ما يقارب الثلاثة أشهر مضت على انتهاء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي استمرت لواحد وخمسين يوما، استخدمت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي أعتى الأسلحة الفتاكة، والمحرمة دوليا، لتعلوا حينها أصوات حقوقية محلية وعربية ودولية بضرورة التحقيق فيما سموه “جرائم حرب”، ضد المدنيين في القطاع.

دعوة الأمم المتحدة لتشكيل لجنة تقصي الحقائق ورصد ما جرى خلال الشهرين في غزة، أعادت للفلسطينيين والإسرائيليين معا الأذهان إلى التوصيات التي خرج بها تقرير غولدستون عقب انتهاء الحرب الأولى “2008-2009”.

القاضي ريتشارد غولدستون ترأس بعثة الأمم المتحدة لتقصي حقائق حرب 2008

ويرى مراقبون أن الحراك القانوني محليا ودوليا، لم يعد كافيًا لمحاسبة إسرائيل عما اقترفته في الحرب الأخيرة، والتي كانت الأشد عنفا وقسوة وانتهاكا للقانون الدولي الإنساني، ويعود ذلك إلى عدم امتلاك الفلسطينيين لأوراق قوية، مثل انضمامهم إلى ميثاق روما والتوقيع عليه، كما قالوا.

واقتصر الحراك القانوني، حتى الآن على رصد الانتهاكات وكشفها من قبل مؤسسات حقوقية محلية، وأخرى إقليمية، في حين لا يزال الدولي يراوح مكانه، خاصة بعدما رفضت إسرائيل التعاون مع لجنة تحقيق أممية تهدف إلى كشف حقائق بشأن الحرب، ومنع أعضاء في اللجنة أيضا من الدخول إلى “أراضيها”.

وليام شاباس رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقصي حقائق حرب 2014


ما هي لجنة التحقيق الخاصة بالحرب الأخيرة على غزة و التابعة للأمم المتحدة؟

هي لجنة صادق عليها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومقره جنيف للتحقيق في جرائم حرب مزعومة ارتكبتها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، يتزعمها وليام شاباس، وكانت من المقرر أن تباشر عملها في غزة، بعد الذهاب إلى الأردن لأخذ تصريح الدخول من قبل إسرائيل، لكن الأخيرة رفضت.

وتتمثل مهمة اللجنة التي من المقرر أن تقدم تقريرها للمجلس بحلول مارس 2015 بالتعرف على المسئولين عن خروقات القوانين الإنسانية الدولية وتحميلهم تبعات أعمالهم.

لماذا ترفض إسرائيل عمل اللجنة والمشاركة فيها؟

تتهم إسرائيل اللجنة بالتحيز ضدها، كونها ستشوه صورتها أمام الرأي العام الدولي، بعد إدانتها بارتكابها جرائم حرب ضد غزة، حتى أنها اعترضت على اختيار” شاباس” لرئاسة اللجنة، لمواقفه المناهضة ضدها.

ما هو ميثاق روما؟

ميثاق روما الأساسي هو المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، وتم اعتماده في مؤتمر دبلوماسي بروما يوم 17 يوليو/تموز 1998، ودخل حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2002، وفي مايو/أيار 2013 صادقت 122 دولة عليه.

ويعتبر التوقيع على الميثاق تمهيدا لتوجه القيادة والسلطة الفلسطينية إلى المحكمة لمقاضاة إسرائيل على “الانتهاكات” بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة.

لماذا لم توقع عليه السلطة الفلسطينية في ظل الحرب الأخيرة؟

كبيرة المدعين في المحكمة الجنائية الدولية الغامبية فتو بنسودة لفتت إلى أن السلطة الفلسطينية حالت دون بدء المحكمة في إجراء تحقيق رسمي في الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه الأخير على غزة”.

ووفقا لوثيقة سرية نقلا عن موقع” المدينة نيوز” قالت قناة الجزيرة أكدت المدعية أنها لم تتلق تأكيدا من وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن السلطة الفلسطينية وافقت على طلب وزير العدل الفلسطيني بإجراء تحقيقات في انتهاكات إسرائيل خلال العدوان الأخير على غزة، وهو ما يعني أن السلطة الفلسطينية لم تصدق على الطلب.

ويشترط نظام المحكمة الجنائية الدولية موافقة رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو وزير الخارجية على الطلب المقدم إلى المحكمة وهو لم يحصل في حالة طلب وزير العدل الفلسطيني.

وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد طلب تفويض الفصائل الفلسطينية لكي يوقع على ميثاق روما الممهد لعضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية، ووقعت عليها حركة حماس والفصائل الأخرى، دون أن يقرر عباس التوقيع على ميثاق روما حتى اللحظة.

وليست هذه المرة الأولى التي تقوم بها القيادة الفلسطينية بالتراجع عن مقاضاة مسؤولين إسرائيليين، حيث سبق وأن أقنعت الإدارة الأمريكية السلطة الفلسطينية بعدم رفع دعوى بعد صدور تقرير “غولدستون” الذي أكد ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب خلال عدوانها في 2008 / 2009.

ماذا لو انضم الفلسطينيون لميثاق روما؟

ويرى حقوقيون وقانونيون أنه إذا وقع الفلسطينيون على ميثاق روما فسيكون للمحكمة الدولية الولاية القضائية على جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية.

وأوضحوا أن عدم انضمام إسرائيل إلى ميثاق روما لن يعيق الشعب الفلسطيني من ملاحقة دولة الاحتلال المارقة والخارجة عن القانون، فضلا عن أن المقاومة وقادتها محميون ولا يجوز ملاحقتهم ومقاضاتهم، ومن ثم فإنه لا يجوز تقديم لوائح اتهام ضدهم، بموجب القانون الدولي.

من هي المؤسسات الحقوقية التي رصدت انتهاكات الحرب الأخيرة؟

هناك 90 منظمة وشبكة حقوقية في 13 دولة عربية تدين جرائم الحرب الإسرائيلية، وتطالب في الوقت نفسه الأمم المتحدة بعقد مؤتمر دولي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وعدم إفلات مجرمي الحرب الإسرائيليين من العدالة.

وأبرز هذه المنظمات والشبكات:

1-منظمة هيومن رايتس ووتش:

اتهمت المنظمة إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، بعد “شنها هجمات على 3 مدارس تديرها الأمم المتحدة في القطاع خلال حربها الأخيرة على غزة، مما أسفر عن مقتل مدنيين فلسطينيين آووا إلى تلك المدارس هربا من القصف”.

وقالت المنظمة أن هذا أول توثيق من نوعه “للانتهاكات” التي وقعت خلال حرب الـ50 يوما.

2-المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان:

حيث أعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مؤخرا عن فحوى ونتائج تقريرين شاملين عكف فريقه على إعدادهما على مدار 114 يوماً ويتناولا جرائم الحرب التي ارتكبت في غزة أثناء الحرب الأخيرة.

وبحسب الأورومتوسطي، فإن التقرير الأول، وعنوانه “الهجمات العشوائية والقتل العمد، إسرائيل تنتقم من غزة بقتل مدنييها”، يوثق انتهاك القوات المسلحة الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني من خلال شن الهجمات العشوائية، والقتل المتعمد للمدنيين، واستخدام الأسلحة غير التقليدية، والاستهتار بأرواح الأطفال والمعاقين.

و فيما يوثق التقرير الثاني، وعنوانه “منظومة السيطرة الإسرائيلية”: استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية” لقيام السلطات الإسرائيلية أثناء الحرب باستخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية.

3-منظمات حقوقية فلسطينية محلية:

حيث أخذت أربع منظمات حقوقية فلسطينية محلية على عاتقها تشكيل حملة موحدة لتوثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانها على قطاع غزة.

والمنظمات هي مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان”، ومؤسسة الحق “القانون من أجل الإنسان”، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز الميزان لحقوق الإنسان، حيث بدأت منذ اليوم الأول للعدوان، بحملة موحدة لتوثيق جرائم الاحتلال خلال 51 يوما من العدوان.

وجهزت المؤسسات عشرات آلاف النسخ من استمارات جمع المعلومات حول الانتهاكات، لتوثيق الشهداء الذين قتلوا على أيدي قوات الاحتلال أو في مواجهتها، الجرحى من الأطفال والنساء، المنازل السكنية، المنشآت الصناعية، المنشآت التجارية، المنشآت العامة وتشمل “المدارس، المساجد، الجامعات، الدوائر الحكومية .

هل تنصاع إسرائيل للقرارات الدولية، والأخذ بتوصياتها؟

لدى الفلسطينيين تجربة مسبقة في القرارات الدولية التي تدين إسرائيل بارتكابها جرائم حرب ضد المدنيين، والتي كان آخرها، تقرير ريتشارد غولدستون الذي خرج بتوصيات تثبت تورط إسرائيل في استخدام أسلحة مفرطة ومحرمة دوليا، خلال الحرب الأولى “2008-2009″، بيد أن هذه التوصيات لم تؤخذ بعين الاعتبار، وملامسة المواطن الفلسطيني شيئا.

وكان التقرير قد تطرق إلى حصار قطاع غزة مؤكدا أنه شمل منع دخول البضائع إلى القطاع وإغلاق المعابر أمام تنقل الناس والبضائع والخدمات، وفي بعض الأحيان ولأيام قطع إمدادات الوقود والكهرباء عن القطاع، فضلا عن انتقاده استخدام أسلحة بعينها مثل قنابل الفوسفور الأبيض والقذائف المسمارية لأول مرة.

المصادر

تحميل المزيد