منذ شهر فبراير (شباط) الماضي خفّض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة أربع مرات، منها ثلاث مرات على التوالي. كان آخر خفض خلال الشهر الجاري، باجتماعه الثالث على التوالي بشأن السياسة النقدية بعد اجتماعي سبتمبر (أيلول)، وأغسطس (آب) الماضيين. وتتناول معظم وسائل الإعلام هذا الاتجاه على أنه دليل على تحسن اقتصادي في مصر، فهل حقًا خفض الفائدة دليل على التعافي أم مؤشر أزمة؟

تزامن خفض الفائدة في مصر مع موجة عالمية من خفض الفائدة إلى مستويات قياسية منخفضة إلى نحو 0% وأقل، في توجه يشير المحللون إلى أنه محاولة لكبح جماح الركود الذي يضرب اقتصادات العالم. بمعنى أن التحرك العالمي نحو الخفض لم يأت بسبب تعافي الاقتصاد، ولكن جاء بسبب وجود أزمة تباطؤ نمو اقتصادي، لكن السؤال الآن: هل هناك اختلاف بين الموجة العالمية والحالة المصرية؟

اقتصاديًا: تقول القاعدة وفق «النظرية الكنزية»: «إن زيادة عرض النقود تؤدي إلى انخفاض سعر الفائدة، ومن ثم زيادة الاستثمار، والتي سوف تدفع الطلب الكلي للزيادة بالشكل الذي يضمن علاج حالات الركود الاقتصادي». إذ يرى كينز أن سعر الفائدة يعتبر من معوقات التشغيل الكامل لذلك يقترح تخفيضه إلى الصفر، ولتوضيح هذا المعنى أكثر من المهم أن نعرف كيف ينظر الاقتصاديون لسعر الفائدة، وما هي وظيفة سعر الفائدة في الاقتصاد؟

برنامج السيسي لإصلاح اقتصاد مصر يقترب من نهايته.. 15 مؤشرًا يكشف هل نجح أم فشل

يُنظر للفائدة بشكل عام على أنها تعمل على الربط بين المقرضين والمقترضين، فهي السعر الذي يدفعه المقترض لقاء استخدام الأموال المقترضة لفترة زمنية معينة، لكن فيما يخص وظيفة سعر الفائدة في الاقتصاد، فهناك أكثر من وظيفة، وأهمها ضمان جذب المدخرات لتحقيق النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى أنها من الأدوات التي تستخدمها السياسة النقدية وتؤثر بها الحكومة على حجم الادخار والاستثمار، وتوجيه الاقتصاد الوطني وفق السياسة المرسومة له وحسب الحالة الاقتصادية السائدة.

أربع مرات في 2019.. رحلة خفض الفائدة في مصر

قبل الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 كان معدل الفائدة في مصر نحو 11.75% و12.75% للإيداع والإقراض لليلة واحدة على الترتيب، لكن جرى رفع أسعار الفائدة 300 نقطة أساس على الإيداع والإقراض إلى 14.75% و15.75% على الترتيب، تزامنًا مع تحرير سعر الصرف، وبعد رفع أسعار الوقود.

ثم تبع هذا الرفع زيادتان: الأولى في مايو (أيار) 2017؛ إذ قرر المركزي رفع أسعار الفائدة 200 نقطة أساس 2% على الإيداع والإقراض. والثانية في يوليو (تموز) من العام نفسه؛ فقد رفعت مصر أسعار الفائدة 200 نقطة أساس لتصبح 18.75% على الإيداع، و19.75% على الإقراض.

وبهذا يكون مجموع الزيادة منذ تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر 2016، نحو 700 نقطة أساس 7%. وكانت المبررات لهذه الزيادة هي مكافحة قفزة في التضخم، وكانت النتيجة هي شهية غير مسبوقة لاستثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية، بينما في المقابل أبطأ هذا الإجراء كلًا من الاستثمار الأجنبي المباشر، والاستثمارات المحلية التي تحتاجها البلاد بشدة.

وفي المقابل بدأت رحلة الخفض في فبراير 2018 عندما قال البنك المركزي المصري إنه خفض أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس 1%، وذلك للمرة الأولى منذ تحرير سعر الصرف، وتبعه المركزي بخفض آخر في الشهر التالي مباشرة في مارس (آذار) 2018 بمقدار 100 نقطة أساس 1% أيضًا، لتصل إلى 16.75 و17.75% على الترتيب.

وبعد هذا الخفض ثبت المركزي أسعار الفائدة خلال 10 أشهر متتالية، وحتى آخر اجتماعات لجنة السياسة النقدية خلال عام 2018، لكن مع أولى اجتماعات 2019 في فبراير من العام الجاري خفض المركزي سعر الفائدة 1% لتصبح 15.75% و16.75%، بدلًا عن 16.75% و17.75% على الترتيب. وتم الخفض خلال أشهر: أغسطس، وسبتمبر، ثم نوفمبر الجاري؛ لتستقر أسعار الفائدة عند 12.25% و13.25% للإيداع والإقراض على الترتيب.

هذا المستوى يزيد 50 نقطة أساس 0.5% فقط، عن معدل الفائدة في مصر قبل الثالث من نوفمبر 2016 (ما قبل تحرير سعر الصرف)، لكن ما هي الأسباب الحقيقية للخفض؟

بين الأسباب الرسمية والواقعية.. لماذا يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة؟

بصورة عامة تشير التقارير الرسمية الصادرة عن البنك المركزي إلى أن الخفض يأتي استنادًا إلى انخفاض معدلات التضخم وتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي. لكن في الحقيقة عندما ننظر نظرة أكثر واقعية نجد أن قرارات الخفض المتتالية تستهدف جذب مزيد من الاستثمار، في وقت عانت فيه الاستثمارات في مصر من معدلات الفائدة المرتفعة.

وسنتحدث هنا عن الاستثمار الأجنبي المباشر تحديدًا الذي يعتبر من أهم المؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى سلامة الاقتصاد الوطني وتوقعات مستقبل أفضل ونمو قوي، إذ يعتبر الاقتصاديون هذا النوع من الاستثمار هو أهم أنواع الاستثمارات التي يجب أن تسعى الدولة لجذبها.

ومنذ بداية برنامج الإصلاح الاقتصادي تواصل الحكومة الإعلان في كل مناسبة عن أنها تعمل على تهيئة المناخ الجاذب للاستثمار، وإنها تضع حل مشاكل المستثمرين وإزالة المعوقات التي تقف في طريقهم على رأس الأولويات، إلا أن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة للبلاد تراجع بعض أشهر قليلة من التوصل لاتفاق مع «صندوق النقد الدولي»، إذ تراجع بنسبة 17.8% في مارس 2016.

ووفق البيانات المعلنة، فإنه خلال الفترة من يوليو إلى مارس من السنة المالية 2018-2019، هبط الاستثمار الأجنبي المباشر بالقطاع غير النفطي في مصر لأدنى مستوى منذ 2014، إذ بلغ حوالي 400 مليون دولار في الربع الأول، انخفاضًا من 950 مليون دولار في الربع الأخير من 2018، و720 مليون دولار في الربع الأول من 2018.

هذا الانخفاض قابله طفرة باستثمارات الأجانب في أذون الخزانة، التي قفزت بقوة خلال آخر ثلاث سنوات، لذلك يمكن القول إن خفض الفائدة جاء بهدف إصلاح خلل اقتصادي كبير في منظومة الاستثمارات في مصر، وليس بسبب تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي كما يتم تداوله إعلاميًا.

وبالنظر إلى تقرير لجنة السياسة النقدية الصادر عن البنك المركزي في 14 نوفمبر الجاري، نجد أن البنك أرجع خفض سعر الفائدة إلى تراجع معدل التضخم لأقل مستوى منذ 14 عامًا، وارتفاع معدل النمو الاقتصادي، انخفاض معدل البطالة، لكن رغم ذلك أشار التقرير إلى أن الخفض يأتي في ظل ظروف عالمية، متمثلة في تباطؤ معدل النمو الاقتصادي العالمي، والتأثير السلبي للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتذبذب أسعار النفط العالمية، وتوجه البنوك المركزية عالميًا نحو خفض سعر الفائدة.

هل تدل الفوائد المنخفضة على أوضاع اقتصادية أفضل؟

وفي الواقع ربما يكون هذا التقرير مربكًا بعض الشيء، هل الخفض بدافع التحسن أم نابع عن مخاوف؟ عالميًا نجد أن الانتكاسة التي ضربت نمو الاقتصاد العالمي والمخاوف المتنامية على خلفية تصعيد الحرب التجارية، دفعت العالم للميل لخفض معدلات الفائدة من أجل دعم وتعزيز الوضع الاقتصادي، ومن المفترض أن هذا ما يحدث أيضًا في مصر.

على مستوى الاقتصاد الحقيقي يرى الاقتصاديون أنه عندما يكون اقتصاد الدولة قويًا يحلم الجميع  أن يكون سعر الفائدة منخفضًا؛ لأن هذا يجعل تكلفة الاقتراض ضئيلة ويشجع المستثمرين على تعزيز أعمالهم، فأسعار الفائدة المنخفضة تشجع الشركات والمستهلكين على الاقتراض، سواء بهدف الاستثمار أو الاستهلاك، وهو ما ينتج عنه بالتالي أن تكون النقود في وضع التداول ويرتفع عرض النقود بسبب القروض، وهو ما يدعم الانتعاش الاقتصادي إلى حد ما.

«اقترض بفائدة تساوي صفر».. هل اقتصاد بلا «ربا» يعني اقتصادًا ناجحًا؟

وفي النهاية فإن الهدف الرئيس لخفض الفائدة هو تحفيز الطلب وتحريك الأموال من البنوك إلى الأسواق، سواء للاستثمار أو الاستهلاك كما ذكرنا. والفائدة المنخفضة تحفز المستهلكين على الاستهلاك، وتنشط حركة الاقتصاد لاعتماد الكثير من المستثمرين والشركات المساهمة على القروض في تمويل مشاريعهم، وهو ما تحتاج إليه مصر حاليًا إذ تعاني الأسواق من ركود كبير، رغم النمو الاقتصادي السريع الحاصل حاليًا.

ويرى الاقتصاديون أن النمو الاقتصادي السريع والقصير الأجل لا يسفر بالضرورة عن تنمية اقتصادية حقيقية، وذلك بمعنى حدوث تغيير في هيكل أو بنيان الاقتصاد يؤدي إلى تحسين حياة المجتمع ككل، فالتنمية الاقتصادية ليست تغييرًا ماليًا سطحيًا مرحليًا، عابر يقتصر على حسابات الناتج المحلي الإجمالي، لكنها خطة معقدة متشابكة تستهدف تغييرًا جوهريًا في البنيان الاقتصادي، ويسفر عنها رفع معدل الإنتاجية مع استخدام كفاءة الموارد القومية والعالمية والمستوى التكنولوجي المتاح.

وقد يحدث النمو بسبب انتعاش قطاع اقتصادي واحد كما يحدث في مصر حاليًا عبر المشروعات القومية الضخمة، لكن على عكس فإن التنمية التي تهتم بالهيكل الاقتصادي كاملًا، فالنمو قد يحدث في الأجل القصير بعكس التنمية التي ترتبط بالأجل الطويل، لذا تحتاج التنمية نمو مستمر وغير منقطع لأجل طويل، أي لمدة 15 عامًا في الأقل.

هل تحتاج مصر إلى أسعار فائدة أكثر انخفاضًا؟

يقول آلين سانديب، رئيس البحوث لدى «نعيم» للوساطة المالية: إنه «لا يزال هناك مجال متاح لخفض أسعار الفائدة»، بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز». كذلك يرى المحللون أن انخفاض أرقام التضخم في الآونة الأخيرة يرجع بشكل كبير إلى تأثيرات مواتية لسنة الأساس من العام الماضي، لكنهم توقعوا أن تتراجع تلك التأثيرات في الفترة المتبقية من 2019.

ويقول تقرير لـ«بلومبرج» إن الاقتصاديين يشعرون بالقلق حيال المساحة المتاحة للبنوك المركزية للتخفيض، بالنظر إلى أن أسعار الفائدة في جميع أنحاء العالم عند أدنى مستوياتها التاريخية بعد سنوات من الجهود لدعم النمو في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008، بالإضافة إلى أن هناك مخاوف بشأن مدى فعالية تخفيضات أسعار الفائدة في ضوء ارتفاع مستويات الديون.

ويرى معظم الاقتصاديين أن مصر مازالت بحاجة لمزيد من خفض أسعار الفائدة لإنعاش السوق وتشجيع رجال الأعمال على ضخ المزيد من الاستثمارات، إذ تجد مصر صعوبة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر منذ 2011، إضافة إلى تراجع الاستثمارات المحلية خلال الفترة الماضية بسبب ارتفاع التكلفة وضعف الشهية الشرائية بالسوق.

وبحسب رئيسة قسم البحوث في بنك الاستثمار «فاروس»، رضوى السويفي، فإن الاقتصاد المصري يحتاج إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة بنحو 300-500 نقطة أساس خلال العامين المقبلين. فبالرغم من أن النمو قد بلغ نحو 5.6% في 2018-2019، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس على حياة ملايين المصريين، وهو ما ظهر في زيادة معدل الفقر بالبلاد، وفق أحدث البيانات، لكن مع اتجاه خفض الفائدة ربما يتم علاج هذا الخلل الاقتصادي.

مفاهيم اقتصادية مغلوطة.. معدل النمو والتنمية الاقتصادية بين الواقع والشائع والمستقبل

المصادر

تحميل المزيد