1,636

أينما ذهب الإنسان؛ وجد فأرًا يطارده، يختبئ تحت الفراش، أو في شرفة المنزل المغلقة أبوابها  فترات طويلة، أو في المطبخ؛ متسببًا في صراخ السيدات وركضهن. الفأر بالفعل كابوس للإنسان، كما أن الإنسان ليس خبرًا جيدًا للفئران أيضًا، فالإنسان يقتله، ويطرده دون شفقة، ويجري عليه التجارب، وينشر عنه الشائعات المُغرضة في بعض الأحيان، ربما أشهرها أن الفأر يخاف القطط، وللتصحيح هو لا يعطي اهتمامًا للقطة وربما يركض وراءها مهاجمًا، ولكن ما نتفق عليه أن الإنسان يعيش في صراع دائم مع الفأر، وعلى الرغم من ذلك فمعظم الناس يعرفون القليل عن الفأر.

في السطور القادمة سنقدم لكم ثماني معلومات ربما لم تعرفوها عن الفئران من قبل.

الفأر والإنسان.. نفس التشريح

على مدار عشرات السنين؛ لعب الفأر دورًا محوريًا في المعامل البحثية، حيث أجرى عليه الإنسان آلاف التجارب التي تهدف لصالح البشرية، ولكن السبب وراء هذا ليس العداوة الأزلية بين الإنسان والفأر أو حجم الفأر الصغير والقابل للسيطرة فقط.

هناك سبب منطقي وليس تعسفيًا؛ وهو أن الإنسان والفأر – على الرغم من اختلاف حجميهما – إلا أنهما يتشاركان في بعض الخصائص التشريحية والوظائف الحيوية خاصة المخ والأعصاب، وهذا يمنح الباحثين الثقة بأن ما ينجح تأثيره على الفئران في التجارب، هو بنسبة كبيرة له تأثير فعّال على الإنسان أيضًا، هذا إلى جانب أن نظرية التطور تعتبر أن البشر عاشوا منذ ملايين السنين مع الفئران باعتبارهم عائلة واحدة، قبل أن تنقسم الرئيسيات والقوارض في سلسلة التطور البشري.

اقرأ ايضًا: 19 مليون حيوان سنويًا.. ما لا تعرفه عن تضحيات الحيوانات من أجل العلم

كارني ماتا.. مرحبًا بكم في معبد الفئران

تلك الكائنات الحية المنبوذة وجدت في الهند مكانًا يحتويها ولا يقتلها بل ويقدسها أيضًا، معبد كارني ماتا بالهند هو منزل دافئ لما يزيد عن 25 ألف فأر أسود، وهذا التقديس للفئران ليس لأجل كونها فئرانًا فقط، ولكن لإيمان بعض معتنقي الهندوسية أن هؤلاء ليسوا فئرانًا من الأساس، بل هم إعادة تجسيد لبعض أرواح الأسلاف، وهذا المعتقد تعود أصوله إلى أسطورة شعبية عن الإلهة كارني ماتا، والتي هزمت جيشًا من الأعداء مكونًا من 20 ألف جندي، وبعد قتلهم أعادتهم إلى الحياة مرة أخرى على شكل فئران، واعتبر الجنود تلك الخطوة هي هبة من كارني ماتا.

قرر الجنود أن يعيشوا باقي حياتهم فئرانًا في خدمتها، ولذلك هم يعيشون في المعبد المخصص لعبادتها، ويأتي إليهم بشكل متواصل الكثير من السائحين سواء بغرض الفضول، أو بغرض تقديم الاحترام والحصول على البركة من الفئران، وهذا عن طريق تناول الطعام الذي نقره الفئران من قبل، فمن يحصل على تلك اللقمة التي نقرها الفأر؛ فهو شخص محظوظ من وجهة نظرهم.

أحدهم صرح من قبل للإعلام أنه يعتني بالفئران في المعبد لإيمانه أن والده ربما يكون واحدًا من تلك الفئران، وقد تطرق الفيلم التسجيلي «Rats الفئران» لهذا المعبد والفئران التي تعيش فيه، والبشر الذين يقدسون تلك الكائنات الحية المنبوذة من العالم كله، وحظي هذا المعبد باهتمام العديد من وسائل الإعلام كحالة فريدة في معاملة الفئران.

ليس هناك فئران عملاقة

خوف الإنسان من الفأر؛ جعله يرسم هالة من الغموض حوله وحول عالمه الخاص تحت الأرض، ومن الشائعات الشهيرة التي طاردته هي شائعة الفأر الضخم التي انتشرت العام الماضي، حينما نشر أحد مواقع الأخبار الإنجليزية عن رجل وجد في منزله فأرًا ضخمًا في حجم طفل رضيع، الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه خدعة في التصوير ولم يكن هناك فأر بهذا الحجم من الأساس.

هذا الأمر كشفته جريدة الجارديان وصححته للجمهور الذي فُزع من حجم الفأر وظن أن هناك نوعًا جديدًا من الفئران يغزو إنجلترا، مؤكدة – الجارديان – أن تلك الصورة مزيفة وشرحت كيفية تزوير صورة على هذه الشاكلة، وأوضحت أن الفأر لا يزيد حجمه بكل حال من الأحوال عن 20 بوصة، في حالة استثناء إحدى الفصائل الاستوائية التي قد يكبر حجمها عن ذلك، ولكنها أيضًا لا تصل لحجم طفل رضيع.

الفئران تضحك أيضًا

«كما الأطفال بالضبط؛ تشعر الفئران بالحماسة والمرح عندما تدغدغها، وتحاول أن تمسك بيدك لتمنعك» هكذا صرح عالم الأعصاب شيمبي إيشياما للإعلام، مؤكدًا أن الدراسات التي شارك فيها وأجريت على الفئران؛ منحتهم اليقين بأن الفئران لديها حس فكاهة مثل البشر، وعندما تدغدغهم يتحركون بشكل حماسي مميز سماه القائمون على الأبحاث «قفزة البهجة»؛ لأن هذا ما يشعر به الفأر عندما تداعبه، والمثير للاهتمام أنه يصدر أصواتًا تشبه «قهقهة» الضحك لدى البشر، ومع الوقت يحب تلك الدغدغة وينتظرها، وحين تتوقف اليد عن دغدغته يظل يبحث عنها في الأرجاء حتى يستكمل المرح.

الأصوات التي تصدرها بعض الحيوانات ربما لا يدركها البشر إدراكًا كاملًا، ولكنهم يستخدمونها في التواصل مع بعضهم البعض، وكذلك الفئران، ولذلك سيكون من الصعب أن تسمع صوت ضحكات الفأر بأذنك البشرية العادية إذا تملكتك الشجاعة ودغدغته، ولكن باستخدام أجهزة متخصصة منحنا العلماء فرصة سماع «قهقهة» الفئران عندما تداعبهم، ولكن ما أكده شيمبي أن الفأر يضحك تحت تأثير الدغدغة عندما يكون مزاجه جيدًا فقط، أما الفأر المصاب بالتوتر أو القلق من كثرة التجارب عليه، فلا يتمتع بحس الفكاهة ويرفض مداعبة البشر له، وكأنه يعبر عن اعتراضه على تجاربهم من خلال الامتناع عن المشاركة في المرح.

الفأر هو أكثر حيوان مسؤول عن قتل البشر

من الشائعات التي انتشرت حول الفأر، أنه حامل لـ«داء الكلب rabies» وهو مرض نادر ولكنه قادر على الفتك بالإنسان من خلال مهاجمة مخه والخلايا العصبية بالجسم، ولكن براءة الفأر من هذا المرض لا تجعل منه حيوانًا بريئًا صحيًا يصلح حيوانًا أليفًا، ففي دراسة أجريت عام 2014 بالولايات المتحدة الأمريكية تحت إشراف جامعة كولومبيا؛ أُثبت أن الفأر خطر على حياة الإنسان، حين كشفت الدراسة أن الفئران التي تتخذ أنفاق المترو بيتًا لها؛ تحمل ما يزيد عن 18 فيروسًا لم يكتشف طبيعتهم العلم بعد.

وهذا جنبًا إلى جنب مع الأمراض الخطيرة التي اكتشفها العلم مثل «الالتهاب الكبدي الوبائي hepatitis C» وهو مرض قادر على قتل الإنسان بعدما يهاجم كبده ويدمره.

ومن الجدير بالذكر أن الفئران قتلت ما يقرب من 25 مليون شخص خلال خمس سنوات حينما نشرت مرض «الطاعون bubonic plague» في القرن الرابع عشر، وبشكل عام، من بين الثدييات؛ فـالفئران هي أكثر حيوان مسؤول عن قتل البشر.

«حرب وحشية لا تنتهي».. ولكنهم ما زالوا هُنا

على مدار القرون الماضية؛ ابتكر البشر العديد من الحيل الهادفة لإبادة الفئران، عن طريق فخاخ فتاكة، وحيوانات مدربة على قنصهم مثل الكلاب والقطط وبعض القوارض الأخرى، وآلات تصدر موجات فوق صوتية تعمل على قتلهم، وعن طريق غاز الخردل السام الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية عام 1940 عندما حاولت تنظيف جزيرة ريكرز التي هاجمها الفئران بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى سموم الفئران التي طورها البشر، والقادرة على قتل الفأر في ساعات قليلة حينما تسبب له نزيفًا حادًا.

نحن البشر نخوض حربًا وحشية مع الفئران، وكما أكد بوبي كوريغان العالم والباحث في مكافحة القوارض؛ فإننا نخسر هذه الحرب عن جدارة، وهذا ما صدق عليه الكاتب الأمريكي روبرت سوليفان في كتابه «الفئران Rats»، والذي وصف فيه العلاقة بين الفئران والبشر بالحرب الوحشية التي ليس لها نهاية، والتي يفوز بها الفئران دائمًا، والجدير بالذكر أن هذا الكتاب هو المرجع الرئيس للفيلم التسجيلي «Rats الفئران»، وما يمكن أن نستنتجه من الفيلم والكتاب أن أعداد الفئران أكبر من قدرة البشر على السيطرة عليها.

سنحاربهم بعقاقير منع الحمل

الفئران أكثر من البشر، وغالبًا هذا خطأ يقع ذنبه على عاتق البشر؛ نظرًا للاختيارات غير الفعالة في القضاء على الفئران، هكذا أكدت عالمة الأحياء لوريتا ماير، والتي ترى أن السبب الأساسي في عدم قدرة الإنسان على إبادة الفئران، هي قدرة الفئران الفائقة على التكاثر، فأسرة الفأر قد تبدأ بفردين، الذكر والأنثى، وفي خلال أقل من عام يصل عددهم إلى 15 ألف فأر.

فأنثى الفأر – كما أكدت لوريتا – تبويضها يحدث كل أربعة أيام، ولديها القدرة على ممارسة الجنس عشرات المرات في فترة التبويض، كما أنها تظل قادرة على الحمل حتى نهاية عمرها، ولذلك يكون لدى أنثى الفأر آلاف الأبناء والأحفاد، والقتل والإبادة لن يحدثوا فارقًا لأن ما يقتله البشر اليوم تستطيع  الفئران تعويضه في شهرٍ واحد، والحل – تطرحه لوريتا – هو حبوب منع الحمل.

قد يبدو الحل ساذجًا في البداية، ولكن إذا استطعنا – توضح لوريتا – أن نضع السم للفئران في الطعام، فلماذا لا نضع لهم العقاقير التي يعمل عليها الأطباء والباحثون الآن، والقادرة على تعقيم الأنثى، ونترك الأنثى التي تأكل من بيتنا تمضي لحال سبيلها، ولكنها في نفس الوقت لن يكون لها القدرة على الحمل، وبهذا الشكل البسيط نكون قد قتلنا آلاف الفئران قبل أن يأتوا إلى الحياة من الأساس، ووفرنا على أنفسنا – كما تطمح لوريتا – الحرب الشعواء بين الفئران والبشر، خاصة وأن العقار الذي تتحدث عنه لوريتا قد أثبت فعاليته في تقليل عدد الفئران بنسبة 40% خلال ثلاثة أشهر، ومن المفترض أن يُطرح هذا العقار في الولايات المتحدة للاستخدام العام.

مقاتلة الفئران والكلاب.. لعبة محرمة

هل الأبحاث المعملية ليست قاسية كفاية لتعذيب الفئران؟ إذن فلماذا لا نبتكر لعبة قمار هدفها الأساسي تمزيق الفئران إربًا بينما يشاهدها البشر باستمتاع ويهللون. عندما وضعت إنجلترا قانونًا يجرم ممارسة القسوة على الحيوانات عام 1835، والذي تضمن حماية حيوانات كبيرة مثل الثور والدب؛ تجاهلت الفئران في هذا القانون، وظلت لعبة مقاتلة الفئران منتشرة في إنجلترا بكثرة. شاهد مشهدًا من فيلم «عصابات نيويورك Gangs of New York» يحاكي تلك اللعبة من هُنا.

لعبة مقاتلة الفئران مع الكلاب كالتالي: هناك حفرة عميقة تسمح للبشر بالمشاهدة من الأعلى، وفي الحفرة تدخل الفئران الصغيرة، ومن ثم يطلقون كلبًا عليها، ويتم الرهان على الوقت الذي سيقضيه الكلب في الفتك بكل الفئران التي معه في الحفرة، كان في إنجلترا في ذلك الوقت ما يزيد عن 70 حفرة تمارس فيها تلك المقامرة، ولكن في السنوات الماضية بدأت بعض البلدان في وضع قوانين ضد تلك اللعبة الدموية.