يقدم التقرير الصراع الفكري والأيديولوجي في الجزائر في الفترة الحالية، ويشير إلى أهم الأسئلة التاريخية التي يجب أن تطرح لفهم الأزمة التي يعاني منها الجزائريون كنخب وشعب، بالإضافة إلى سؤال جوهري: هل سيؤدي هذا الاستقطاب إلى ـزمة هوية في ظل تهم العمالة والاصطفاف العرقي الذي بدأ يطفو إلى السطح.

انتشرت مؤخرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي نداءات لنشطاء تدعو لتخليص الجزائر من التبعية الفرنسية حسبما جاء في فحوى المقالات والمدونات المنشورة، فالجزائر حسب هؤلاء ما زالت رهينة للاحتلال الفرنسي، ومن أبرز هؤلاء الداعين لإنهاء الوصاية الفرنسية النقيب السابق بالجيش الجزائري أحمد شوشان، الساكن في عاصمة الضباب لندن البريطانية، وشخصيات أكاديمية يقطن غالبيتها خارج البلاد، وبعض الصفحات مجهولة الهوية، كالمسمّى محمد القط.

ودعا نفس النشطاء إلى مبادرة ترميم بيتي مالك بن نبي، وعبد الحميد بن باديس اللذين يعتبران مرجعًا فكريًّا وإصلاحيًّا لم تستفد منهما الجزائر لحد الآن، على حد قول القائمين على المبادرة، في حين يتعرض الجامع الأعظم الذي تبنيه الحكومة في منطقة المحمدية بالعاصمة الجزائر «لافيجري سابقًا» إلى موجة استنكار وتنديد من قبل التيار الفرانكوفوني، بذريعة تبذير الأموال العمومية في المساجد عوض المستشفيات والجامعات. حيث سخرت صحيفة فرنسية من المشروع ووصفته بالمسخرة!

ويأتي الصراع الفكري والأيديولوجي في الجزائر، ضمن تحولات وسياقات إقليمية فرضتها الضغوط الفرنسية على البلد، وعودة شكيب خليل من الولايات المتحدة الأمريكية، وزيارته لأكثر من معلم ديني بالبلد «في صورة الزوايا والمدارس القرآنية» بالإضافة إلى التنحيات العسكرية والأمنية التي باشرها رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة تجاه جنرالات وضباط في المؤسسة العسكرية والأمنية، انعكست على بعض وسائل الإعلام ورجال المال بالسلب، في صورة رجل الأعمال الأول في الجزائر يسعد ربراب ومجمع الخبر الإعلامي.

كيف اختطفت الثورة أيديولوجيا بعد الاستقلال؟

Untitled.png6

وبالعودة تاريخيًّا لطبيعة الصراع بين المحافظين كما سماهم أحمد أويحي «مدير ديوان رئيس البلاد» في إشارة إلى الإسلاميين ودعاة العروبة والعلمانيين اليساريين، أو حزب فرنسا مثلما سمّاهم عبد الحميد براهيمي «رئيس الحكومة الأسبق في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد»، نستذكر وصف يوسف بن خدة «1920- 2003» رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة منذ عام 1961 الصراع على الحكم بعد الاستقلال بالانقلاب الذي حطم وحدة جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم، ويصف شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله بن خدة «1930- 2013» بالرجل غير العادي والسياسي المثقف في كتابه تاريخ الجزائري الثقافي.

ويتهم بن خدة التيار اليساري والماركسي الأجنبي بالاستيلاء والانقلاب الأيديولوجي على الثورة التي فصلت بين عقيدة النخبة، وهم قادة الثورة، وعقيدة الجماهير التي تختصر في الهوية المتفق عليها في بيان أول نوفمبر، وهو الدولة الجزائرية الديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية.

ويتفق غالبية المؤرخين الجزائريين لمرحلة ما بعد الاستقلال أن مؤتمر طرابلس ركز على نقطتين أساسيتين وجوهرتين في مسار بناء الدولة الجزائرية الحديثة وهي: صياغة برنامج ومنهج عمل فكري «أيديولوجي» تسير عليه الجزائر المستقلة، وانتخاب هيئة سياسية تقود الدولة الحديثة في مختلف الشؤون العامة.

فاللجنة المكلفة بصياغة المنهج الفكري والبرنامج الثقافي الذي يقدم إلى مجلس الثورة عند اجتماعه، كانت تتكون في أغلبها من أصحاب الاتجاه الماركسي والعلماني من المناضلين كمصطفى الأشرف ومحمد حربي ومحمد الصديق بن يحيى وغيرهم. ويذكر أبو القاسم سعد الله في كتابه دومًا تاريخ الجزائر الثقافي، أن المفاهيم والمصطلحات التي احتوتها الوثيقة هو «الوطنية، العلمية والثورية» بعيدًا عن المرجعية الحضارية الإسلامية كما نادى بذلك بيان أول نوفمبر، ولعل المقصود أكثر بالعلمية التي تكررت كثيرًا هو الاشتراكية العلمية، التي تعني الماركسية.

ما هي الأسئلة التي يجب أن تطرح لفهم هوية «الأزمة» في الجزائر؟

يطرح الكثير منا أسئلة عديدة حول مفهوم الأزمة في الجزائر، وكيف يمكننا أن نتخلص من المشاهد اليومية الرديئة التي تطبع حياتنا وتسوقنا إلى حيث لا ندري، قطاعات حيوية خارج الإرادة الشعبية لهذا البلد، فالتربية والتعليم نحو المجهول بإستراتيجيات الخبراء الفرنسيين الذين جاءت بهم الوزيرة رمعون بن غبريط، وقضايا الأسرة والمرأة تشق طريقها للوصول إلى هذه الأخيرة بأيسر السبل، وأقصر الطرق بعد تعديل القانون في الفترة الأخيرة، في حين تصطدم البحبوحة المالية بحسابات الجيوبوليتيك المعقدة، والتي لم يتمكن النظام الجزائري من استشرافها في اللحظة المناسبة.

وعلى غرار التوترات الأمنية التي تضرب مناطق عديدة من العالم، تعيش الجزائر واقعًا حدوديًّا لا تحسد عليه أبدًا، فهي تقريبًا البلد الوحيد بشمال إفريقيا الذي يعاني من امتداد طول حدوده الجغرافية ومن كافة الجهات، فتونس البلد الصغير مساحةً لم يعرف أزمةً أمنيةً منذ استقلاله مثل اليوم، وليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا كلها دول فقيرة تعاني من انتشار السلاح وتطوير الجماعات الإرهابية لقدراتها القتالية، في حين المغرب يتهدده نزاع مسلح مجدد من قبل جبهة البوليساريو بعد تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وبالتالي فالجزائر أمام واقع جيوسياسي وأمني خطير جدًّا وغير مألوف.

وبالعودة إلى هوية الأزمة ومنابعها بهذا البلد الذي تحوم حوله وتنمو داخله جملة من المشكلات والأزمات، يمكن أن نستعرض خطوات هامة لتحديد الأزمة، فحين تعتقد الأحزاب السياسية المعارضة أن مشكل البلد سياسي لانعدام الحريات والتضييق على العمل الديمقراطي، يرى النظام الجزائري بأنه توجد مؤامرة عالمية من أجل تركيع البلد الذي صمد أمام ثورات الربيع العربي.

وإذا حاولنا سؤال الأكاديميين والباحثين في الحقل الاجتماعي والثقافي، يلخصون الأزمة في التصحر الثقافي والتردي الأخلاقي باعتبارها انحدارًا سلوكيًّا تربويًّا خطيرًا، وبدورهم يرى خبراء الاقتصاد والمالية أن الأزمة أساسها المصالح الاقتصادية المتنازع حولها، إضافة إلى ضعف الدخل القومي للجزائريين، وهو ما يدفع إلى الفوضى وإعادة ترتيب الأولويات حسب قضاء الحوائج!

وللفصل في الأمر، يمكن القول إن أزمة الجزائر هي مجموع ما ذكر سابقًا، إلا أن المؤكد بدقة هو وجود دافع قوي تفرعت من خلاله كل هذه المشاكل المستعصية والمعقدة. فالقوى الخارجية، والأنظمة السياسية، والمؤسسات الغربية، والجماعات المتصفة بالغباء «داخل المجتمع» وهيئات العمالة بمختلف القطاعات لا يمكنها تجسيد مشاريع تدجين وسياقة قطيع من البشر بهذا الإخراج الرديء، دون الاتكاء على محطات تاريخية سمحت بانتشار هذا الفيروس الذي حيّر وما زال يحيّر النخبة الجزائرية منذ عقود!

كيف كنا؟ ولماذا وصلنا لهذا الواقع؟

إن قراءة التاريخ والتأمل في أحداثه ومحاولة استكشاف المحطات الهامة فيه، وبالأخص التي عرفت فيها الجزائر تحولات اجتماعية في بنية الشخصية لها دلالة كبيرة في فهم عمق الأزمة، فالحكم العثماني الذي تميزت سياسته بالحرية الشخصية للجزائريين، وعدم التدخل في حياتهم الدينية والدنيوية الخاصة، وارتفاع نسبة التعليم في ذلك الوقت، مقارنة بالاحتلال الفرنسي الذي حصد الأخضر واليابس، لهو صورة وجب الوقوف عندها، وانعكاس لما يجري حاليًا من تجاذبات وتحولات وتراكمات.

هناك أسئلة يجب أن تطرح، كيف كان واقع المجتمع الجزائري إبان حكم العثمانيين وبعده مباشرة، وكيف استقبل الجزائريون القرن العشرين تحت سياسة الأرض المحروقة للحكم الفرنسي؟ ولماذا انكسرت الشخصية الجزائرية بعد هزيمة مقاومة الأمير عبد القادر؟ ولماذا لم يلتق أحمد باي في الجانب الشرقي للبلاد؟ بالإضافة إلى حقائق الغدر والخيانة التي دونها المستعمِرون والمستعمَرون منذ عشرات العقود فوق هذه الأرض الموبوءة بآثار الفرنسيين.

إن السيرورة التاريخية وفلسفة ما حدث في قرن وثلاثين سنة من الاستعمار، لهو أفظع من الناحية الثقافية وتحويل المجتمع، ولا يختلف اثنان في أن المرحلة الثانية من تغيير بنية وذهنية المجتمع هي فترة التسعينات من القرن الماضي، حيث انتقل الضمير الجمعي للجزائري من مجتمع طبيعي بصحوة إسلامية يقودها المجتمع بكبار العلماء كالغزالي والقرضاوي والبوطي وحماني وشيبان، إلى مجتمع يمقت المظهر الإسلامي ليصفه بالنفاق والكذب والبهتان، ومن مجتمع متعلم مثقف بنخبه وعوامه إلى مجتمع مجرد القيم مهتز الوعي، ومن مجتمع متقبل للخوض في الشأن العام إلى مجتمع يرفض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتعتبر الكثير من النخب الرافضة للهيمنة الفرنسية على الجزائر، أن ما حدث في سنوات التسعينات ليس مجرد انقلاب على شرعية سياسية، وإنما هو ضرب في الصميم للمشاريع الإستراتيجية للهوية ومسارها الطبيعي، ولهي عبارة عن برمجة متقنة لتحول الذهنيات من الصالح العام إلى المصلحة الخاصة، ومن الاشتراك في الفضاء العمومي إلى الاستغلال النفعي الفردي، وتأتي ثمرة ذلك مما نشاهده اليوم من رداءة وإفلاس وانعزالية وسفاهة وحماقة!

الصراع ينتشر ويتجه نحو العرقية والعمالة

إن دعوات الانفصال ومصطلحات التخلص من العربية والإسلام وتصفية الآخر لم تعد تذكر باحتشام أو من خارج البلد في الجزائر، فالجزائريون يعيشون قلقًا ووضعًا صعبًا فيما يتعلق بالوحدة الترابية والدينية والثقافية والعرقية التي تغنوا بها طيلة عقود من الزمن، على اعتبار أن إنجاز الوحدة كان تحدي فرض نفسه في مفاوضات الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي بين الشمال والجنوب، واستغلال هذا الأخير لجهات بربرية في صورة أزمة حزب الشعب الجزائري أواخر ثلاثينات القرن الماضي.

السفير الفرنسي في الجزائر برنارد إيمي زار مؤخرًا ولاية تيزي وزو، وصرح أن غالبية المهاجرين من الجزائر إلى فرنسا والحاصلين على التأشيرة هم من منطقة القبائل في استفزاز واضح لعموم الجزائريين وتقسيم عرقي واضح، كما زاد رجل الأعمال المعروف يسعد ربراب الطين بلة حين صرح بأنه يتعرض للحقرة والظلم من الحكومة الجزائرية «لأنه قبائلي!» وهو ما اعتبرته النخب السياسية والإعلامية صب الزيت على النار.

وتزامنت هذه الأحداث مع استضافة قناة فرانس 24 الفرنسية للانفصالي فرحات مهني باعتباره رئيس الحكومة القبائلية المؤقتة، في حين فتحت له قناة المغاربية التي تبث برامجها من العاصمة البريطانية لندن شاشتها ليدلي بتصريحاته الداعية للانفصال، وهو ما أزعج تيار واسع من الجزائريين لرفضهم فرحات مهني ودعاة الانفصال. فهل ستلتحق الجزائر بمعاناة المغرب بخصوص أزمة الأقليات والحكم الذاتي، باعتبار التطور الإعلامي الملحوظ في ملف منطقة القبائل؟

الصراع الفكري والأيديولوجي تحول من صراع أفكار وبرامج، إلى صراع عرقي وتبعية وعمالة للغرب في صورة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فالملاحظون لتغيير كتابة واجهات الجامعات ومدخل وزارة الدفاع الجزائرية من اللغة الفرنسية إلى الإنجليزية هو مؤشر على تحول في التوجه والتعبية من إمبريالية قديمة بالية، إلى إمبريالية جديدة متوحشة في صورة أمريكا. فهل ستنجح هذه التغيرات والتوجهات أم ستظل الجزائر عمقًا إستراتيجيًّا وفيًّا للمستعمر القديم الجديد فرنسا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد