أحمد طلب

17

أحمد طلب

17

2,108

يرى الكثيرون أن علم الاقتصاد من أكثر العلوم تعقيدًا، إذ يتعثر أحيانًا على الغالبية من غير المتخصصين فهم المتغيرات الاقتصادية التي تحدث حولهم، وبعيدًا عن معضلة الإجابة عن تساؤل هل الاقتصاد معقد أم لا، يجب أن نعترف بكون السياسة النقدية للبنوك المركزية أمرًا شديد التعقيد بالفعل.

ولعلّ أهم أدوات السياسة النقدية التي تستخدمها البنوك هي سعر الفائدة، وفي الغالب ما نقرأ عناوين مثل: «المركزي يثبت سعر الفائدة، المركزي يخفض سعر الفائدة، المركزي يرفع سعر الفائدة»، دون إدراك معطيات وتداعيات هذه القرارات، لكن في الغالب يعرف الجميع النتيجة النهائية للقرار، وهي زيادة أو انخفاض أو ثبات الفائدة التي يحصل عليها عن ودائعه البنكية.

ما هو سعر الفائدة؟

في البداية يعرف سعر الفائدة بأنه أداة أساسية للبنوك المركزية لضبط السياسة النقدية للدولة، ولكن الحديث هنا عن سعر الفائدة الأساسية، وهو كلفة الاقتراض ما بين البنوك، والذي ينتج عن تحريكه قيام البنوك والمؤسسات المالية بتحريك سعر الفائدة على القروض والمدخرات التي يتعامل من خلالها المستهلك النهائي، وذلك استنادًا إلى سعر الفائدة الأساسية.

القاعدة الاقتصادية تقول إن البنوك المركزية تلجأ لرفع الفائدة عندما ترتفع نسبة التضخم في الاقتصاد، وهذا الإجراء يدفع اقتراض الأشخاص والشركات للتراجع، وهو ما ينتج عنه انخفاض في الإنفاق والطلب، وبالتالي يتراجع التضخم، وهذا هو هدف الرفع.

في المقابل يلجأ المركزي إلى خفض سعر الفائدة عندما تشهد البلاد حالةً من الركود الاقتصادي، والخفض ينعش الاقتراض، وبالتالي الإنفاق؛ مما يقود البلاد للخروج من دائرة الركود، ولكن لا تسري الأمور دائمًا بهذه السلاسة، ولكن هكذا تقول القاعدة العامة.

من الطبيعي ألا يظهر تأثير تحريك سعر الفائدة بصورة فورية، بل يحتاج الأمر إلى أشهر كي يبدأ التأثير في الظهور على الاقتصاد والأفراد، ولكن هناك بعض الآثار السريعة للقرار، وهي متعلقة بأسعار الذهب والأسهم والسلع، وذلك بسبب اتجاه المستثمرين الذي يتغير سريعًا بعد التحريك، كما أن الرفع أو الخفض يتناسب عكسيًّا مع سعر السندات، ويؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض سعر صرف العملة المعنية.

على كلٍّ، يعيش العالم الآن أغرب الأوقات فيما يخص أسعار الفائدة بشكل خاص، ففي الوقت الذي ترفع أمريكا الفائدة، نجد اليابان وأوروبا تسلك الطريق المعاكس وتتمسك بالخفض، فيما تتأرجح تركيا بين الخفض والرفع، كذلك في الوقت الذي نجد فيه أسعار الفائدة في مصر تجاوزت الـ20%، نجد بعض البلدان تطبق فائدة سالبة، وكل هذه التناقضات تكشف عن واقع أن السياسة النقدية للبنوك المركزية أكثر تعقيدًا مما يتصور البعض.

ولكن قد لا تشعر كثيرًا بخفض أو رفع الفائدة في الصين أو روسيا أو غيرهما، ولكنك تجد انتفاضة عالمية بفعل تحريك سعر الفائدة الأمريكية، وهذا الأمر ناتج عن أن الدولار عملة قياس رئيسية، ومعظم السلع والخدمات مقومة به، بالإضافة إلى أن كثيرًا من العملات مربوطة به أيضًا، لذلك يشعر الجميع بتأثير سعر الفائدة الأمريكية أكثر من غيرها.

ماذا يعني رفع الفائدة الأمريكية؟

للمرة الثانية في ثلاثة أشهر، رفع البنك المركزي الأمريكي سعر الفائدة المستهدف لأجل ليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 0.75 – 1.00%، فما هي تداعيات وآثار هذا القرار في الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وهذا القرار هو الأول في العام الجاري 2017، وذلك بعد الزيادة التي أُعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والقرار الثالث خلال عقد من الزمن.

تداعيات هذا القرار تتمثل في الأثر على سعر العملات الأخرى مقابل الدولار، وفي المقابل تنخفض أسعار النفط والذهب وغيرها من السلع والمعادن المقومة بالدولار، وتزيد كلفة الاستيراد، وتقل تنافسية الصادرات، ما يؤدي لاختلال الميزان التجاري للدول التي تربط عملاتها بالدولار، وأبرزها دول الخليج.

كيف سيستفيد الاقتصاد الأمريكي؟

قرار المركزي الأمريكي برفع سعر الفائدة في 15 مارس (آذار) الجاري، جاء كخطوة عززها نمو اقتصادي مطرد، ونمو قوي للوظائف، وارتفاع بمعدل التضخم، بصورة ملحوظة، كما أنه إحدى خطوات المركزي في إطار مساعيه لإعادة السياسة النقدية إلى مسارها الطبيعي، بحسب رئيسة مجلس الاحتياطي جانيت يلين.

يلين أشارت إلى تنامي الثقة في مسار الاقتصاد الأمريكي، وهو الأمر الذي يجعل مجلس الاحتياطي يتمسك بتوقعاته لرفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين هذا العام، وثلاث مرات أخرى في 2018، بعد أن رفعها مرة واحدة في 2016.

قرار المركزي جاء بعد مجموعة من الأخبار الإيجابية، كان أبرزها تسارع نمو الوظائف الأمريكية بأكثر من المتوقع في فبراير (شباط) الماضي، إذ عدلت الوزارة عدد الوظائف الجديدة في ديسمبر (كانون الأول)، ويناير (كانون الثاني) بزيادة تسعة آلاف وظيفة عن القراءة السابقة.

ومن المتوقع أن يتحسن الاقتصادي الأمريكي في الفترة القادمة، مدعومًا بقرار رفع الفائدة، إذ يتوقع المركزي انخفاض معدل البطالة إلى 4.5%، كما ينتظر البنك نمو اقتصادي نسبته 2.1% في 2017 دون تغيير عن تقديراته في ديسمبر (كانون الأول)، كذلك تنتظر البلاد الكثير من الأموال الهاربة من الأسواق الناشئة، والتي تبحث عن فائدة أعلى.

ماذا سيحدث للدولار؟

رفع الفائدة الأمريكية يعني زيادة الطلب على الدولار، وبالتالي سيرتفع، إلا أن هذا الأمر لم يحدث مباشرة بعد القرار، فقد تراجع الدولار، وسجل مؤشره الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية أكبر خسارة يومية في شهرين، وقفز اليورو بأعلى وتيرة في تسعة أشهر.

وبالطبع هذا الأمر في غاية الغرابة، إلا أن مدحت نافع، الأكاديمي المصري، وعضو اتحاد البورصات العالمية، علق قائلًا إنه كان من الطبيعي زيادة الدولار في التنافس على العائدات الجديدة للودائع والأوعية الادخارية المصرفية المختلفة الكثير من بدائل الاستثمار، سواء الاستثمار المباشر أو استثمارات الحافظة من خلال البورصة، وهو ما لم يحدث بعد قرار الفيدرالي الأمريكي الأخير.

نافع أرجع السبب خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن توقعات المستثمرين تجاه سياسة سعر الصرف الأمريكي كانت مختلفة، فقد توقّع المراقبون أن تسلك رئيس الفيدرالي الأمريكي، جانيت يلين، سياسة نقدية تقشفية حادة تجاه سعر الفائدة.

وتابع نافع: أن البعض استدعى من الذاكرة الحديثة سياسة «آلن جرينسبان» في منتصف العقد الأول من بداية الألفية، والتي ارتفعت على أثرها أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية، وبانتظام حتى بلغت 5% بعد 17 سابقة رفع، لكن هذه المرة بات جليًا أن الفيدرالى الأمريكي يستهدف معدلًا أدنى للفائدة بحلول عام 2019 بما لا يتجاوز مستوى 3% على الأكثر.

ويقول إن «توقعات المحللين تستشرف استمرار التباطؤ في الاقتصاد العالمي بفعل تباطؤ الصين ومعظم دول (بريكس)، ومشكلات الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء (البريكست) الشهير، وتضخّم مستوى الديون لما فوق ثلاثة أمثال الناتج العالمي، وهذا كله يستدعي مزيدًا من محركات النمو لا الانكماش، وخاصةً من أكبر اقتصاد في العالم، لذا وبعد خطاب رئيس الفيدرالي والقرار المتحفّظ نسبيًّا برفع الفائدة 25 نقطة أساس فقط، تحوّلت بوصلة التوقعات بسرعة نحو استبعاد التزام الفيدرالي بالرفع للفائدة مرتين أخريين قبل نهاية 2017».

سبب آخر يرى نافع أنه دفع الدولار للهبوط بعكس المتوقع، وهو «إشارات» جانيت يلين التي تقلل من أهمية تجاوز معدلات التضخم الأساسي المستهدفة.

«وبالتالي لم يشعر المتلقون لرسائلها ضرورة وإلحاح استمرار الرفع في معدلات الفائدة بالوتيرة المفصح عنها سابقًا، وهو ما يرجّح احتمال عدول الفيدرالي عن رفع الفائدة بنصف نقطة مئوية أخرى على مرحلتين باقيتين من العام الحالي، كما أن تحليل التوقعات والإشارات الناتجة عن القرار الاقتصادي يحظى بنفس أهمية -إن لم يكن بأهمية أكبر من- تحليل الأثر (النظري) المباشر المرجّح وقوعه في أعقاب القرار»، كما يقول نافع.

كيف ستتأثر الأسواق الناشئة؟

دائمًا ما يذهب المستثمرون إلى العوائد الأعلى، ومع رفع الفائدة الأمريكية، ستشهد الأسواق الناشئة هروبًا جماعيًّا للأموال، فبحسب ما ذكرت «بلومبرج»، فإنه على مدى الأسابيع الماضية، سجلت صناديق التحوط وغيرها أكبر تدفقات نقدية خارجة في الأسواق الناشئة منذ أوائل ديسمبر الماضي، في الوقت الذي زاد فيه مديرو أموال المؤسسات مثل صناديق التقاعد تدفقاتهم الداخلة إلى قرب أعلى مستوى في 16 شهرًا.

«بلومبرج»، قالت إن صناديق التحوط تحولت لشراء أصول الولايات المتحدة منذ انتخابات ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، فيما يتوقع أن يستمر نزوح الأموال من الأسواق الناشئة مع استمرار المركزي الأمريكي في تبني سياسة رفع الفائدة خلال الأشهر القادمة.

معهد التمويل الدولي كشف في تقرير له صدر مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، عن أن المحافظ الاستثمارية في الأسواق الناشئة اجتذبت أقل تدفقات لرؤوس الأموال منذ 2008، في ظل استجابة المستثمرين للصدمات العالمية من خلال تقليص شراء الأصول في الدول النامية.

وقال التقرير إن التدفقات إلى الخارج في ديسمبر (كانون الأول) 2016، بلغت 3.4 مليار دولار غالبيتها من السندات لتصل التدفقات إلى الداخل في الأسواق الناشئة في 2016 إلى أضعف مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية.

على كلٍّ، يضغط سعر الفائدة المرتفع على الاقتصادات الناشئة والنامية، إذ ستؤدي زيادة الفائدة إلى تراكم في أعباء الديون الدولارية على الدول التي حصلت على قروض بالدولار الأمريكي، ما يعد ثقلًا جديدًا على الأعباء التي يتحملها اقتصاد هذه الدول.

ماذا سيحدث لأسعار الذهب؟

المعدن الأصفر غالبًا ما يكون بالغ الحساسية لرفع أسعار الفائدة الأمريكية الذي يزيد تكلفة حيازة المعدن غير المدر للفائدة، بينما يعزز الدولار المسعر به المعدن، ومن الطبيعي أن يتراجع سعر الذهب فور رفع الفائدة على الدولار، إلا أن ما حدث غير ذلك، إذ ارتفع الذهب إلى أعلى مستوى فيما يزيد على أسبوع أمس الخميس.

وصعد الذهب في المعاملات الفورية 0.6% إلى 1225.40 دولار للأوقية (الأونصة)، بعدما لامس مستوى 1228.82 دولار وهو الأعلى منذ السادس من مارس (آذار) الجاري.

والذهب يميل للانخفاض مع ارتفاع الدولار، والذي سيحدث في الأيام القادمة مع رفع جديد للفائدة، ويرجع هذا الأمر إلى أن الاحتفاظ بالذهب سيكون أكثر تكلفة على المستثمر، كما أن ارتفاع قيمة الدولار سيجعل الذهب أكثر كلفة على أصحاب العملات الأخرى، وهو ما يجعل بيع الذهب أكثر من شرائه، فيزداد المعروض عن الطلب، وتنخفض قيمة الذهب.

كيف سيتأثر الخليج؟

في أعقاب قرار المركزي الأمريكي برفع سعر الفائدة الأساسي، أعلنت أربعة بنوك مركزية في دول مجلس التعاون الخليجي رفعًا فوريًّا على أسعار الفائدة، بواقع ربع نقطة مئوية في كلٍّ من السعودية والإمارات والكويت والبحرين، ثم قطر باليوم التالي.

وتشكل الفائدة المرتفعة عوائق كبيرة أمام دول الخليج، في ظل تراجع أسعار النفط على مدار السنوات الماضية، بالإضافة إلى أن رفع الفائدة سيضغط على نشاط الشركات الصناعية التي ستواجه ضغوطًا بسبب انخفاض صادراتها، خاصة مع ارتفاع سعر الدولار، كما أنه سيزيد من تكلفة الاقتراض على الشركات.

تعليقات الفيسبوك