الغباء أحد الأسباب الرئيسية لمعاناة البشر، ومع مصطلح يحتاج تفسيره لدراسات كـ “الغباء” فما نقصده هنا تحديدًا هو نوعان من الغباء، أولهما العداء دون سبب، ثم عدم التخطيط حتى لو توافرت لك الأسباب، بما يتسبب في مجال كالحروب لفقدان الآلاف بل الملايين حياتهم. فقط لأن قادتهم لم يتحلوا بالحكمة المفترضة.

وفي موضوعنا هذا نعرض بعضًا من تلك النماذج لقادة كانوا سببًا في هلاك جنودهم بما يصل بالحكاية حد تصنيفها كمضحكة.

 

7- هدية الأمريكيين لألمانيا


في العاشر من يوليو 1918 علم هاري براون قائد السرية ايرو 96 الأمريكية أن جنوده متشوقون للغاية لخوض معركة، فأمر بتسليح طائراتهم وتزويدها بالوقود إلا أن الطقس لم يكن يسمح بالطيران بسبب كثافة الغيوم حتى ظهر ذلك اليوم.

وبعد أن تلاشت الغيوم، قرر براون أن الوقت المناسب قد حان لشن هجمات، فجهز للطيران 6 طائرات، وانطلق بها، وفجأة أصبحت السماء مليئة بالغيوم، وأصبحت الرؤية وقيادة الطائرات صعبة، فبدأت الرياح في إخراج الطائرات عن مسارها. لم يكن منتشرًا في ذلك الوقت تعليم الجنود استخدام مظلات القفز، لذلك لم يكن أمامهم سوى الهبوط بطائراتهم، ومع توترهم وخوفهم الشديد لم يدركوا أنهم هبطوا في وسط كتيبة ألمانية، واعتقلهم جنود الجيش الألماني في الحال.

بعد ذلك ألقت طائرة ألمانية رسالة في المجال الجوي للحلفاء كتبت فيها بسخرية “نشكركم على تلك الطائرات والمعدات الجيدة، لكن ماذا نفعل مع القائد؟”. وقد كتب عن ذلك القائد بيلي ميتشل (أبو سلاح الجو الأمريكي) في مذكراته قائلًا: “كان هذا الموقف الأكثر تفاهة خلال تواجدنا على الجبهة، ولا حاجة لقول أننا لم نرد بشأن القائد، فبالتأكيد حاله في ألمانيا كان أفضل مما كنا نحن عليه”.

 

6- الخسائر 120 ألف جندي فقط!


كانت خطة البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى تتضمن تنفيذ هجوم برمائي على القوات التركية في مضيق الدردنيل، وذلك باستخدام جنود مدربين على أعلى مستوى وباستخدام أفضل الأدوات الحربية في ذلك الوقت.

ومع وجود تأكيدات من محللين حربيين بكون تلك الخطة يجب أن تتم في وقت يكون فيه الأتراك في أضعف حالاتهم. إلا أن الإنجليز ضربوا بكل تلك التعليمات عرض الحائط، حتى أنهم استخدموا نصف القوات فقط التي كان من المفترض – وفق الخطة – أن تذهب بتلك المعركة.

أضف لذلك أن البريطانيين كانت لديهم خرائط المكان لكنهم لم يحصلوا على أي صور باستطلاع جوي، الا أن اللورد كيتشنر كان يعتقد أن جنود الجيش العثماني وقتها سيهربون بمجرد أن يطأ أول جندي من قوات الحلفاء التراب التركي، وأنه لا حاجه للصور الجوية.

مني جيش الحلفاء في هذه المعركة بخسارة فادحة، وخسروا ما يقرب من 120 ألف جندي بين قتيل وجريح بسبب استخفافهم بالجيش التركي.

 

5- الهجوم العبثي على كشمير


اعتقدت القوات المسلحة والعناصر المتشددة داخل الحكومة الباكستانية عام 1965 أن الهند لن تصمد طويلًا للدفاع عن مناطق جامو وكشمير، كما توقعوا وقتها دعم الولايات المتحدة التي كانت قد باعت للباكستانيين أحدث الأسلحة، بالإضافة إلى دعم الصين التي كانت قد أذاقت الهند هزيمة ساحقة في حرب الحدود عام 1962.

فأعد القادة العسكريون خطة لعملية عرفت بـ “جبل طارق”، وكان هدفها هو اختراق آلاف من رجال غرب باكستان لجبال وتلال إقليم كشمير بغرض زعزعة استقراره وتحريض السكان على الثورة في الهند، وبينما ادعى المسؤولون الهنود مشاركة 30 ألف رجل في العملية قال الجانب الباكستاني إنهم كانوا سبعة آلاف رجل فقط.

وفي أغسطس 1965 بدأت العملية، وبدا أنها تتجه بالفعل كما كان مخطط لها إلى أن أدرك المخططون في باكستان عدم وجود اتصال مع رجالهم في كشمير. وفي المقابل تعاون أهالي إقليم كاشمير مع المخابرات الهندية للإيقاع بالباكستانيين المتسللين، وأدلوا بكل المعلومات التي يعرفونها عن العملية.

بعد ذلك نشرت الهند إدانة للهجوم والحرب الباكستانية، ومع إدراك الباكستانيين لفشل العملية وفقدانهم لعنصر المداهمة بالإضافة لخسارتهم لأي دعم أو تعاطف من قوى خارجية، قررت باكستان بشكل عبثي أن تشن هجومًا موسعًا. لكن العملية بأكملها آلت إلى طريق مسدود، وأجبرت الأمم المتحدة باكستان في النهاية على وقف إطلاق النار في 22 سبتمبر 1965.

 

4- معسكر بن تاي الخالي


في 21 نوفمبر عام 1970، سمع الأسرى الأمريكيون الذين أمسكت بهم القوات الفيتنامية، صوت طائرات الهليكوبتر والصواريخ وإطلاق النيران، فأدركوا مجيء منقذين لتحريرهم.

كان الفريق المكون من جنود القبعات الخضراء والقوات الخاصة بالقوات الجوية الأمريكية، لديهم – فقط – 30 دقيقة للاقتحام، وإنقاذ الـ60-70 أسيرًا المتوقع وجودهم في معسكر في مدينة بن تاي. وذلك بعد تدريب على مراحل وخطط تلك العملية وصل لـ170 مرة.

وبالفعل في ساعات ما قبل الفجر فجرت طائرة فريق الإنقاذ أهدافًا محددة، واستولت الهليكوبتر على أبراج المراقبة، وقتل الفريق وجرح أكثر من 100 جندي من القوات الفيتنامية، إلا أنه وحتى تلك اللحظة لم تكن قد ظهرت أية علامة على وجود أسرى في هذا المعسكر.

ليعرف المشاركون في الغارة بعد ذلك – ونظرًا لإخفاقات المخابرات – أنه لم يكن لدى مخططي الغارة أدنى فكرة عن نقل الجنود لمكان آخر بعيدًا عن المعسكر، وأنه ذهبت ساعات التدريب والأموال التي أنفقت من أجل الغارة هباءً.

 

3- غباء الاستخبارات الأمريكية


أطلقت وكالة الاستخبارات الأمريكية عام 2007 معلومات كشفت عنها السرية تخص برنامجًا عرف بـ”القوة الثالثة”، وكان هدف ذلك البرنامج هو عمل عدة عمليات خاصة مع الصين الشيوعية واستغلال ذروة الحرب الكورية. بحيث يلتقي الصينيون المنفيون بالقادة الشيوعيين الذين كانوا على خلاف مع حكومة ماو زيندونج، وكان الغرض من ذلك هو زعزعة استقرار المنطقة ودفع الصين بعيدًا عن الحرب.

وأثناء الترتيب للخطة في نوفمبر 1952 كان عميلا الاستخبارات الأمريكية جون دوني وريتشارد فيكتاي محلقَيْن فوق جبال تشانجباي يتتبعان الصينيين المنشودين. ومع انحدار طائرتهما سمعوا صوت انفجارات وأدركوا أنهم في كمين.

عرف الرجلان والمخابرات الأمريكية بعدها أنه لم يكن هناك قادة شيوعيون ساخطين على الحكومة من الأصل، وإنما كانت خدعة صنعها الشيوعيون في هونج كونج وتايوان. وفي نهاية الأمر قبض على الرجلين وأخذا للاستجواب، وغطّت الاستخبارات الأمريكية على الكارثة بأن أعلنت موت الرجلين في رحلة تجارية من كوريا إلى اليابان.

 

2- كيف استمر خداع السوفيت للمخابرات البريطانية طوال 10 سنوات؟


قام الكاتب البريطاني توم باور ببحث شاق لعمل كتابه “الشبكة الحمراء: إم16 واستخبارات الاتحاد السوفيتي” ذلك الكتاب الذي صدر عام 1993، وناقش خطط الاستخبارات البريطانية لإنشاء حلقة تجسس في بولندا ودول البلطيق. وامتدت العملية لـ10 سنوات كاملة، بين 1945-1955 في السنوات الأولى للحرب الباردة.

ومع نجاح الخطة بنسبة لا تكاد تذكر في بعض أهدافها، إلا أن العملية قد فشلت حد القبض على أغلب البريطانيين العاملين في الخطة وأسرهم أثناء تنقلهم عبر زورق. والاستيلاء على أدوات مراسلاتهم وشفراتهم علي يد جانيس لوكاسيفيكس (عضو في الاستخبارات السوفييتية)، والذي تمكن بتعذيبه لمن وقع تحت يده في الإيقاع بأغلب الشبكة البريطانية.

بل أرسل إشارات سرية يطلب المزيد من العملاء، ليتم الإيقاع بـ42 جاسوسًا حال وصولهم من قبل الاستخبارات السوفيتية، بعضهم قتل، وآخرون تم استخدامهم كجواسيس ضد بريطانيا. وقد استمر هذا الخداع للمخابرات البريطانية عقدًا كاملًا، حتى انتبه الجانب البريطاني للكارثة وأوقف العملية أخيرًا.

 

1- هل هناك من هم أكثر غباء من جواسيس الألمان؟


على الرغم من تأجيل هتلر لعملية سيليون تلك العملية التي تهدف لمهاجمة بريطانيا، إلا أن ألمانيا كانت قد بدأت الإعداد والتخطيط للعملية، مثلًا في 14 سبتمبر 1940 هبط العميل الألماني وولف شميت بالمظلة في إنجلترا، وقبض عليه بعد هبوطه مباشرة.

في الواقع، لم يصنع العملاء الأغبياء الذين أرسلتهم ألمانيا أي فارق إيجابي بالنسبة للعملية نظرًا لعدم كفاءتهم، حتى أن الاستخبارات البريطانية ظنت في بادئ الأمر أن المخابرات الألمانية بهامبورغ أرسلت هؤلاء العملاء غير المدربين لمعاداتهم للنازية، حيث لم يكن هؤلاء الجواسيس على دراية حتى باللغة الإنجليزية، أو أدنى فكرة عن العادات والتقاليد الإنجليزية.

فمنهم من وصفتهم التسجيلات البريطانية الرسمية، بأن القبض عليه كان أثناء محاولة شراءه كحول في العاشرة صباحًا دون أن يعلم بكون محال الخمور في بريطانيا لم تكن تقدم المشروبات الكحولية قبل موعد الغداء، كما قبض على اثنين آخرين أثناء قيادتهم دراجة على الجانب الخاطئ من الطريق.

حاول بعض هؤلاء الجواسيس التحايل أمام الشرطة الإنجليزية بلهجة إنجليزية غير متقنة، لكن في النهاية كشفت أكاذيبهم عندما اكتُشف في حقائبهم نقانق ألمانية وكريم نيفيا الألماني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد