعب المسلمين ولا تستسلم للسرديات اليمينية المتطرفة، تظهر المؤشرات المشجعة على إمكانية وجود تعددية ثقافية وتعايش سلمي بين المسلمين وغيرهم.

المصادر

تحميل المزيد