في 18 أبريل (نيسان) الماضي، قالت وزيرة المالية التونسية السابقة لمياء الزريبي إن البنك المركزي سيقلص تدخلاته لخفض الدينار تدريجيًّا، ولكنه لن يسمح بانزلاق كبير للعملة المحلية مثلما حدث في مصر عندما جرى تعويم الجنيه، تصريحات الوزيرة تسببت في الكثير من التقلبات بالسوق التونسي؛ إذ تراجعت قيمة عملة البلاد بشكلٍ حاد، وهو الأمر الذي دفع المركزي التونسي في اليوم السادس والعشرون من نفس الشهر إلى رفع سعر الفائدة.

البنك قرر رفع سعر الفائدة الرئيسي من 4.25% إلى 4.75% وذلك للمرة الأولى في ثلاث سنوات، في محاولة منه لمواجهة الهبوط الحاد في الدينار والضغوط التضخمية، التي تسببت بها تصريحات الزريبي، ولكن فشلت تلك المحاولة في تهدئة الأسواق، وبعد ثلاثة أيام فقط، وقبل نهاية أبريل (نيسان) قرر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، إعفاء وزيرة المالية من مهامها، وتكليف وزير التعاون الدولي والاستثمار بالإشراف على الوزارة، وهي المحاولة التي لم تنجح أيضًا، فهبوط الدينار الذي لم يسبق له مثيل لم يتوقف، وذلك رغم نفي البنك المركزي لأي خطط لخفض قيمة الدينار.

المركزي التونسي لجأ مرة أخرى لرفع سعر الفائدة الرئيسي بواقع 0.25%، في 24 مايو (أيار) الجاري، وهي ثاني زيادة من نوعها خلال شهر، ضمن جهوده لوقف هبوط الدينار وتخفيف التضخم، إذ رفعت الفائدة من 4.75% إلى 5%، ورغم مرور نحو خمسة أيام ما تزال استجابة الأسواق لقرار المركزي شبه معدومة، فهل سيتغير هذا الوضع قريبًا؟ أم أن تونس على موعد ثالث مع رفع معدل الفائدة؟

هدف المركزي دعم العملة المحلية.. من المسؤول عن تراجع الدينار؟

يرى البعض أن تراجع العملة التونسية في الآونة الأخيرة كان سببه الرئيسي تصريحات وزيرة المالية السابقة، إذ يقول مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن آخر زيادتين للفائدة كانتا في إطار محاولات السلطات النقدية بالبلاد لوقف تراجع قيمة الدينار التونسي مقابل العملات الرئيسية، منذ إطلاق تصريحات الزريبي الغريبة والمثيرة للجدل، حيث أحدثت اضطرابات شديدة في سوق الصرف، وتراجع في قيمة الدينار، وزيادة تخزين العملات الأجنبية، خاصةً أنها كشفت لأول مرة عن أن البنك المركزي سيقلص تدخلاته لخفض الدينار تدريجيًّا.

الأسواق التونسية

بيد أن محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري أكد أن البنك لا يخطط لخفض قيمة العملة المحلية، قائلًا خلال بيان له: «السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف المعتمدة لا تستهدف تخفيضًا في قيمة العملة أو سعر صرف محددًا، أو تعويمًا للعملة الوطنية، بل تعتمد تدخلات مدروسة ومنسقة للحد من التغيرات الحادة في أسعار الصرف»، وكان من المفترض أن يعالج هذا البيان الأثر الناجم عن تصريحات الزريبي، وهو ما لم يحدث، مما يرجح أن هناك سببًا آخر لاستمرار تدهور الأوضاع.

في المقابل، حمّل وزير المالية التونسي الأسبق إلياس الفخفاخ، مسؤولية هذا التراجع، للبنك المركزي، قائلًا: «انزلاق الدينار وصل 10℅، وهو مؤشر خطير يعكس العديد من المخاطر مثل ارتفاع المديونية والتضخم وكلفة الاستثمار، ولا بد من ترشيد العجز التجاري عبر الحد من التوريد ودفع التصدير»، ورغم هذه المخاطر إلا أنه في النهاية يعلم الجميع أن المركزي يمارس سلطاته النقدية، ومعنى أن رفع الفائدة لم يغير في الواقع شيئًا، أن هناك خللًا ما يقود إلى تذبذب السوق.

تقول الأرقام إن الاقتصاد التونسي يمر بمرحلة صعبة في الوقت الحالي، كانت هي السبب الأهم في تراجع سعر صرف الدينار بالأشهر الأخيرة إلى مستويات قياسية هي الأدنى منذ سنوات، ليصل إلى 2.51 دينار للدولار الواحد، مقارنة بـ 1.34 دينار للدولار قبيل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، التي أطاحت الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

ويؤكد عبد السلام، أنه على مدى السنوات الثلاثة الماضية فضل البنك المركزي التونسي سياسة تثبيت سعر الفائدة، وعدم رفعها لعدة أسباب أهمها على الإطلاق تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء عبر خفض تكلفة الأموال الممنوحة لها من القطاع المصرفي، وساعد البنك المركزي في ذلك عاملان مهمان: الأول هو معدل تضخم مقبول لدى الشارع والاقتصاد، والثاني استقرار ملحوظ في سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الرئيسية.

وتابع: «أن ما حدث مؤخرًا دفع البنك المركزي لإعادة النظر في هذه السياسة؛ فقد ساهمت الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد من إرهاب، وقلاقل أمنية، في عدم استقرار قطاع السياحة المورد الرئيسي لموارد النقد الأجنبي، إضافة لزيادة معدل التضخم»، ومن هنا رفع البنك المركزي سعر الفائدة مرتين خلال فترة وجيزة لا تتجاوز الشهر لتصبح 5%.

زيادة كلفة الاستثمار أبرز مخاطر رفع الفائدة

«على الرغم من أن البنك المركزي أكد في بيانه الأخير أن قرار رفع نسبة الفائدة يأتي في إطار مواصلة العمل لمواجهة الضغوط المتزايدة على مستوى الأسعار، وكذلك على المدفوعات الخارجية، وتفادي آثارها السلبية في الانتعاش الذي شهده الوضع الاقتصادي بالبلاد، خلال الربع الأول من السنة الحالية، وعلى الرغم من أهمية تدخلاته لوقف موجتي التضخم وهبوط الدينار، إلا أن رفع الفائدة له تأثيرات مباشرة في الاقتصاد، منها زيادة الدين المحلي وعجز الموازنة، والتأثير سلبًا في مناخ الاستثمار من جهة زيادة تكلفة الاقتراض المصرفي»، كما يقول عبد السلام.

ومن المعلوم اقتصاديًّا التأثير السلبي الكبير في الاستثمار حال رفع أسعار الفائدة، فكلما كانت أسعار الفائدة منخفضة انتعشت الاستثمارات والعكس، وهو الأمر الذي حذر منه الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، قائلًا: إن رفع سعر الفائدة مرتين في شهر واحد ينطوي على مخاطر حقيقية على الاتحاد، وستكون له تداعيات سلبية على قدرتها التنافسية، معربًا عن استغرابه وتفاجئه الشديد من قرار المركزي، في وقت يظهر فيه بوادر انتعاشة اقتصادية، ومؤشرات إيجابية في نسبة النمو، بحسب الاتحاد.

مخاطر حقيقية ورسالة سلبية للمستثمرين لأنه سيزيد من كلفة الاستثمار.

هكذا رأى الاتحاد التونسي قرار البنك المركزي برفع سعر الفائدة مرتين في أقل من شهر، معتبرًا أنه بات ضحية للعديد من القرارات المجحفة، ما فتأت تتلقى الضربات الموجعة الواحدة تلو الأخرى على غرار الضريبة الاستثنائية على المؤسسات لقانون المالية لسنة 2017، والزيادة في الأجور، وانهيار قيمة الدينار التونسي، فيما رفض مبرر المركزي المتمثل في الحد من التضخم، وذلك لأن ارتفاع التضخم يكمن في عوامل وسياسات أخرى.

الأسواق التونسية

هل ينخفض معدل التضخم بعد رفع الفائدة؟

ربما لا يهتم المركزي التونسي بقيمة الدينار بقدر اهتمامه بارتفاع الأسعار، إذ إن معدل التضخم هو أكثر ما يقلق التونسيين في الوقت الحالي، ولكن استمرار هبوط الدينار يضيف مزيدًا من الضغوط التضخمية، وهو ما يأمل البنك في معالجته من خلال رفع الفائدة، ولكن في الوقت ذاته يُحذّر خبراء من استمرار تدهور القوة الشرائية للدينار للتونسي، إذ كشف المعهد الوطني للإحصاء تراجعها بنسبة 42%.

وارتفع التضخم السنوي في تونس إلى 5% بنهاية أبريل (نيسان) الماضي، وذلك من 4.8% في مارس (آذار)، وهو الارتفاع السابع على التوالي، حسبما أظهرت بيانات وكالة الإحصاءات الحكومية التونسية، وكان التضخم قد سجل 4.2% في 2016 مقارنة بـ 4.1% في 2015.

وبالرغم من الارتفاع المستمر في نسبة التضخم إلا أن البعض يشكك في المعدلات الرسمية، في ظل أن أسعار مختلف السلع تسجل قفزات متتالية تجاوزت 100% في بعض الأحيان، إذ يرى الخبير المالي وجدي بالرجب، أن نسبة التضخم الملموس في تونس حاليًّا تقترب من 11%، مشيرًا إلى أن معهد الإحصاء يستعمل منهجية غير محدّثة في احتساب الأرقام، خاصة أن آخر تحديث قام به المعهد كان سنة 2010، وفق تأكيده.

ولكن يبقى السؤال، هل تنجح خطة المركزي في كبح جماح التضخم؟ في الواقع حلول السياسة النقدية لها قدر كبير من الأهمية، ولكن في مثل هذه الحالات يجب دائمًا العودة للاقتصاد الحقيقي، ففي الغالب يكون الخلل في الأساس في هيكل الاقتصاد، وهنا نجد أن الأسباب الحقيقية لتدهور العملة التونسية، وزيادة معدلات التضخم تتلخص في عنصرين أساسيين هما الميزان التجاري، ومصادر العملة الأجنبية.

عجز الميزان التجاري

الميزان التجاري هو أكثر المؤشرات التي تدل على حالة الاقتصاد في أي دولة، وتعاني تونس من نسبة عجز كبيرة بالميزان التجاري، وفقًا لمعهد الإحصاء الحكومي، فإن العجز التجاري لتونس تضاعف تقريبًا في أول شهرين من 2017 مقارنة بالفترة التالية من العام الماضي، وقفز العجز 86% في أول شهرين من 2017.

العجز التجاري لتونس تضاعف في أول شهرين من 2017

وبلغ العجز التجاري نحو 3.878 مليار دينار في نهاية مارس (آذار) 2017، مقارنة بـ 1.466 مليار دينار في مارس (آذار) 2016، حسب إحصائيات للمعهد الوطني للإحصاء (حكومي)، وهو الأمر الذي دفع رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد إلى الحديث عن أن حكومته ستحد من الواردات العشوائية لمجابهة تفاقم العجز التجاري، وهبوط الدينار لمستويات تاريخية أمام اليورو والدولار؛ مما قوض احتياطي العملة الأجنبية.

مصادر العملة الأجنبية

السياحة والاستثمارات هما أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد، إلا أن القطاعين يشهدان أوضاعًا صعبة خلال السنوات الماضية، وذلك في أعقاب الهجمات الإرهابية التي استهدفت متحف باردو وسط العاصمة تونس، ومدينة سوسة الساحلية (شمال شرق)، وأودت بحياة عشرات السياح الأوروبيين.

فإيرادات تونس من السياحة سجلت انخفاضًا بنسبة قياسية وصلت إلى 34.1% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2014، فيما تراجعت مساهمتها حاليًا بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي لتونس مقابل 10% قبل عام 2011، فيما تسعى البلاد من خلال استراتيجية جديدة لدعم قطاع السياحة، إلى استقطاب عشرة ملايين سائح بحلول 2020، مقارنة بـ5.7 ملايين في 2016.

أما فيما يخص الاستثمارات، بالرغم من أنها ارتفعت بنسبة 18% في الثلاثة أشهر الأولى من 2017، مسجلة نحو 190 مليون دولار، مقابل نحو 161 مليون دولار، في الفترة نفسها من 2016، إلا أن هذه الاستثمارات ذهبت إلى قطاعات لن يكون المردود الاقتصادي منها سريعًا، فيما لم يحظ القطاع الفلاحي بأي استثمار في هذه الفترة، وهو ما قد يفسر عدم وجود تحسن حقيقي في الواقع الاقتصادي بالبلاد.

زيارة مديرة صندوق النقد إلى تونس

وبعيدًا عن الضغوط الاجتماعية، تواجه تونس ضغوطًا من صندوق النقد الدولي لإطلاق إصلاحات اقتصادية بهدف خفض عجز الموازنة بعد أن توصلت لاتفاق على صرف دفعة ثانية بقيمة 320 مليون دولار من إجمالي قرض قيمته 2.8 مليار دولار، إذ يرى عبد الجليل البدوي، الخبير الاقتصادي، أن الصندوق يطلب انزلاق قيمة الدينار لتغطية العجز التجاري، باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الواردات مقابل تراجع قيمة الصادرات.

في النهاية يبقى التضخم نتيجة حتمية لأجندة الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها تونس تحت إشراف صندوق النقد الدولي، كما أنه من المستبعد أن يقود رفع الفائدة المتكرر معدل التضخم للانخفاض، ربما يجعل وتيرة الارتفاع أقل حدة فقط، وهو ما يشير إلى أن المركزي تسرع بعض الشيء في رفع الفائدة لمرة ثانية، فيما تبقى الأزمة محصورة في عجز ميزان المدفوعات، الناتج بشكل رئيس عن ارتفاع العجز في الميزان التجاري، في وقت تعطلت فيه عجلات الإنتاج في العديد من الصناعات التونسية خلال السنوات التي أعقبت الثورة، وقلصت من الصادرات؛ وسط تراجع واضح في صناعة السياحة التي تعد مصدرًا رئيسًا للعملة الأجنبية.

المصادر

تحميل المزيد