تفاخر متحدث عسكري باكستاني ذات مرة على الملأ في مؤتمر صحافي بأن حسابات المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي باتت كالكتاب المفتوح بين يدي المخابرات العسكرية؛ ما يعني أن أي معارض قد يجد نفسه فجأة يقبع في السجن لفترات طويلة، دون حتى أن يعرف عنه أحد شيئًا، وليس سرًا أن الحكومة الباكستانية تعاقدت مع مطوري الأدوات المتقدمة لمراقبة الإنترنت في كندا لإنشاء نظام يسمح بفك تشفير أي حركة مرور مشفرة في البلاد؛ ما يعني تمكين الاستخبارات العسكرية من هتك خصوصية المواطنين على الإنترنت. 

يحدث ذلك تحت مظلة قانونية تتمثل في قانون الجرائم الإلكترونية، الصادر في 11 أغسطس (آب) 2016 بعد عملية تشريعية مركزة وخاطفة. لكن يبدو أن هذه المظلة لم تكن مريحة للسلطات بما يكفي، لذلك أقرت الحكومة الباكستانية في 11 فبراير (شباط) الماضي قوانين جديدة تُلزِم شركات وسائل التواصل الاجتماعي الدولية بحذف أي مواد تعتبرها السلطات غير مرغوب فيها على الفور، وتقديم بيانات حسابات المواطنين الباكستانيين التي تطلبها السلطات. 

صحيحٌ أن المراقبة الرقمية التي تفرضها المخابرات العسكرية على شبكة الإنترنت ليست جديدة في باكستان، التي كانت من بين أسوأ 10 دول في قائمة تضم 65 دولة شملها تقرير حرية الإنترنت الصادر عن منظمة «فريدم هاوس» لعام 2019، بيدَ أن القوانين الجديدة أثارت انتقادات حادة من النشطاء والمنظمات الحقوقية والصحافية المدافعة عن الحقوق والحريات، واعتراضات رسمية من موقعَيْ «تويتر» و«فيسبوك». 

الجيش الباكستاني.. «دولة داخل الدولة»

عمران خان، رفع منذ ظهوره على الساحة السياسية قادما من ملاعب الكريكت راية الدفاع عن الحريات وحماية العدالة الاجتماعية، لكن على الأرض الواقع لم تزد فترة ولايته الأوضاع فيما يخص إلا سوءًا بحسب أحدث تقارير «هيومن رايتس ووتش». 

رياضة

منذ 8 شهور
بعضهم وصل إلى كرسي الحكم.. أبرز الرياضيين الذين برعوا في «لعبة السياسة»

رئيس الوزراء الباكستاني لا يستنكف أن يعلن توافقه التام مع الجيش، حتى في مواجهة التظاهرات الشعبية، لكنه في المقابل يدرك الواقع الباكستاني جيدًا، إذ لم يكمل أي رئيس وزراء على الإطلاق ولاية الخمس سنوات كاملة؛ إذ شهد غالبيتهم تدخلًا من الجيش النافذ أو من المحكمة العليا أو من حزبهم مما حملهم على الاستقالة إن لم يتعرضوا للاغتيال، وهي الواقع الذي تتبعه د. ستار جبار علاي في كتابه «التجربة الباكستانية.. الديمقراطية وبناء النظام السياسي» الصادر في عام 2018. 

شروط تعجيزية.. سيفٌ استخباراتيّ على رقاب مستخدمي الإنترنت 

فيما يُذكِّر بالمائة ناقة الحُمر، التي كانت مهرًا لـ عبلة تعجيزا لمحبوبها عنترة؛ يتعين على مشغلي خدمات التلفزيون عبر الإنترنت دفع مبلغ يصل إلى 10 ملايين روبية (60 ألف يورو) للحصول على ترخيص، بالرغم من أن القانون يتيح للسلطات «تعليق وسائل الإعلام المرئية بسبب انتهاكها لقواعد السلوك» وهو ما يحتوي  على قدر كبير من الصياغة الغامضة التي تتيح مجالًا واسعًا للتأويل غير المنضبط.

فيما تشترط الإجراءات الجديدة على شركات وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك فيسبوك وتويتر ويوتيوب»، التسجيل لدى الحكومة في غضون ثلاثة أشهر من دخول القواعد الجديدة حيز التنفيذ، وإنشاء مكتب دائم مسجل في باكستان، بعنوان فعليّ يقع في إسلام أباد خلال الفترة ذاتها، ويلزم شركات الوسائط الرقمية أن تعين مسؤولًا رقميًا يتخذ من باكستان مقرًا له للتنسيق مع المنسق الوطني والسلطة المحلية المعنية في مدة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة المحددة. 

ليس هذا فقط، بل سيتعين على الشركات إنشاء خادم أو أكثر في غضون 12 شهرًا لتسجيل البيانات والمحتويات المنشورة على الإنترنت وتسجيلها، وكذلك إزالة أو تعليق أو تعطيل الوصول إلى الحساب أو المحتوى الذي لا يروق للحكومة، حتى لو كان القائم بالنشر مواطن باكستاني يعيش في الخارج، طالما أن منشوراته تقع تحت طائلة «التشهير أو التزييف أو المساس بالدين أو الثقافة أو الحساسيات العرقية أوالأمن القومي الباكستاني». والمحتوى الذي لن يقطف مقص الرقيب رقبته تمامًا، سيتعين على الشركات إضافة إشارة إلى جانبه تشير إلى أن السلطات تعتبره كاذبًا، وتسجل اعتراضها عليه. 

دولي

منذ 11 شهر
مظاهرات إسلامية حاشدة ضد عمران خان.. هل تشهد باكستان ثورة؟

وفي حالة عدم الامتثال لأي من هذه القواعد في غضون 15 يومًا، يصبح بإمكان السلطات الباكستانية تعليق خدمات هذه الشركات، أو فرض غرامة عليها تصل إلى 500 مليون روبية. ويجوز للمنسق الوطني إصدار تعليمات لحظر النظام عبر الإنترنت، أو حجب تطبيق وسائل تواصل، أو منع الخدمات التي تمتلكها الشركة أو تديرها.

وإذا كان الحظر السابق على تطبيق القانون طال أكثر من 800 ألف موقع إلكتروني سياسي وديني واجتماعي، بموازاة القيود الغامضة والتعسفية التي تفرضها هيئة الاتصالات الباكستانية على المحتوى، بحسب تلفزيون نيودلهي «NDTV» – الذي بالطبع يعترض على الحكومة الباكستانية دائمًا بحكم الصراع بين الدولتين – فكيف سيكون الوضع في ظل القواعد الجديدة الأكثر صرامة؟

8 تكتيكات استخباراتية لإسكات المعارضة

لاستشراف المستقبل، سنعود سنوات قليلة إلى الوراء، لنحطّ الرحال في عام 2017 الذي صدر فيه قانون الجرائم الإلكترونية، لنستعرض بعض التكتيكات الاستخباراتية الرامية لإسكات المعارضة والتي رصدتها مجلة «ذا دبلومات»: 

التكتيك الأول: الاختطاف

سرعان ما شنت الأجهزة الأمنية الباكستانية حملة اختطاف واحتجاز وسجن لنشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، استهلتها باستهداف شبه متزامن في مدن مختلفة لخمسة مدونين معروفين بانتقاد المؤسسة العسكرية. 

التكتيك الثاني: بث الرعب

في دولة يحكمها الجيش فعليًا على الأرض، وتسيطر الاستخبارات العسكرية على فضائها الإلكتروني، لطالما وجد الخوف بيئة خصبةً، لكن الرعب تفاقم إلى مستويات غير مسبوقة في تلك الآونة. 

التكتيك الثالث: تأليب الرأي العام

لولا أن المنظمات الحقوقية رفعت أصواتها عاليًا لما اعترفت السلطات بالاعتقالات في نهاية المطاف، لكنها كالعادة استخدمت تكتيكًا مشهورًا لكسب تأييد الرأي العام، واتهمت النشطاء بالتجديف والخروج على الإسلام، بالرغم من أنهم أنكروا التهم الموجهة إليهم، وأطلق سراحهم فيما بعد. 

التكتيك الرابع: التعذيب 

صدمة الاختطاف ألجمت ألسنة النشطاء لفترة، لكنهم بمرور الوقت بدأوا يستجمعون شجاعتهم لرواية حكايات مروعة تكشف تعرضهم للتعذيب الشديد على أيدي أجهزة الأمن. وحين أدركوا أنهم لم يعد لهم مكان في وطنهم، اضطروا إلى الذهاب للمنفى في البلدان الأوروبية. وبقيت الرسالة التي نجحت السلطات في إرسالها صاخبة وسافرة: لا تنتقدنا، وإلا فقد يأتي الدور عليك. 

التكتيك الخامس: تجاهل القضاء

استمرت موجة الترهيب، وفي وقت لاحق من عام 2017، اعتقل 27 مدونًا بتهمة نشر دعاية ضد «مؤسسات الدولة»، وهو مصطلح يستخدم على نطاق واسع للإشارة إلى الجيش الباكستاني. ومثلما يحدث عادة،  لم تراع هذه الحملة التدابير القضائية الواجبة، بل كان الهدف يجد نفسه فجأة في غيابات المجهول، بلا حقوق قانونية أو حتى أمل في مخرج واضح؛ فلا أحد يعرف هل سيطلق سراحه بعد ساعات أم بعد شهور

التكتيك السادس: القتل

على الرغم من الرعب الذي يعيشه المختطف أثناء فترة احتجازه، والضرر النفسي الذي يلازمه لفترة طويلة حتى بعد إطلاق سراحه، كان هناك مصير أسوأ ينتظر آخرين: القتل؛ حتى صُنِّفَت باكستان كأحد أخطر الدول بالنسبة للصحافيين؛ بسبب هذه الممارسات الانتقامية والسلطات المطلقة التي تتمتع بها وكالات الاستخبارات العسكرية. 

التكتيك السابع: ملاحقة المنفيين

حتى من يعيشون في المنفى، لم يسلموا من الأذى. بل تحرض السلطات الباكستانية الحكومات الغربية بإسكات المعارضين الذين يعشون على أراضيها. ولا تكتفي بذلك، بل تلجأ إلى تكتيك آخر هو اضطهاد أقارب هؤلاء المعارضين ممن لا يزالون يعيشون داخل البلاد، وحتى احتجازهم للضغط على ذويهم. 

التكتيك الثامن: الكتائب الإلكترونية

جعبة السلطات الباكستانية ملأى لا تنفد، ومنها تكتيك آخر يتمثل في توظيف مجموعات ضخمة للتشغيب إلكترونيًا على المعارضة، أو الإبلاغ عن الحسابات أو المجموعات غير المرغوب فيها لإغلاقها تمامًا.  

بعيدًا عن الضجيج.. هكذا علقت باكستان في «حلقة مفرغة» منذ عام 1947

حين يرتفع الضجيج الإلكتروني؛ يخفت صوت العقل، وتتوارى المشاكل الأكثر إلحاحًا، وعلى رأسها التحديات الاقتصادية التي تواجه باكستان، أو هذا ما تأمله المؤسسة الباكستانية التي تفترض أن السيطرة على جميع أدوات السلطة، والترويج لرواية وطنية واحدة، يمكن أن يخلص باكستان من مشاكلها العديدة.

لكن بينما ينظر جنرالات باكستان إلى أنفسهم على أنهم الترياق لمشاكل الوطن والدرح الحامي لأبنائه ضد مشاغبي الداخل وأعداء الخارج، يستدل آخرون بالواقع على أن القبضة العسكرية أسهمت بنصيبٍ وافر في تفاقم الأمراض المزمنة التي تعاني منها البلاد. 

وباكستان عالقة في حلقة مفرغة، تحت حكم المؤسسة العسكرية التي تدير الأمور بحكم الأمر الواقع منذ عام 1947؛ لأسباب كثيرة، في القلب منها: حرص الجيش على ترسيخ الشعور بعدم الأمان لتبرير التهام جزء كبير من موارد البلاد، مُخَلِّفًا الفتات للتنمية الاجتماعية أو البشرية بحسب المعارضة، ما يسهم بدوره في تقييد النمو الاقتصادي. وكلما تفاقمت وطأة الصعوبات الاقتصادية داخليًا، زاد اعتماد باكستان على مساعدة القوى الخارجية، التي لها توقعاتها ومطالبها. وبذلك يصبح المواطن في الداخل رهينة لدى الجنرالات، والجنرالات رهينة ذوي الأيادي الأجانب. 

فليصمت الإنترنت.. إذا تحدثت المؤشرات الدولية ماذا تقول عن باكستان؟

والحال هكذا، أصبح اسم باكستان مرتبطًا دوليًا بقصص انتهاكات حقوق الإنسان، وحالات الاختفاء القسري المروعة، واستغلال القانون لمعاقبة المعارضة، وتطويع القضاء لإرسال رسائل سياسية، في خضم صراعٍ سياسيّ لا يهدأ أبدًا، ناهيك عن مكانة باكستان المتردية في المؤشرات الدولية. 

على سبيل المثال، في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، صنف مؤشر هينلي لجوازات السفر «The Henley Passport Index» جواز السفر الباكستاني كواحد من أسوأ جوازات السفر التي يمكن أن يحملها مواطن حول العالم، بسبب الدول القليلة التي يمكنه السفر إليها بدون تأشيرة، إذ احتلت باكستان المرتبة 104 من أصل 107 للسنة الثالثة على التوالي، وتعادلت هذه المرة مع الصومال، ولم تسبقها سوى ثلاث دول مزقتها الحرب، هي سوريا والعراق وأفغانستان.  

وفي 14 يناير الماضي، أوضح تقرير نشرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» في 652 صفحة كيف كثفت الحكومة الباكستانية حملتها ضد وسائل الإعلام والمعارضة السياسية والمنظمات غير الحكومية في عام 2019، وإن أشار في الوقت ذاته إلى بعض الإصلاحات الإيجابية التي منحت النساء مزيدًا من الحقوق في سوق العمل وحسنت من مستوى الحد الأدنى للأجور. 

ومنحت وكالة فيتش الدولية باكستان تصنيف «B» من ناحية الجدارة الائتمانية، قائلة إن «تصنيف باكستان مقيد بضعف هيكلي، يتجسد في ضعف مؤشرات التنمية والحوكمة». مستشهدة بتدني نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي عند مستوى 1382 دولارًا، وهو أقل بكثير من متوسط البالغ 3470 دولارًا في الدول الأخرى المدرجة في التصنيف ذاته. 

ولا تزال الأوضاع المالية الباكستانية هشة حتى بعد استقبال قرض من صندوق النقد الدولي، ومساعدات نقدية من الدول الصديقة. ومن المتوقع أن تحتاج باكستان إلى تمويل خارجي يبلغ 27 مليار دولار لتسديد ديونها والوفاء بالاحتياجات الأخرى. وربما ينخدع البعض بانخفاض عجز الحساب الجاري، لكن المراقب عن كثب يدرك أن هذا الانخفاض في الواقع إنما هو ناتج عن التراجع الكبير في الواردات، وليس بسبب الارتفاع الكبير في الصادرات.   

ويشير أحدث تقرير للبنك الدولي حول الآفاق الاقتصادية العالمية، إلى أن النمو الاقتصادي في باكستان خلال السنة المالية 2019 – 2020 سيصل إلى أدنى مستوى له عند 2.4%، وربما يتحسن إلى 3.9% بحلول 2021 – 2022، فقط إذا «تحسنت ظروف الاقتصاد الكلي، ودعمت الإصلاحات الهيكلية الاستثمار». وفي حين قد يأمل بعض الاقتصاديين في تحسن الظروف في غضون سنوات قليلة، بسبب إصلاحات الاقتصاد الكلي، لا يكاد سكان باكستان يطيقون صبرًا وهم يتحملون عبء زيادة التضخم وارتفاع البطالة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد