لم يعد المشهد الداخلي والخارجي في اليمن بعيدًا عما يجري في المنطقة العربية، لاسيما سوريا والعراق، حتى أن جملة من العقبات تحول أمام النهوض بالدولة اليمنية المنشودة بعد الثورة الأخيرة، مثل اتساع دائرة العنف، ووجود حكومة منقسمة، وأوضاع اجتماعية واقتصادية يرثى لها، فضلاً عن التدخلات الخارجية.

ويأتي تصاعد العنف المتجدد في وقت حساس من المرحلة الانتقالية للبلاد، بعد أن أكمل  اليمنيون مؤتمر حوارهم الوطني في يناير العام الجاري، والذي خرج بمخطط لإصلاحات سياسية واسعة النطاق، إلاّ أن الخطة تبقى طموحًا يتطلع إليه اليمنيون في أفضل الأحوال أمام البلاد حتى يناير 2015 حتى تكتمل صياغة الدستور وإجراء استفتاء للموافقة عليه، قبل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في وقت لاحق من العام.

وشهدت عملية الانتقال تنازل صالح عن منصبه لنائبه عبد ربه منصور هادي في فبراير بعد 13 شهرًا من الاحتجاجات والتي تحولت إلى اشتباكات بين فصائل متناحرة داخل الجيش اليمني، علاوة على سيطرة جماعة إسلامية متشددة متحالفة مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على أجزاء من جنوب اليمن.

أكثر حساسية

وحذّرت مجموعة الأزمات الدولية من أن الدولة اليمنية على مشارف صراع طويل سيتسبّب فيه الحوثيون الذين يصرّون على التقدّم جنوبًا نحو صنعاء مهدّدين العملية السياسية ومستغلين الوضع الأمني الهشّ في اليمن والحراك الانفصالي المتشدّد في الجنوب.

لكن وعلى خلاف نظيراته من بلدان الربيع العربي، يعدّ الوضع في اليمن أكثر حساسية وخطورة باعتبار أن ما يجري في اليمن اليوم هو امتداد لمواجهات قديمة، ونذر حرب أهلية تدق منذ ما قبل “الربيع العربي” أبواب اليمن الذي يعصف به تمرد في الشمال وحركة انفصالية في الجنوب وجناح للقاعدة.

هذه الأخطار زادتها حدة أزمة اقتصادية اقتربت بالبلاد من هاوية المجاعة والعطش ووضعتها في صدارة قائمة أكثر البلدان فقرًا وضعفـًا اجتماعيًا وصحيًا في العالم، حيث تجاوز معدل البطالة 50% في دولة يعيش نحو 42% من سكانها البالغ عددهم 24 مليون نسمة بأقل من دولارين في اليوم.

وتراقب دول الخليج والدول الغربية بقلق متزايد أزمة أعطت لتنظيم القاعدة الفرصة لتكون له قاعدة في اليمن يشن منها الهجمات على أجزاء مختلفة من العالم، إلى جانب تصدير إيران للمد الشيعي في اليمن، عبر دعمها للحوثيين هناك.

وتشير الدراسة  نفسها، إلى أن ثمة تحوّلاً في ميزان القوى في شمال اليمن، منذ مطلع عام 2014، حيث كسب المقاتلون الشيعة الزيديون، المعروفون بالحوثيين، سلسلة من المعارك، مما أدى فعليًا إلى إحكام سيطرتهم على محافظة صعدة، على الحدود اليمنية السعودية، والتوسّع جنوبًا إلى أبواب العاصمة صنعاء، وحاليًا، ثمة مجموعة متفرقة ومتقطعة من حالات وقف إطلاق النار، رغم أنها في خطر نتيجة موجات من العنف.

الحوثيون وصعدة

وقد جرت مؤخّرا مواجهات مسلحة وعنيفة بين جماعة الحوثي والجيش اليمني، انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، لكن المتابعين للشأن اليمني يشكّكون في نوايا الحوثيين خاصة مع تصاعد التوتّر بينهم وبين خصومهم المتعددين.

وتطرقت دراسة مجموعة الأزمات الدولية إلى المسار العنيف الذي بدأ منه الحوثيون لتثبيت وجودهم كطرف في المعادلة السياسية في اليمن، حيث أوضحت أن القتال الدائر مؤخرًا في أقصى الشمال ليس جديدًا، فبين عامي 2004 و2010، انخرط الحوثيون في ست جولات من القتال ضد الحكومة، وكانوا الطرف الأضعف سياسيًا وعسكريًا، حيث كان نشاطهم يقتصر على محافظة صعدة، ويطرحون مطالب غير محددة ودون أن تكون لهم أجندة سياسية واضحة.

غير أن انتفاضة عام 2011 ضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح غيّرت الحراك السياسي في البلاد، ودفعت الحوثيين إلى المسرح السياسي. ويرجع المراقبون والخبراء ذلك إلى ضعف الدولة واستغلال الحوثيين- وأيضًا جهات أخرى إما تطالب بالانفصال أو تشتكي من إهمال الحكومة المركزية في صنعاء- للصراع السياسي الداخلي آنذاك لتوسيع قاعدة دعمهم الشعبي وسيطرتهم على المزيد من المناطق في الشمال، بما في ذلك محافظة صعدة.

ويعتبر الحوثيون من المجموعات اليمنية الأكثر تعقيدًا في حل المعادلة اليمنية، فجماعة الحوثي، تنتمي إلى المذهب الزيدي الشيعي، ونشأت عام 1992 على يد حسين بدر الحوثي، الذي قتلته القوات الحكومية منتصف عام 2004.

تفاقم المشكلة

هذه التحديات فرضت على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي  قرارًا جمهوريًا بإجراء تغيير في وزارات الخارجية والمالية والنفط والإعلام والكهرباء، بعد ساعات من اندلاع احتجاجات غاضبة بالعاصمة صنعاء للمطالبة بتوفير البنزين والديزل والكهرباء.

ويأتي هذا بعد توافق الأحزاب السياسية المشاركة بالحكومة في مجلس النواب على تفويض الرئيس بإجراء تغيير جذري أو جزئي في الحكومة بما يحقق تطلعات المواطنين في التغيير، وينعكس إيجابيًا على حياته، إلا أن الخبراء السياسيين في اليمن قللوا من أهمية هذا التعديل لمعالجة أزمة المشتقات النفطية وانقطاع الكهرباء.

وفسر هؤلاء أن العجز المالي للدولة سببه تناقص إنتاج النفط منذ 2002 والذي واصل تدهوره إلى أن بلغ الإنتاج اليومي 180 ألف برميل حصة الحكومة منه أربعون ألف برميل، وهذا العجز ليس مرتبطـًا بشخص الوزير.

وذهب بعض الخبراء لتفسير قرار الرئيس بإقالة بعض الوزارات في الحكومة اليمنية على أنه جاء تلبية لاشتراطات السعودية والإمارات اللتين لديهما تحفظات على بعض الوزراء مقابل تزويد اليمن بشحنات النفط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد