استدعى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في ساعات مبكرة من صباح الجمعة 18 يناير (كانون الثاني) الماضي، الهيئة الناخبة عبر توقيعه مرسومًا رئاسيًّا؛ ممّا يعني رسميًّا إقامة الانتخابات الرئاسية في موعدها بعد الكثير من التكهّنات، والتي تحدّد موعدها بناءً على هذه الخطوة في 18 أبريل (نيسان) المقبل، وإن كانت الصورة توضّحت عن مصير الانتخابات التي كانت محطّ تضاربٍ في وقتٍ سابقٍ، فالحال عن ما ستفرزه ما يزال طيّ المجهول.

ولا تخلو الرئاسيات في الجزائر عادة من تأثيرٍ خارجي يحدّد معالم من يجلس على قصر المرادية في وقتٍ سابق، خصوصًا في ملف العلاقات مع فرنسا، فالحالة مع رئاسيات ربيع 2019، والحديث عن إمكانية الدفع بوزير الطاقة الأسبق والمحسوب على أمريكا شكيب خليل، وإمكانية طرح المؤسسة العسكرية لمرشّحها الذي يرى فيه البعض فرصة روسيا للحفاظ على نفوذها في الجزائر، يفتح المجال لأكثر من جهةٍ خارجيةٍ قد تؤثّر في تحديد الرئيس الجزائري القادم.

ولا يُعدّ الصراع الأمريكي الفرنسي على تحديد الرئيس القادم للجزائر وليد هذه الرئاسيات، إذ سبق وأن شهدت الانتخابات الرئاسيّة صراعًا بين هذين القُطبين للتأثير في نتائجها، وذلك سنة 2004، من خلال دعم أمريكا للرئيس بوتفليقة، بينما أرادت فرنسا الانتقام من بوتفليقة الذي فتح مجال الاستثمار في الطّاقة للأمريكيّين على حساب مصالحها التقليديّة، من خلال دعمها لمنافسه في الرئاسيات وقتها رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس. في هذا التقرير نسلط الضوء على الحرب الخفية بين القوى العالمية الكبرى على تحديد من يحكم الجزائر.

القصة الكاملة لمرض الرئيس الجزائري بوتفليقة

فرنسا.. نفوذ تاريخي في الجزائر قد يظهر مجدّدًا في الرئاسيات القادمة

قبيل خوض غمار الانتخابات الفرنسية، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة الجزائر، وجعلها محطةً يبدأ منها حملته، هناك أين وجد استقبالًا ودعمًا رسميًّا من الحكومة الجزائرية، زادته تصريحاته التاريخية حول ذاكرة الثورة إثارةً، إذ اعتبر مراقبون خطوة ماكرون تلك مؤثّرة في طريقه نحو قصر الإيليزي، باعتبار وجود جالية جزائريّة تقدّر بالملايين في فرنسا، وبعد أكثر من سنتين من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، تأتي الانتخابات الرئاسية في الجزائر لتفتح الدور المعاكس لفرنسا في تحديد الرئيس الجزائري، خصوصًا عند الأخذ بعين الاعتبار النظرة الفرنسية للجزائر بوصفها «حديقة خلفية» لها، والنافذة الواسعة المطلّة على مناطق نفوذهم في الساحل الأفريقي، إذ تعمل فرنسا على تمتين العلاقة مع الجزائر، وتعتبر أنّ ما يحدث من اضطراب وفوضى على المستوى الأمني والاجتماعي، سيكون له الأثر المباشر في مصالح فرنسا الحيوية بالجزائر، بخاصة في مجال الطاقات والمعادن؛ لذا عادة ما تحرص فرنسا أن تكون لها كلمتها في من يصل إلى «قصر المُرادية» في الجزائر.

الرئيس الجزائري بوتفليقة رفقة نظيره الفرنسي ماكرون- مصدر الصورة: RFI

ويبقى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، أكثر المرشحين المحتملين للمحافظة على المصالح الفرنسية بالجزائر، فطيلة 20 سنة، هي مدة العهدات الأربعة التي يحكمها بوتفليقة، شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية تطورًا كبيرًا في شتى المجالات، خصوصًا الاقتصادية منها، إذ تبسط فرنسا نفوذها على السوق الاقتصادية برقم أعمال يصل إلى أكثر من 5 مليارات يورو سنويًّا، فيما تصدّر نحو 6 آلاف شركة فرنسية منتجاتها إلى الجزائر، كما تتواجد 450 مؤسسة فرنسية على التراب الجزائري تساهم في خلق 40 ألف منصب عمل مباشر، و100 ألف منصب آخر غير مباشر ، بذلك تعدّ فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للجزائر خارج قطاع المحروقات، وبالحديث عن هذا الأخير، فإنّ فرنسا تستورد من الجزائر 12% من صادرات الغاز الجزائري، وفق اتفاقياتٍ لطالما رافقها مشاحناتٌ بين البلدين عن الأسعار، لذلك فإنه ليس من مصلحة فرنسا قدوم إدارةٍ جديدة تعيد النظر في اتفاقيات الغاز الموّقعة بين البلدين.

وعلى الصعيد آخر، اختار الرئيس الجزائري المصحّات الفرنسية خلال فترات العلاج المتلاحقة من أزمته الصحية التي أصيب بها قبل سنة 2013، كما كانت الصحافة الفرنسية المصدر الرئيسي للأخير المتعلّقة بالحالة الصحية لرئيسهم.

Embed from Getty Images

الوزير الأوّل أحمد أويحيى رفقة الرئيس الفرنسي ماكرون

ولأنّ ترشّح الرئيس الجزائري بوتفليقة لعهدةٍ خامسةٍ لم يتحدد بعد، يُطرح الوزير الأوّل الجزائري أحمد أويحيى باعتباره شخصية قادرة على خلافة بوتفليقة، والحفاظ على العلاقات الجزائرية الفرنسية وتحسينها للأفضل، خصوصًا أنّه متّهم من طرف أكبر خصومه داخل معسكر النظام، المتمثّل في شكيب خليل، بأنّه يرعى المصالح الفرنسية في الجزائر، ورغم أنّ ترشّح أويحيى ليس مؤكدًا، إلا أنّه لم يستبعد ترشحه للرئاسيات في حالة عدم ترشّح بوتفليقة لعهدة جديدة.

شكيب خليل.. رجل أمريكا الذي لا يتورّع عن مهاجمة الفرنسيّين

عرفت العلاقات الثنائية بين أمريكا والجزائر طفرةً منذ بداية الألفية إثر أحداث سبتمبر (أيلول)، وبداية الحرب الأمريكية على ما يسمّى «الإرهاب»، وهو الملف الذي تعمل فيه الإدارتان الجزائرية والأمريكية بالتنسيق سويًا من أجل الحدّ من انتشار الشبكات الإرهابية عبر شمال أفريقيا ووسطها. وبقدر ما برزت الجزائر شريكًا وثيقًا لأمريكا في مكافحة الإرهاب، فإن من مصلحة الولايات المتحدة أن تفرز الانتخابات الجزائرية القادمة رئيسًا يسير على خطاها من أجل تعزيز مصالحها أكثر في الجزائر -أكبر الدول الأفريقية مساحةً- وهو ما عزى إليه تقرير صادرٌ عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، الذي رأى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستستغلّ فرصة الانتخابات الرئاسية من أجل تعزيز علاقاتها مع الجزائر.

Embed from Getty Images

شكيب خليل رفقة الرئيس بوتفليقة

وإن كان البعض يرى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت أبرز الداعمين للعهدة الرابعة للرئيس الجزائري بوتفليقة، خصوصًا بعد زيارة جون كيري للجزائر قبل أسبوعين من فوز بوتفليقة بالانتخابات، إلّا أنّ الوضع الصحي للرئيس الذي يتدهور كل يوم، عجّل في فتح الأمريكيين ملف خليفة بوتفليقة، وهو ما قد يفسّر زيارة المسؤول الرفيع في الاستخبارات الأمريكية، جيمس كلابر، الجزائر سنة 2015، والتي ربطتها تقارير إعلامية بمناقشة واشنطن مسألة خلافة بوتفليقة.

من بين الشخصيات البارزة التي ربطت اسمها بخلافة بوتفليقة، نجد اسم وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، الشخص الذي يعتبره الكثيرون رجل أمريكا في الجزائر، والذي تشير بعض المصادر إلى أنّه بحمل جواز سفرها، وهو الاتهام الذي نفاه شكيب خليل أكثر من مرّة، غير أنّه لم ينفِ علاقاته بواشنطن، إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن شكيب خليل تولى خلال إشرافه على وزارة الطاقة مهمة إقناع المجموعة النفطية الأمريكية «هاليبورتن» بالاستثمار في الجزائر، وما يزال متحمسًا لفكرة تطوير المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة والجزائر، خاصة فيما يتعلق بصادرات النفط والغاز.

وكان شكيب خليل قد تعرّض أثناء قيادته لقطاع الطاقة في الجزائر لانتقادات لاذعة إثر فضائح الفساد التي لاحقت شركة «سوناطراك» الجزائرية، لتتحول تلك الانتقادات لاتهاماتٍ وإصدار مذكرة توقيف، اضطرّ على أثرها شكيب خليل للهرب نحو أمريكا، قبل أن يعود مهاجمًا فرنسا ومتهمًا إياها بعرقلة الاستثمارات الأجنبية في الجزائر، ومسوّقًا نفسه باعتباره صاحب علاقات مع الأمريكيين من خلال اقتراحه فتح الأبواب أمام الشركات الأمريكية. خلال إحدى المحاضرات قال شكيب خليل: «هناك تنسيق وحوار بين الجزائر وأمريكا في كثير من المجالات، المشكل يكمن في إطار الأعمال، فكثير من المستثمرين الأمريكيين يقولون لك انتظر حتى نمرّ عبر باريس، وكذلك اليابانيين».

ولم يكن الاقتصاد القضية الوحيدة التي هاجم فيها شكيب خليل فرنسا، ففي 25 أغسطس (آب) من العام الماضي، صرّح شكيب خليل أنّه يفضّل استخدام اللغة الإنجليزية بدلًا من اللغة الفرنسية في الجزائر، مبرّرًا ذلك «بأن جميع البلدان الناجحة تستخدم اللغة الإنجليزية، وتستخدم جميع البلدان الفاشلة الفرنسية» بحسب شكيب خليل.

فور عودته إلى الجزائر في مارس (آذار) عام 2016، شرع شكيب خليل في زيارة عدّة زوايا وطرق صوفية ربطها البعض بطموحاته الرئاسية، كما سوّقت عدة وسائل إعلام جزائرية وشخصيات حزبية إمكانية ترشّح شكيب خليل للرئاسيات، باسترجاع نجاحاته في تسيير مؤسسة «سوناطراك» التي اعتبرها الكثير ناجعة، بعد رفع إنتاج النفط خلال فترة ترؤسه المؤسسة، وكذا عهداته مسؤولًا عن وزارة الطاقة، التي رأى هؤلاء أنّها تخوّله للنجاح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما ذكرت تقارير صحافية أنّ شكيب خليل أوعز بعض مقربيه أنّه سيترشّح للانتخابات.

ورغم محاولات المقربين من بوتفليقة تبييض صورة شكيب خليل عبر تبرئته، إلّا أنّ عودته إلى الجزائر رافقتها انتقادات كبيرة أرجعها حسب الوزير السابق إلى فرنسا، متهمًا إياها بالوقوف وراء حملة التشويه الممنهجة التي تطاله، وأضاف شكيب خليل، أنه تعرّض لضغوطٍ قويةٍ من جهات لم يسمها، خلال إشرافه على وزارة النفط من أجل منح صفقات وامتيازاتٍ للشركات الفرنسية.

صديقةٌ لواشنطن أم حليفةٌ لموسكو؟ الجزائر تلعب على وتر العلاقات مع البلدين

وسيا.. صاحبة النفوذ الاستثنائي في الجيش الجزائري قد تقول كلمتها

مع الاتهامات الغربية لروسيا بالتدخل في الانتخابات بالعديد من دول العالم، قد تتحوّل الانتخابات الرئاسية الجزائرية القادمة لمسرحٍ جديدٍ في الصراع الروسي الأمريكي، فبعد فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية سنة 2016، صارت الاتهامات الأمريكية للروس تسبق كلّ موعدٍ انتخابي في العالم. قبل انطلاق موعد الانتخابات الفرنسية التي أجريت في مايو (أيّار) سنة 2017، اتهمت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي المكلفة بالتحقيق في التدخل الروسي بالانتخابات الأمريكية، موسكو بالتدخل أيضًا في الانتخابات الفرنسية. وقال رئيس اللجنة ريتشارد بور: «أعتقد أنّه من المنطقي القول استنادًا إلى ما يعتقده الجميع أن الروس ضالعون بقوة في الانتخابات الفرنسية»، كما حذّرت ألمانيا موسكو من عواقب تفكيرها في التدخل في انتخاباتها التي أجريت في سبتمبر 2017.

قايد صالح مع رئيس الأركان الروسي سيرغي شويغو- مصدر الصورة: مواقع التواصل

وإن كانت الانتخابات الجزائرية ليست في مستوى سابقاتها الأمريكية والفرنسية، إلّا أنّ العلاقات الاستراتيجية بين موسكو والجزائر، ومحاولات تأثير الإدارتين الفرنسية والأمريكية في تحديد الرئيس الجديد للجزائر وفقًا لمصالحهما، قد تدفع روسيا للعب دورٍ في الانتخابات المقبلة.

وتسيطر روسيا على تسليح الجيش الجزائري بنسبة 80%، وقيمة صفقات بلغت مليارين و800 مليون دولار سنة 2016، كما أنّ تقارير إعلامية تحدثت عن أن موسكو سلمت للجزائر منظومة أس 400 الصاروخية الدفاعية، لتبسط بذلك نفوذها على أسلحة الجيش الجزائري، ويعدّ الجيش في الجزائر المؤسسة القوية في دائرة الصراع على السلطة، إذ يطلق عليه البعض لقب «صانع الرؤساء» نتيجة تجاربه في تحديد الرؤساء الجزائريين ودعمهم.

الرجل الأخطر في الجزائر.. الفريق أحمد قايد صالح الذي يتتبع الجميع خطواته

يأتي في هذا الصدد نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الجزائري الجنرال أحمد قايد صالح في موقعٍ قوي يضعه بديلًا عن الرئيس الحالي بوتفليقة في حال عدم ترشّحه، إذ سيكون بذلك المرشّح المفضّل لروسيا بحكم العلاقة القوية التي تربط المؤسسة العسكرية الجزائرية بنظيرتها الروسية، خصوصًا أنّ الجيش الجزائريّ يعدّ أحد أكبر زبائن السلاح الروسي في العالم.

المارد الذي يخشاه الرؤساء.. هكذا يتحكّم الجيش الجزائري في خيوط اللعبة السياسية

المصادر

تحميل المزيد