يُلقي المراقبون عادة باللوم في مأساة الجوع في أفريقيا على عوامل داخلية، مثل ارتفاع النمو السكاني، والكوارث الطبيعية، والصراعات الأهلية. هذا صحيحٌ جزئيًا، ولا يمكن لذي عينين إنكاره؛ ففي المواسم الزراعية الثلاثة الماضية، شهدت أجزاء من جنوب أفريقيا أدنى معدل هطول للأمطار منذ عام 1981، وعانت مناطق أخرى من دمار واسع النطاق بسبب إعصاري إيداي وكينيث في مارس (أذار) وأبريل (نيسان) 2019، بينما كانت تستعد لاستقبال موسم الحصاد.

لكن هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية، تقودنا إلى جذور المأساة التي يرزح تحت نيرها ما لا يقل عن ربع سكان القارة حتى لحظة كتابة هذه السطور، التي نسلط فيها الضوء على المتاجرين بمعاناة الأفارقة، المتربحين من تجويعهم، في الداخل والخارج. ولمعرفة من الذي يستفيد من هذه النكبة الآن، لابد أولًا عن العودة إلى بداية الحكاية.

بداية الجوع في أفريقيا.. حين تحوَّلت من مُصَدِّر إلى مستورِد للغذاء

في الثمانينات من القرن الماضي، استغل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التردي الاقتصادي والمديونية الثقيلة للدول الأفريقية المستقلة حديثًا، ليجبرها على إعادة هيكلة اقتصاداتها،  بعد عقودٍ من اعتماد هذه الدول على القوى الاستعمارية واستغلالها لموارد القارة.

اقتصاد الناس

منذ شهر
«أكبر صناع الفقر».. ما فعله صندوق النقد والبنك الدولي في أفريقيا

كان الشعار آنذاك هو التحرير والخصخصة وإلغاء القيود التنظيمية، لكن كيف يمكن تطبيق ذلك في بلدان ليس لديها بنية تحتية أو خبرة تقنية أو اقتصاد فعال أو مستثمرون محليون؟ لا عجب أن كانت العواقب كارثية؛ ليس فقط على القطاع الزراعي، ولكن أيضًا على التعليم والرعاية الصحية.

تحوَّلت أفريقيا من مُصَدِّر صافٍ إلى مستورِد للأغذية في ثمانينات القرن الماضي، على الرغم من إمكاناتها الزراعية الهائلة، بل ساهمت زيادة أسعار المواد الغذائية عالميًا في تفاقم معدلات الجوع والفقر في أفريقيا.

يوضح الأكاديميان المتخصصان في الاقتصاد أنيس شودري وجومو كوامي سوندارام أن أزمات الديون السيادية الدولية أجبرت العديد من البلدان الأفريقية في الثمانينات على تبني برامج التثبيت والتكيف الهيكلي التي فرضتها مؤسسات «بريتون وودز».

نتيجة لذلك ارتفع إجمالي واردات الأغذية الصافية في أفريقيا بمعدل 3.4% سنويا بالقيمة الحقيقية بين عامي 1980 و2007. وارتفعت واردات المواد الغذائية الأساسية، خاصة الحبوب، ارتفاعًا حادًا في الفترة الزمنية ذاتها.

كان الاستثمار العام أحد ضحايا برامج التكيف الهيكلي؛ إذ نُصِحَت البلدان الأفريقية بأنها ليست بحاجة إلى الاستثمار في الزراعة؛ لأن الواردات ستكون أرخص، وكانت هذه النصيحة هي حصان طروادة الذي مهّد للمأساة التي تكتوي القارة بنيرانها الآن.

فبينما تراجعت أفريقيا صناعيًا نتيجة برامج «التكيف الهيكلي»، عانى الأمن الغذائي في القارة بالتبعية، وظلت الاستثمارات الحكومية الأفريقية في مجال البحوث الزراعية لا تسمن ولا تغني من جوع.

لم تكن «النيوليبرالية» سوى فقاعة براقة تسببت في تحويل ثمانينات وتسعينات القرن الماضي إلى «عقدين ضائعين» بالنسبة لأفريقيا، على حد وصف الاقتصاديان شودري وسوندارام.

بسبب هذه البرامج، التي جاءت بوعود أنهار السمن والعسل، زاد الجوع في أفريقيا زيادة هائلة بحلول نهاية القرن العشرين. وعلى الرغم من طفرة النمو التي تقودها الاستكشافات المعدنية منذ عام 2002، لا يزال قرابة نصف سكان القارة يعيشون الآن في براثن الفقر.

ترى الكاتبة الألمانية أوته شيفر أن النظام الاقتصادي العالمي يفيد الدول الصناعية عن طريق خلق الجوع في البلدان النامية، وبالتالي فإن الطبيعة بريئة من معظم اللوم المنسوب إليها بخصوص هذه الأزمة، فيما تتحمل السياسة النصيب الأكبر من المسؤولية، فتدفع الغالبية العظمى التي لا يؤبه بأنينها في العالم النامي ثمن النظام الاقتصادي العالمي الجائر.

الجوع أزمة غذاء عالمية

نهبٌ يرتدي ثوب الاستثمار.. الجانب المظلم من صفقات الأراضي الزراعية

ينتج العالم ما يكفي من الغذاء لإطعام 7.5 مليار شخص، لكن لا يزال الجوع صديقًا ثقيلًا لشخص من كل تسعة أشخاص حول العالم، ولا تزال جمهورية أفريقيا الوسطى أكثر دول العالم تعرضًا للجوع بحلول عام 2019. وعلى الرغم من الإمكانيات الزراعية الهائلة، لا تزال مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا كالعملاق النائم، بسبب عقود من الإهمال الرسمي.

بعد ارتفاع أسعار الغذاء في 2007 و2008، شملت صفقات صفقات الأراضي الزراعية في عام 2009 حوالي 56 مليون هكتار، مقارنة بأقل من 4 ملايين هكتار سنويًا قبل عام 2008، وكان أكثر من 70% من هذه الصفقات من نصيب أفريقيا.

لكن في معظم هذه الصفقات، غالبًا ما تتوارى مصالح المجتمع المحلي لصالح كبار المستثمرين وحلفائهم في الحكومة. وحين دعت المؤسسات المالية الدولية والعديد من المانحين إلى الاستثمار في القارة، تكرر ما حدث مع برامج بريتون وودز، ودفع الأفارقة الثمن، بينما جنى الأجانب الأرباح.

دولي

منذ شهرين
«امتلك سلاحًا أو احفر قبرًا».. هذه أبرز مناطق الحرب المشتعلة في أفريقيا

على سبيل المثال، تسيطر شركة «فيرونيا» التي تتخذ من كندا مقرًا لها، على 120 ألف هكتار من مزارع نخيل الزيت في جمهورية الكونغو الديمقراطي، وهي في الواقع شركة تملكها مؤسسات تمويل التنمية التابعة لحكومات أوروبية.

يدّعي المدافعون عن هذا الاستحواذ واسع النطاق على الأراضي بأن مثل هذه الصفقات لها آثار إيجابية، إذ توفر – على سبيل المثال – فرص عمل محلية، وتحسن الوصول إلى البنية التحتية. لكنهم لا يتحدثون عن الآثار المدمرة مثل تجريد السكان المحليين من أراضيهم دون استشارتهم أو حتى منحهم تعويضًا مناسبًا.

نجد مثالًا آخرًا في تنزانيا، عندما حصلت شركة «أجرو إيكو إنيرجي»، التي تتخذ من السويد مقرًا لها، على مساحة 20 ألف هكتار من مزارع قصب السكر وإنتاج الإيثانول، ناهيك عن حرمان المجتمعات من الوصول إلى الموارد الطبيعية الأخرى، وزيادة النزاعات حول سبل العيش، وتفاقم عدم المساواة.

عندما تُهَمِّش هذه الشركات الأجنبية المجتمعات المحلية، ولا سيما السكان الأصليون، فإنهم في الواقع يعرضون الأمن الغذائي للخطر، في حين يملأون خزاناتهم بالأموال المنتزعة من أحشاء القارة، بينما كان يمكن للبحث والتطوير الزراعي المحسن أن يقلل من انتشار الجوع بواقع 55 مليون شخص في أفريقيا.

«مساعدات ميتة».. ظاهرها العون وباطنها الضرر

رغم مليارات الدولارات التي تنفق على المساعدات الإنسانية، لا يزال حوالي 60 مليون طفل في أنحاء أفريقيا يذهبون إلى الفراش جائعين.

بالرغم من كل ما يقال عن فعالية المساعدات الخارجية في تنمية أفريقيا اقتصاديًا، يخلص المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن هناك شيئًا واحدًا واضحًا، هو أن النتائج ليست بالضبط ما توقعه شركاء التنمية في أفريقيا.

وتذهب الخبيرة الاقتصادية دامبيزا مويو في كتابها «المساعدات الميتة» إلى أن بعض المساعدات الخارجية ربما تكون مفيدة في تلبية الاحتياجات الإنسانية الناجمة عن الجفاف والصراع، لكن تبقى معظم المساعدات المقدمة للبلدان الأفريقية ضارة إلى حد ما.

واستنادًا إلى إحصاءات شاملة تقدمها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حول أنواع وحجم المساعدات التي تلقتها القارة حتى عام 2015، تؤكد مويو أن المساعدات الدولية تعزز بعض المشكلات مثل: الفساد، والصراع الأهلي، وتآكل الطبقة الوسطى، وغرس ثقافة التبعية. وهي عوامل تتضافر لتجعل أفريقيا غير جذابة للمستثمرين العالميين.

ولأن المؤسسات الأجنبية، الحكومية والخاصة، تراهن في الغالب على أن الطبقة الحاكمة التي تسيطر على مقاليد الأمور بقبضة فولاذية في الغالب هي التي ستحقق لها أكبر استفدة ممكنة؛ فإنها تضخ مساعداتها عبر هذه الأنظمة، لكنها لا تصل أبدًا إلى الفئات الأكثر احتياجًا في المجتمع؛ ما يؤدي في النهاية إلى إثراء أصحاب المصالح والنفوذ في الخارج والداخل، وإفقار الشرائح الضعيفة في المجتمع.

هكذا ساهم الساسة في زيادة الجوع في أفريقيا

لا ينبغي تجاهل النخب السياسية المحلية التي تستفيد من تدفق المساعدات، وتمتلئ خزائنها أكثر كلما ارتفعت صرخات الجوعى. وليس أدل على هذا التواطؤ من أن البلدان التي تعتمد على الزراعة لتحصيل 80% من سبل عيشها تعتقد في الواقع أنها لا تحتاج إلى سياسات زراعية.

والأسوأ من ذلك أن بلدا مثل موزمبيق، يتمتع بمساحة كبيرة وخصبة من الأراضي الزراعية، لديه القدرة على أن يصبح مصدرًا للأرز أو الذرة يكفي احتياجات جنوب أفريقيا، لكنه يعتمد على الواردات باهظة الثمن، لمجرد أن النخب السياسية ليست مهتمة بهذه القضية، أو بالأحرى حريصة على أن يظل الوضع على ما هو عليه حتى تمتلئ خزائنهم أكثر.

في عام 1966 اندلعت حرب بيافرا الأهلية في نيجيريا، التي تسببت في مقتل نحو مليون إنسان، بسبب الخلافات العرقية بين الجنرال يعقوب جون من جهة وقبائل الإيبو من جهة أخرى، واستخدم كلا الجانبين المجاعة سلاحًا للتأثير على مجريات الحرب، عبر حرمان الخصوم من وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تعاني من الجوع.

وفي جنوب السودان، يتحمل القادة السياسيون مسؤولية إفقار السكان؛ من خلال توفير أسباب استمرار المجاعة، ففي هذا البلد لم تتسبب الحروب في نقص الغذاء ونشر الجوع فقط، بل تتخللها عمليات سرقة المساعدات الإنسانية ومنع وصولها إلى الخصوم.

ومن ضمن ألاعيب الساسة بالمجاعة واستغلالهم لأحداثها، تطلب حكومة سيلفا كير عشرة آلاف دولار من كل عامل إغاثة أجنبي مقابل منحه تصريح عمل المنظمات غير الحكومية، وذلك بعد أن كانت قيمته 100 دولار. وتبرر الحكومة هذه الزيادة بأنها وسيلة لسد عجز خزائن الدولة الجائعة هي الأخرى للمال.

في بعض الأحيان، يتورط المسؤولين في نهب المساعدات المالية المخصصة لمساعدة الجوعى بهدف الإثراء على حساب الضحايا، مثلما حدث في ليبيريا وأنجولا وسيراليون.

وعلى المستوى الاقتصادي، يسلك قادة أفارقة – لاسيما في دول القرن الأفريقي – الطريق الذي ترسمه لهم المؤسسات المالية الدولية في جانب الاهتمام بزراعة محاصيل تصلح للتصدير فقط، بالرغم من أن بلدانهم تعاني من المجاعة. ومنذ عام 2008 جرى تأجير وبيع 5% من الأراضي، أو ما يعادل 50 مليون هكتار إلى البلدان التي ترغب في الاستثمار بمجال الصناعات الزراعية، وذلك على حساب مواطني البلد الأصليين الذين يفتقرون إلى المحاصيل الأساسية والغذائية.

مستويات الجوع هي الأعلى في العالم

تنعم أفريقيا بوفرة من الموارد الطبيعية، إذ تمتلك حوالي 30% من احتياطيات المعادن المعروفة في العالم، بحسب تقديرات البنك الدولي، وتشمل: الكوبالت، واليورانيوم، والألماس والذهب، وكذلك احتياطات كبيرة من النفط والغاز.

لكن على الرغم من هذه الثروات الهائلة، وطفرة التعدين التي شهدتها القارة خلال العقد الماضي، لم يستفد الأفارقة إلا قليلًا من هذه الثروة المعدنية، ولا تزال بلدانهم من أفقر دول العالم، حيث يعيش حوالي 50% من السكان على أقل من 1.25 دولار في اليوم.

بينما انخفض عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع حول العالم بنسبة 31% منذ عام 2000، تفاقمت مستويات الجوع وسوء التغذية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خلال السنوات الثلاث الماضية، حتى أصبح 22.8% من السكان يعانون من سوء التغذية، وهو أعلى معدل في العالم.

مخيم زمزم في دارفور

ويعاني 257 مليون شخص من الجوع في جميع أنحاء أفريقيا، أي 20% من سكان القارة، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة. إلى جانب 239 مليونًا من سكان أفريقيا جنوب الصحراء يعانون من سوء التغذية المزمن (2018)، وهي المنطقة التي يوجد بها أكبر عدد من الناس الذين يعيشون في فقر مدقع، بواقع 413 مليون شخص يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم.

ويفتقد 41 مليون شخص في الجنوب الأفريقي الأمن الغذائي، ويحتاج تسعة ملايين شخص في المنطقة إلى مساعدات غذائية فورية، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 12 مليونًا، بينما يكافح المزارعون والرعاة من أجل تغطية نفقاتهم خلال موسم أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وحتى مارس 2020. وهي مفارقة قاسية؛ لأن العديد من البلدان الأفريقية تتمتع بأعلى نسبة من الأراضي الصالحة للزراعة على ظهر الكوكب.

إجهاض المستقبل.. الجشع يقتل أحلام الغد

دولي

منذ 4 شهور
جنوب السودان يودع الحروب.. لكن مهلًا هل سيودع الجوع أيضًا؟

لا يقتصر الخطر على الحاضر، بل تمتد مخالبه أيضًا إلى المستقبل. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يعاني 28 مليون طفل من نقص النمو بسبب سوء التغذية. ويمنع التقزم – أحد نتائج سوء التغذية – هؤلاء الأطفال من النمو الصحيح، ويعوق وصولهم إلى أقصى إمكاناتهم العقلية والبدنية، وهي نتيجةٌ لا رجعة فيهًا إلى حد كبير.

ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، فإن عواقب الجوع وسوء التغذية تتجاوز المعاناة الصحية، بل تؤدي أيضًا إلى إبطاء التقدم في العديد من مجالات التنمية الأخرى مثل التعليم والتوظيف؛ ما يعني أن هذه المشكلة لا تؤثر فقط على واقع القارة، بل تجهض مستقبلها أيضًا.

فعندما يكبر حوالي 40% من الأطفال في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وهم يعانون من التقزم بسبب سوء التغذية المزمن، فإنهم سيفتقرون إلى القدرة على التعلم والمساهمة في المجتمع؛ مما يسهم في استدامة دائرة الجوع في أفريقيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد