“أن تصدق نفسك أسوأ من أن تكذب على غيرك”.

قد تصادفك تلك العبارة وأنت تتجول بين صفحات أصدقائك على فيسبوك أو تويتر وحينها قد تُشيد ببراعة صديقك اللغوية أو ربما تقوم بمشاركة تلك الكلمات مع متابعيك وأصدقائك تفاخرًا بحكمة صديقك الذي نال بالتأكيد عبارات استحسان من أشخاص لم يقرأوا يومًا لمحمود درويش حرفًا، فالعبارة السابقة منسوبة إلى الشاعر الفلسطيني محمود درويش والذي تُصبح أعماله كغيره من الكُتاب والأدباء مشاعًا لاستخدام الجميع دون ذكر اسم المؤلف أو مصدر العبارات، في تعدٍ يومي مُتكرر على أبسط حقوق الملكية الفكرية وهي أن تُنسب الكلمات لمؤلفها الأصلي.

 

ما هي الملكية الفكرية؟

وفقًا للتعريف المذكور على الموقع الالكتروني للمنظمة العالمية للملكية الفكرية “ويبو” فإن الملكية الفكرية محمية قانونًا بحقوق منها مثلًا البراءات وحق المؤلف والعلامات التجارية التي تمكّن الأشخاص من كسب الاعتراف أو فائدة مالية على ابتكارهم أو اختراعهم، ويرمي نظام الملكية الفكرية، من خلال إرساء توازن سليم بين مصالح المبتكرين ومصالح الجمهور العام، إلى إتاحة بيئة تساعد على ازدهار الإبداع والابتكار.

قد تُرجح الاهتمام بقوانين حماية حقوق الملكية الفكرية إلى عصرنا الحالي في ظل تعالي أصوات شركات إنتاج الأفلام والمواد الموسيقية بتفعيل قوانين رادعة لحماية مكاسبهم المادية إلا أن الأمر يرجع إلى اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية عام 1883، واتفاقية بيرن عام 1886، وبعد ذلك تم دمج الاتفاقيتين في اتفاقية واحدة بتاريخ 1898 بمسمى BIRPI، وهي أساس المنظمة الحالية المسماة بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO، المنشأة في عام 1967، التي انضم إليها 187 عضوًا من الدول، من ضمنها مصر وأغلب الدول العربية. وتقوم منظمة “ويبو” بدور إنشاء نظام دولي موحد وفاعل من أجل استقرار حقوق الملكية الفكرية حول العالم، وكذلك تشجيع الإبداع والابتكار.

إلا أنه وفي ظل تعالي أصوات أصحاب شركات صناعة الأفلام وتسجيل الموسيقي فإن الكونجرس الأمريكي اقترح قانونًا لحماية الملكية الفكرية PIPA وقانونًا لوقف القرصنة الإلكترونية المعروف باسم SOPA لحماية الملكية الفكرية على الإنترنت تحديدًا وقد نال ذلك القانون تحديدًا جدلًا واسعًا حول مؤيد ومعارض أدى بأن موقع بحجم ويكيبيديا علق خدماته لمدة 24 ساعة اعتراضًا على فرض الرقابة على الإنترنت وعلى المحتوى الإلكتروني، وهو ما يخالف مبدأ الحرية ويؤدي إلى الاحتكار وتثبيط الابتكار وتقييد نشر الإبداع. كان من أبرز ضحايا ذلك القانون الموقع الأكثر نشاطًا وزيارة في العالم باحتلاله الترتيب رقم 13 بين المواقع الأكثر زيارة في العام “ميجا أبلود”، فقد أصدرت محكمة في ولاية فرجينيا الأمريكية قرارًا بإغلاق الموقع الأضخم في تخزين وتبادل الملفات حول العالم، واتهمت المحكمة مالكي الموقع بانتهاك قوانين القرصنة والتسبب في خسارة أصحاب حقوق النشر أكثر من 500 مليون دولار بسبب الأفلام والمواد المقرصنة.

قرصنة البرمجيات

هل تتذكر عدد مقاهي الإنترنت التي اعتدت ارتيادها منذ سنوات هي وشركات شراء الكومبيوتر والصيانة التي أغلقت أبوابها بسبب المُصنفات الفنية لعدم استخدامها برامج مايكروسوفت الأصلية؟ كانت في تلك الآونه ميكروسوفت تشن حربًا ضارية ضد الشركات التي تقوم بتثبيت برامجها مجانًا دون أن يقوم المُستخدم بشراء نسخته من البرمجيات الخاصة بجهازه قبل أن تحدث ثورة رقمية من خلال (السي دي) و(الدي في دي) والقرصنة الإلكترونية أدت في نهاية الأمر أن تباع نسخة ميكروسوفت أوفيس بخمسة عشر جنيهًا على أحد أرصفة وسط البلد بالقاهرة مما يُعيق بشكل كبير صناعة وتطوير البرمجيات.

و في أكثر من مناسبة صرحت شركة مايكروسوفت مصر بأن معدل القرصنة على البرامج في مصر تراوح بين 59% و 61% موضحًا أن خسائر العالم سنويًا بلغت 50 مليار دولار نتيجة استخدام البرمجيات المقرصنة.

وأن زيادة بنسبة بسيطة كـ 1% من استخدام البرمجيات المرخصة، يمكن أن ينتج ما يقدر بـ 146 دولار من الناتج الوطني، مقارنة بمبلغ 40 دولار في حالة زيادة نسبة البرمجيات المقرصنة بنفس الدرجة، وهو ما يعني أن البرمجيات المرخصة يمكن أن تضيف 106 دولارًا إلى الاقتصاد الوطني لكل دولار من البرمجيات المرخصة مما يعود بالنفع على الاستثمار في قطاع البرمجيات.

قرصنة الموسيقى

لو كنت ممن شاهدوا الفيلم الأمريكي The Social Network أنت بالتأكيد تتذكر شخصية شون باركر الذي اقترح على مارك مؤسس فيسبوك بحذف كلمة The من اسم الموقع، باركر هو مؤسس موقع نابستر المُخصص لتبادل ملفات الصوت بصيغة mp3 التي أحدثت ثورة رقمية في تبادل ملفات الصوت عبر الإنترنت، أسس باركر الموقع عام 1999 إلا أنه وبعد عامين فقط وبموجب حكم قضائي أُغلق الموقع نظرًا للخسائر التي تكبدتها شركات إنتاج الموسيقى بسبب انتهاك نابستر لحقوق الملكية الفكرية والسماح بتبادل الملفات مجانًا.

قرصنة الملفات الصوتية في العالم العربي لا تختلف نسبتها كثيرًا عن معدل القرصنة العالمي إلا أنه وعقب حالة الركود في سوق الكاسيت التي استمرت في الثلاثة سنوات الماضية نتيجة القرصنة الإلكترونية لألبومات النجوم وصل في بعض الأحيان إلى تسريبها قبل موعد طرحها الرسمي، نادى المنتج المصري محسن جابررئيس اتحاد منتجي الكاسيت في مصر بوضع حد حكومي متمثل في تشريعات قوية ورادعة لكي يعود لسوق الكاسيت حيويته مستشهدًا بتقارير الاتحاد الدولي للمصنفات الفنية “IFPI”، التي أكدت أن مصر تخسر سنويًا مليارين من الدولارات بسبب القرصنة على المصنفات الفنية، وذلك من خلال التحميل المجاني من الإنترنت والقرصنة الرقمية الحديثة وهو ما يسبب فقدًا للدخل القومي لمصر بما يعادل “400” مليون دولارًا سنويًا، وهو الضريبة الناتجة من هذا الإيراد.

لم تكتشف قوة ملفات الـ mp3 الرقمية والتي قلبت موازين تبادل الملفات الصوتية من خلال الإنترنت سوى شركات محدودة على رأسها أبل وآي تيونز وأمازون والتي أصبح يلجأ إليها الكثير من المغنين العرب لطرح ألبوماتهم بأسعار معقولة قبل موعد الطرح الرسمي تفاديًا لعملية القرصنة الإلكترونية، كما يُتيح موقع “يوتيوب” فرصة جيدة للمغنين ذوي الشعبية الطاغية من جني بعض الأموال من عدد مشاهدات الفيديو كليب الخاص بهم على قناتهم الخاصة على موقع تبادل الفيديو الشهير.

قرصنة الكُتب

خلافًا لمُنتجي الموسيقى، كان ناشرو الكُتب أكثر نُضجًا ووعيًا لعملية القرصنة الإلكترونية فبادروا بإصدار النسخ الإلكترونية من كُتبهم بأسعار معقولة، وأبدى موقع أمازون ريادة في مجال بيع النسخ الإلكترونية من الكُتب عبر إصدار جهازه الخاص “كيندل” المُخصص لقراءة الكُتب الإلكترونية، واليوم تتوافر أغلب الإصدارات الأدبية ورقيًا وإلكترونيًا.

إلا أنه في العالم العربي لم تستطع دور النشر الكبرى ولا الناشرين تطويع التكنولوجيا لخدمة صناعتهم الورقية فباتت أغلب مؤسسات النشر الكُبرى عُرضه للإفلاس أو الإغلاق بسبب عمليات القرصنة الإلكترونية والورقية عبر تزوير نسخ الكتاب الأصلية بجودة تقترب من الـ 60% وبسعر أقل بكثير من سعر النسخة الأصلية. ويرجع الكثيرون أن الإقبال على تحميل الإصدارات الحديثة المُقرصنة بصيغة PDF أو شراء النسخة المزورة إلى ارتفاع أسعار بيع الكتب وجشع الناشرين خصوصًا أن عملية القرصنة أصبحت تتم بعد يوم واحد من صدور الرواية في المكتبات.

يأتي تطبيق “كتبي” كمحاولة أخيرة لأنعاش سوق المؤلفات عبر إتاحتها إلكترونيًا بأسعار معقولة قد تفتح آفاقًا جديدة للكتاب والناشرين بتسهيل إنتاج المحتوى العربي وتفتح آفاقًا جديدة للقراء من حيث التنوع في المحتوى وسهولة الحصول عليه سواء كان محتوى عربيًا خالصًا أو مُترجمًا عبر شرائه بواسطة بطاقات الائتمان أو إضافة سعره إلى فاتورة الموبايل الخاصة بك.

قرصنة الأفلام

وفق دراسة أمريكية أُجريت منذ عده سنوات فإن واحدًا من أصل أربعة أفراد يقوم بقرصنة فيلم لتبلغ حجم خسائر صناعة السينما الأمريكية سنويًا قرابة الـ 6 مليارات دولار سنويًا، ولا تختلف معدلات القرصنة في العالم العربي عن المعدل العالمي بنسبة تقترب من الــ 50% حيث ناشد العديد من مُنتجي الأفلام المصرية الحكومة بالتدخل لإنقاذ صناعة السينما المصرية التي كانت تُعد مصدر الدخل الثاني عقب زراعة القطن في ستينيات القرن الماضي، على رأس المُنتجين المقاومين لعملية القرصنة الإلكترونية لأفلامهم الفنانة إسعاد يونس المالكة للشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي، حيث قامت على مدار السنوات الماضية بحملات توعوية من خلال صفحتها على فيسبوك لتوعية الجمهور بأهمية دعم السينما من خلال مشاهدة الفيلم في دور العرض أو شراء السي دى الأصلي للفيلم والبُعد عن قرصنة الأفلام من خلال مواقع الإنترنت أو شرائها بمبالغ زهيدة من بائعي وسط البلد عقب سرقة الفيلم، استطاعت إسعاد يونس بالتعاون مع شرطة المُصنفات الفنية إغلاق عده مقاهٍ تقوم بسرقة أفلامها وعرضها على شاشتها كما قامت بالتعاون مع متابعيها على فيسبوك بإغلاق أكثر من موقع متخصص في سرقة الأفلام عقب نزولها لدور العرض إلا أن القرصنة لم تمتد فقط إلى الإنترنت بل طالت بعض القنوات الفضائية التي تقوم بعرض الأفلام المعروضة في السينما عقب أول يوم عرض لها على شاشاتها. وقد عبر المُنتجون المصريون في أكثر من مناسبة عن أن المشكلة لا تكمن في قانون خاص بحماية الملكية الفكرية في مصر فالقانون الحالي ممتاز إلا أن القاضي لا يقتنع بفداحة سرقة الفيلم ويقوم بالإفراج عن المتهمين بالقرصنة الإلكترونية بغرامة لا تتجاوز 50 جنيهًا غير مُدرك أن صناعة السينما في مصر مُهددة بالتوقف والإفلاس وأن سرقة الفيلم قد تعني سرقة 100 مليون جنيهًا من أموال الدولة التي كانت ستجنيها نتيجة للضرائب على عائدات تلك الأفلام.

وقد تبنت المنتجة والممثلة إسعاد يونس حملة توعوية للتعريف بحقوق المكلية الفكرية والحفاظ عليها عقب قيامها بتوزيع فيلم “الفيل الأزرق” حيث ظهرت لينكات لرواد موقع “يوتيوب”، بإمكانية مشاهدة الفيلم بالكامل، وعند الضغط على تلك اللينكات، يفاجأ الجميع بمضمون مغاير تماما للفيلم.

وظهر لرواد “يوتيوب” في بداية الفيلم: “الشركة العربية للسينما وحدائق الحيوان بالاشتراك مع سيد قشطة برودكشن”، وبعدها تظهر صورة لفيل لونه أزرق، ثم يكتب على الشاشة: “فيل ده، ولا مش فيل، زلومة دي ولا مش زلومة، يا متعلمين يا بتوع المدارس .. كنت عاوز تتفرج على فيلم مضروب، جاتك زلومة لما تاخدك يا أخي”.

 

قرصنة القنوات الفضائية

“الوصلة” حرام، واحدة من أشهر عبارات الداعية الإسلامي عمرو خالد والذي كانت نواة لحملة دعائية لحث المُشتركين على الإبتعاد عن سرقة القنوات المُشفرة والاشتراك في تلك القنوات.

موسم “الوصلة” يبدأ دومًا مع قرب الأحداث الرياضية الكُبرى خصوصًا وسط هيمنة قناة الجزيرة الرياضية سابقًا و beIN Sports حاليًا على إذاعة أغلب الأحداث الرياضية قي منطقة الشرق الأوسط مما دفع بعض علماء الأزهر إبان بطولة كأس الأمم الأفريقية 2010 إلى الإفتاء بجواز فك شفرة الجزيرة الرياضية لمشاهدة المُنتخب المصري وجاء تعليل ذلك بأن أفراد المجتمع في حل من أي نص قانوني أو اتفاق مع قناة الجزيرة الرياضية لأنهم لم يكونوا طرفًا في هذا الاتفاق الذي يربط بين الفضائيات وبعضها.

هل القرصنة الإلكترونية بتلك الخطورة؟

تتضارب الأقوال دومًا حول خطورة القرصنة الإلكترونية فما بين شيوخ وعلماء دين يُحرمون القرصنة بوصفها عملية من عمليات السرقة وآخرون يحللون سرقة البرمجيات كونها قادمة من الغرب وما بين كُتاب وأدباء يتناولون الأمر بقدر كبير من السخرية كالأديب أحمد خالد توفيق الذي ذكر في مقال له بأنه لو التزمنا بالقانون حرفيًا لما كان الجميع الآن يستخدم الكومبيوتر ويتبادل الملفات ولما استمعنا إلى روائع موسيقية وشاهدنا إبداعات فنية سينمائية وقرأنا أعمالًا أدبية عظيمة حيث يرى أن مشاهدة فيلم لأسرة مصرية في صالة السينما قد يكلفها متوسط من 200 إلى 300 جنيهًا لتلك الخروجة وهو الأمر المكلف جدًا والبديل الوحيد أن يبتاع السي دي الخاص بالفيلم باهظ الثمن، ثم يختتم دكتور توفيق بأن القرصنة الإلكترونية خلقت لنا من الشباب جيلًا مهتمًا بالسينما الأوروبية والصينية والآسيوية والمكسيكية. بينما يرى البعض أن اهتمام الغرب بحقوق الملكية الفكرية تعني ببساطة أن من يجتهد ويفكر ويبتكر، سيساعده مجتمعه بحماية حقوق ابتكاره ويساعده بذلك على تعويض ما أنفقه في التطوير والابتكار والإبداع من خلال بيعه لابتكاره وإبداعه واختراعه. مثل هذه الحماية ستؤدي لأن يفكر المفكرون ويبدع المبدعون ويخرج المخترعون.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد